|
الحكم الشرعي في إصدار السندات بقلم الأستاذ/ محمد بكري
- تعد السندات من أهم الأدوات المالية التي تصدرها الحكومات والشركات للحصول على القروض الكبيرة التي يتعذر الحصول عليها من فرد واحد أو مؤسسة واحدة بما يضطر هذه الشركات إلى تجزئة القروض الكبيرة إلى أجزاء صغيرة.. وكل جزء منها ما هو إلا صك يطرح على الراغبين في تقديم القروض لهذه الشركات أو الحكومات.. وقد جرى عرف أهل الاقتصاد على تسمية هذه الصكوك المطروحة بالسندات.
فالسند إذن وثيقة بين طرفين :
الأول: الشركات والحكومات وهي بالنسبة لها أداة اقتراض.
الثاني: المقرضون والسند بالنسبة لهم بمثابة الصك الذي يثبت كونهم دائنين للشركات بنفس المبالغ المدونة أو حسبما يتفقون، كما سنوضحه لاحقاً بإذن الله.
- ونحن بعون الله سنحاول الوقوف مع أحد أهم أحكام هذه السندات وهو حكم إصدارها.
- لكننا وقبل أن نتعرض للحكم الشرعي للسندات فإننا نطرح بعض النقاط التي توضح لنا أولاً التوصيف الاقتصادي للسندات حتى يتم بناء الحكم الشرعي على أساس من تصور صحيح.
- " فالحكم على الشيء فرع عن تصوره " كما هو مقرر عند الأصوليين..
- فما هو السند ؟ وما هي أنواع السندات ؟ وما هي الاعتبارات التي يتم تقسيم السندات في ضوئها ؟
- السند: كما جاء في معجم المصطلحات التجارية والمصرفية لعمر الأيوبي صـ75 : "وعد مكتوب لدفع مبلغ من النقود إلى حامله بتاريخ معين مع دفع نسبة من الفائدة على قيمته الاسمية ".
- ولا يختلف البراوي في " الموسوعة الاقتصادية " كثيراً عن هذا التعريف حيث قال : "عبارة عن قرض طويل الأجل تتعهد الشركة المقترضة بموجبه أن تسدد قيمته في تواريخ محددة " أ.هـ
- وواضح من هذين التعريفين أن السند يمثل قرضاً في الحقيقة العملية والعبرة كما هو معلوم بالمعاني والمقاصد.. وليس بالألفاظ والمباني حتى عند القانونيين، فالسند لا يخرج عن كونه قرضاً.
- يقول الدكتور/ عبد الرازق السنهوري في الوسيط في شرح القانون المدني (5/453).
- " وقد يتخذ القرض صوراً مختلفة أخرى غير المألوفة، من ذلك أن تصدر شركة أو شخص معنوي عام سندات.. فهذه السندات قروض تعقدها الشركة أو الشخص المعنوي مع المقرضين ومن اكتتب في هذه السندات في مقرض للشركة أو الشخص المعنوي بقيمة ما اكتتب " أ.هـ
- وواضح من كلام الفقيه القانوني الدكتور السنهوري أن السند قرض وهو من الناحية الشرعية كذلك.
- من خصائص السندات : أنها تقبل التداول بالطرق التجارية المعروفة.. فيمكن لحامل السند أن يبعه حسب السعر السائد بل يمكن أن يتنازل عنه
- وهنا نلفت النظر إلى أن: السندات يمكن تقسيمها بعدة اعتبارات:-
1- شكل السند: وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى:
[السند الرسمي – السند لحامله – السند لأمر]
2- باعتبار الضمان وعدمه: وينقسم إلى :-
أ- سندات مضمونة برهن أصول معينة: وهي سندات مضمونة بأصل من أصول تمتلكها الشركة.. فمتى عجزة الشركة عن الوفاء بالتزاماتها نحو حامل السند بيعت هذه الأصول واستوفى حامل السند حقه.. ولأصحابها الأولوية في استيفاء حقوقهم قبل غيرهم.
ب - سندات عادية: وهي سندات غير مضمونة برهن أصول معينة للشركة لو عجزة الشركة أو تم تصفيتها يأتي دور حملة هذا النوع من السندات بعد أصحاب القسم الأول المضمون.
3- باعتبار نوع العائد المستفاد:
أ- سندات ذات معدل فائدة ثابت: وتدفع بشكل دوري حتى يحل أجل السند وعندها يتم الوفاء بالقيمة الاسمية.
ب- سندات ذات معدل فائدة متغيرة: فمتى حل وقت دفع الفائدة أعطي لحامل السند نسبة الفائدة السائدة آنذاك.
ج- سندات الكوبون الصغرى: وهي لا تحمل معدل فائدة ثابت أو متغير.. وإنما يحصل حامل السند على فائدة من خلال الفرق بين القيمة الاسمية التي يقبضها المشتري عند تاريخ الاستحقاق وسعر الشراء.
