|
- تحذير المؤمنين من تكفير المسلمين -
(ومن قذف مؤمنا بكفر كقاتله), (ومن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه), ما أعظمك يا رسول الله, وأنت تعالج أدواء أمتك حتى وإن لم تظهر تلك الأدواء بعد, ما أعظمك يا قرة أعين المؤمنين, وكلماتك هي ناقوس تدق في ضمير الأمة ليوقظ عقول أبنائها محذرا إياهم من هذا الداء الوبيل, داء تكفير المؤمنين.
وهل هناك تحذير أشد من ذلك؟, فمجرد قول كلمة يا كافر لمسلم يجعل قائلها بمثابة القاتل له, ولما لا؟ أليس رمي المؤمن بالكفر واتهامه وهو برئ يعد قتلا أدبيا له؟ وعارا يلاحقه بين أبنائه وأهله وعشيرته, وإذا كان الأمر بهذه الفظاعة, فلابد من حسم مادته والتحذير من خطورته وبيان مصير من قال لأخيه يا كافر وهو ليس كذلك.
إن مجرد القول يجعل قائله على خطر عظيم, فهو إن كان كاذبا في دعواه تلك فقد يلحق به الكفر.
أما إن لم يكفر بقوله ذلك فعند العلماء يستحق التعزير لإساءته لأخيه المسلم وإيذائه, ويزداد الأمر خطورة إن اتبع هذا القائل القول بالعمل, فلا يكتفي بتكفير أخيه المسلم دون تحقق, بل يسارع بتطبيق أحكام الردة عليه, ويعامله معاملة الكافرين, وربما أهدر دمه واستحل ماله, فيصير قاتلا وسارقا, ومن قبل منتهكا لأحكام الشريعة والدين ومضيعا لحقوق الأخوة, ومثيرا للفتنة بين المؤمنين, فهل هناك فسادا أكثر من ذلك؟؟.
ولنا أن نتصور صورة المجتمع الذي يتنابذ أفراده بالكفر ويلاحق بعضهم بعضا بسيف التكفير كيف يكون ذلك؟ أيكون مجتمعا قويا متماسكا منيعا؟ كلا إنه مجتمع التباغض والتقاتل والهوى والانشغال بالذات والانكفاء عليها وصائر التفكك والانهيار فالاندثار.
إن التكفير لمسلم دون دليل بين مجافاة للشريعة وأحكامها ومحآدة لله ولرسوله, وإهدار للعدل كقيمة قامت عليها السموات والأرض, نعم التكفير لمسلم دون دليل محآدة لله سبحانه القائل: (فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا), وكذلك التكفير بدون تحقيق وتبين محآدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله), وأيضا التكفير بدون تحقق مجافاة لأحكام الشريعة, التي حددت ضوابط دقيقة وقواعد عديدة تحكم قضية تكفير المسلم.
وأخيرا وليس أخراً ففي هذا الصنيع البئيس إهدار لقيمة العدل الذي يستوجب في أدنى صورة أن يكون من يحكم بالتكفير للمسلمين مؤهلا لذلك وأن يتاح لمن ينسب إلى الكفر حق الدفاع عن النفس ورد الظلم.
إن من يمارس هواية التكفير للمسلمين دون التزام بأحكام الشريعة إما أن يكون بأحكامها جاهلا أو يكون صاحب ورع كاذب أو يكون صاحب شهوة وهوى, وتزكية للنفس وازدراء للخلق وأي من هذا إنما يعبر عن ظلمة في القلب وفساد في السريرة.
والإسلام لم يترك الأمر دون علاج فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفي برصد آفة التكفير التي ستعاني الأمة منها من بعده ولكنه اتبع ذلك بتقديم العلاج ووصف الدواء.
· علماء الأمة على منهج النبي صلى الله عليه وسلم:
وعلى منهجه صلى الله عليه وسلم سار علماء الأمة الأكابر محذرين من تكفير المسلمين دون دليل مبين:
· فها هو الإمام أبو حامد الغزالي يقول: (والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا, فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله, خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم.. والوصية أن تكف لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك ماداموا قائلين لا إله إلا الله محمد رسول الله غير مناقضين لها, والمناقضة تجويزهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذر أو بغير عذر, فإن التكفير فيه خطر والسكوت لا خطر فيه).
· يقول العلامة ابن عابدين في الفتاوى الصغيرة: (الكفر شيء عظيم فلا أجعل المؤمن كافرا متى وجدت رواية أنه لا يكفر, وفي الخلاصة وغيرها إذا كان من المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير تحسينا للظن, زاد في البزازية: إلا إذا صرح بإرادة موجب الكفر فلا ينفعه التأويل, وفي التتار خافية: لا يكفر بالمحتمل لأن الكفر نهاية في العقوبة فيستدعي نهاية في الجناية ومع الاحتمال لا نهاية.. والذي تحرر أنه لا يفتي بتكفير مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة وعلى هذا فإن أكثر ألفاظ التكفير المذكورة لا يفتى بالتكفير فيها ولقد ألزمت نفسي ألا أفتي بشيء منها).أ.هـ .
· ويقول الإمام الطحاوي: (لا يخرج الرجل من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه ثم ما تيقن أنه ردة يحكم بها, وما يشك أنه ردة لا حكم بها, إذ الإسلام الثابت لا يزول بالشك مع إن الإسلام يعلو, وينبغي للعالم إذا رفع إليه هذا ألا يبادر بتكفير أهل الإسلام مع إنه يقضي بصحة إسلام المكره. أقول قدمت هذا ليصير ميزانا فيما نقلته في هذا الفصل من المسائل فإنه قد ذكر في بعضها أنه كفر مع أنه لا يكفر على قياس هذه المقدمة)أ.هـ .
· ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن ثبت إيمانه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة).. ويقول أيضا: (إن أهل العلم والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم, لأن الكفر حكم شرعي, فليس للإنسان أن يعاقب بمثله, كمن كذب عليك وزنى بأهلك, ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله, لأن الزنا والكذب حرام لحق الله تعالى, وكذلك التكفير حق الله تعالى, لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز قتله يتوقف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من يخالفها, وإلا فليس كل من جهل شيئا من الدين يكفر) أ.هـ .
عودة الى عقائد وأصول
|