4- باعتبار أجل الاستحقاق والوفاء بالقيمة:
أ- سندات لها تاريخ محدد: حيث تدفع الشركات المصدرة للسند القيمة الاسمية للسند في ذلك التاريخ.
ب – سندات ( مجدولة أو تسلسلية ) : وفيها تتحمل الشركة المصدرة للسندات بسداد هذه القروض وفق جدول زمني متسلسل ينتهي بتاريخ الاستحقاق النهائي.. فمثلاً سند بقيمة 10 ملايين.. كل سنة مليون مع نسبة الفائدة خلال عشر سنوات.
ج – سندات قابلة للاستدعاء : وفيها يبرم العقد على أنه متى بدأ للشركة المصدرة رد قيمة السند لحامله كان لها ذلك الحق متى رأت مصلحتها في ذلك على أن يعطي حامل السند في هذه الحالة ما يعرف بعلاوة الاستدعاء، فإذا لم يكن السند قابلاً للاستدعاء قامت الشركة بشراء هذا السند بالسعر السائد في السوق آنذاك ، ومعلوم أن القيمة المسماة بعلاوة الاستدعاء تختلف باختلاف عدد السنوات التي بقي فيها السند مع حامله.
د – السندات القابلة للتحويل : وهي التي يمكن تحويلها من سندات إلى أسهم وفق ضوابط متفق عليها ، وعليه فإن حامل السند يتحول في هذا النوع من دائن إلى مساهم.
- ولعلنا بهذه الإطلالة قد وضحنا معنى السند وصوره وأشكاله باعتبار طرائق تقسيمه.
- والآن حان الأوان للوقوف مع السندات من الناحية الفقهية :-
- فنقول والله المستعان ينظر إلى المسألة من شقين:-
- الأول : حكم إصدار السندات.
- الثاني : حكم تداول السندات.
- وهي قضية تحتاج إلى تفصيل مطول لعل الله سبحانه أن يعيننا في إفرادها بمقال في مرة قادمة حيث أننا سنعرض للأصل الشرعي له وهي حكم بيع الدين.
- والآن مع الشق الأول : حكم إصدار السندات :-
- وبين يدي الحديث عن حكم إصدار السندات يجب أن نؤكد على ما يلي من أحكام القرض :-
1- القرض في الشريعة عقد جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
2- أيضا عند رد القرض لا مانع من الزيادة ما لم تكن مشروطة ، ويشهد لذلك ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): كان على النبي (صلى الله عليه وسلم) سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: " أعطوه " فطلبوا سنة فلم يجدوا إلا سناً فوقها، فقال" أعطوه" فقال: أوفيتني أوفاك الله فقال: النبي (صلى الله عليه وسلم): "إن خيركم أحسنكم قضاء".. ومثله من حديث جابر قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وكان لي عليه دين فقضاني وزادني" رواه الشيخان.
3- يحرم اشتراط الزيادة ونقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك، قال ابن قدامة (رحمه الله) في المغني : " كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف ".
- وقال ابن المنذر : " أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك إنَ أخذه الزيادة على ذلك ربا.
- وقد روى عن أبي بن كعب وابن عباس وابن مسعود (رضي الله عنهم) أنهم نهوا عن قرض جر منفعة" أ.هـ من المغني (4/360) .
- قال ابن حزم في المحلي (7/402) " فلا يحل إقراض شيء ليرد إليك أقل أو أكثر.. ولا من نوع آخر أصلاً لكن مثل ما أقرضت في نوعه ومقداره وهذا إجماع مقطوع به ".
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) " وقد اتفق الفقهاء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراماً" أ.هـ الفتاوى (29/334).
- وقد قال القرطبي في تفسيره (3/241) " وأجمع المسلمون نقلا عن نبيهم (صلى الله عليه وسلم) أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كانت قبضة من علف، كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة".
- وقال العيني في عمدة القارئ (12/45) " وقد أجمع المسلمون بالنقل عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أن اشتراط الزيادة في السلف ربا حرام" .
- وأما حكم إصدار السندات بعد الذي تقدم فنقول:
- لو تدبرنا وصف ا لسندات ثم حرمة اشتراط الزيادة التي انعقد عليه الإجماع الذي تقدم ذكره، علمنا بما لا يدع مجالا للشك بأن جميع أنواع السندات التي تتضمن اشتراط رد المبلغ وزيادة سواء كانت في الجنس أو الصفة وسواء كانت ستدفع عند أصل القرض أو على وجه التقسيط..
- ويحسن بنا هنا أن ننقل النص الكامل لقرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في ذلك الدورة المنعقدة في جدة في الفترة (17-23شعبان 1410هـ الموافق 14-20آذار مارس 1990م) المؤتمر السادس وجاء فيه ما يلي:-
- بعد الاطلاع على أن السند شهادة يلتزم المصدر بموجبها أن يدفع لحاملها القيمة الاسمية عند الاستحقاق مع دفع فائدة متفق عليها منسوبة إلى القيمة الاسمية للسند أو ترتيب نفع مشروط.. سواء أكان جوائز توزع بالقرعة أو مبلغا مقطوعا أم حسبما قرر ما يلي:
- أولا: إن السندات التي تمثل التزاماً بدفع مبلغاً مع الفائدة منسوبة إليه أو نفع مشروط نحرمه شرعا من الإصدار أو الشراء أو التداول لأنها قروض ربوية.. سواء كانت الجهات المصدرة لها خاصة أو عامة ترتبط بالدولة ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكا استثمارية أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربوية الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائدا.
- ثانيا: تحرم أيضا السندات ذات الكوبون الصغرى باعتبارها قرودا يجرى بيعا بأقل من قيمتها الاسمية ويستفيد أصحابها من الفروق حسما لهذه السندات.
- ثالثا: تحرم السندات ذات الجوائز باعتبارها قروضا اشترط نفع أو زيادة بالنسبة لمجموع المقرضين أو لبعضهم لا على التعين فضلاً عن شبهة القمار".
- وقد انتقل قرار المجمع من مجرد بيان الحكم الشرعي في إصدار السندات بل تقدم بديل عن هذه المعاملات غير الشرعية حيث جاء بالبند رابعا ما يلي:-
- " من البدائل للسندات المحرمة إصدار أو شراء أو تداول السندات أو الصكوك القائمة على أساس المضاربة لمشروع أو نشاط استثماري معين بحيث لا يكون لمالكها فائدة أو نفع مقطوع.. وإنما لهم نسبة من ربح هذا المشروع بقدر ما يملكون من هذه السندات أو الصكوك.. ولا ينالون من الربح إلا إذا تحقق فعلاً.. ويمكن الاستفادة من هذه الصيغة التي تم اعتبارها بالقرار(5) للدورة الرابعة لهذا المجمع بشأن سندات المضاربة " أ.هـ
- لقد قدمت الدورة الرابعة في جدة في [18- 23] جمادى الآخرة 1408 هـ الموافق.
- [6 – 11] فبراير 1988م في القرار الخامس المذكور صورة حقيقة السندات المقارضة.. وذلك بالتعاون بين مجمع الفقه الإسلامي والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية.. وكان قراراً علمياً متوجاً لجهود جبارة بذلت لتقديم بديل إسلامي حتى كان البيان الصادر عن دار الإفتاء المصرية في سبتمبر 1989م بحل شهادات الاستثمار وهو نوع من السندات الربوية كما هو معلوم.
- ثم كانت ندوة الأسواق المالية والتي انعقدت بمدينة الرباط المغربية بالتعاون بين مجمع الفقه الإسلامي والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية : وقد أقر القرار رقم[ 62/11/6 ] في مارس 1990م .. وكفى الله المؤمنين القتال.
- فلم يعد هناك أي التفات إلى الآراء المتفرقة والتي تنتهض حجة لمعارضة ما جاء من الأدلة الشرعية على حرمة اشتراط الزيادة عند وفاء الدين.. فمثل هذه الآراء لم تخرج عن كونها مجرد اجتهادات عقلية مصادمة للنصوص الشرعية الواضحة والصريحة.
- وعلى سبيل المثال لا الحصر: هل تصمد شبهة القول بأن الحكمة في تحريم الربا هي حماية القوي من الضعيف.. فهذا كلام متهافت أمام نصوص صريحة.. بل لقد انعقد الإجماع كما أسلفنا على حرمة الزيادة التي تشتطر.
- وذهب البعض إلى أن التحريم إنما هو استغلال من الغني للفقير والبنك المصدر للسندات ليس فقيراً أو حامل السند ليس غنياً.. ومن ثم فلا حرج من إباحة هذه الفائدة.
- وهذا الكلام ضعيف أو مرجوح.. وكم من الأقوال مثل هذا ماتت بإجمالها وعدم التعرض لها ، ورحم الله فضيلة الشيخ / محمود شلتوت حيث قال في تفسيره صـ150 :"وخلاصة القول أن يراد بها إباحة ما حرم الله أو تبرير أو ارتكاب أي نوع من أنواع التبرير بدفع المجارة للأوضاع الحديثة أو الغربية.. والانخلاع عن الشخصية الإسلامية إنما هي جرأة على الله وقول عليه بغير علم وضعف في الدين وتزلزل في اليقين "
- وهل بعد هذه الأزمة الاقتصادية العالمية التي تتهاوى معها حصون الاقتصاد في العالم أن يتكلم أحد بمثل هذه الشبهات.
- وصدق الشاعر العربي إذ يقول:
إذا لم يكن للمرء عين صحيحة فلا غرر أن يرتاب والصبح مسفر
- ماذا بعد فقد (2) مليون وثمانمائة ألف عامل في الولايات المتحدة عملهم خلال (3) أشهر الأخيرة.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصبحه أجمعين.
عودة الى الأحكام
|