ليس هناك جدال في أن بر الوالدين من أكبر الطاعات وأفضل القربات إلى الله تعالى.
وكذا ليس هناك شك في كون عقوق الوالدين من أكبر الكبائر وأقبح الذنوب .. والأدلة في ذلك كثيرة لا مجال لذكرها ها هنا .
ولكن هناك أمورا ً لابد أن توضع في الحسبان قبل الحديث عن طاعة الوالدين أو عدم طاعتهما في مثل هذه المسألة التي نحن بصددها.
فإن الله تعالى قد جعل العلاقة الزوجية منشئة لعلاقات جديدة كالأبوة والأمومة وأخوة الأبناء بعضهم مع بعض.
فإذا كان الإنسان مأموراً منه قبل الشارع ببر الوالدين، فإنه مأمور منه كذلك بحفظ أسرته من الضياع وضمان حياة كريمة مستقرة لأبنائه .. فهو لهم راع ومسئول عن رعيته.. أحفظ أم ضيع.. كما ورد في الحديث.
قولة (صلى الله عليه وسلم)
" كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول"
ولا يكون الضياع فقط بعدم الإنفاق وإنما بعدم حفظ الحياة الآمنة المستقرة لأسرته.. بحيث يجد كل فرد في الأسرة حاجته من الحب والعطف والرعاية المادية والنفسية والتربية الدينية الصحيحة التي ينشأ بها فرداً مسلماً صالحاًَ.
وقد وقع التعارض بين حقوق الوالدين وبين المحافظة على استقرار الحياة الأسرية منذ عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
فقد أمر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبد الله أن يطلق زوجته.. وكانت هذه الواقعة مثار اهتمام علماء المسلمين ليضعوا أحكاماً لمثيلاتها.. فبحث أهل العلم فيما يجب على الابن أن يفعله إذا أمره أبوه بطلاق زوجته التي يجد راحته واستقرار حياته معها في كل اتجاه.
وهل يجب على الابن طاعة أبيه عندها؟
وهل سيكون الابن عاقاً لوالديه إذا رفض طاعة أبيه في إنهاء حياته الزوجية؟
ذهب أكثر أهل العلم إلى القول بعدم الطاعة في مثل هذا الأمر.. إلا أن يكون الوالد من أهل الصلاح والتقوى.. لأنه عندها لن يأمر ولده بفراق زوجته إلا إذا كان في الأمر ما يوجب ذلك.
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيميه إلى القول بأنه يحرم على الابن طاعة أمه في طلاق زوجته خاصة إذا كان له منها أبناء.
فقد سئل رحمه الله: عن رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره زوجته وتشير عليه بطلاقها.. فهل يفعل ذلك طاعة لأمه ؟
فقال: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه.. بل عليه أن يبر أمه.. وليس تطليق امرأته من برها.
وقد سأل رجل الإمام أحمد رحمة الله عليه فقال: إن أبي يأمرني إن أطلق امرأتي فهل أفعل؟
فقال الإمام: لا تطلقها.
قال: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق زوجته؟
قال: متى يكون أبوك مثل عمر رضي الله عنه.
ومن هذا يتضح إنه لا يجب على الابن طاعة أبيه وأمه إذا أمره واحد منهما أن يطلق زوجته.. وبخاصة إذا كان يعيش معها حياة مستقرة وله منها أولاد. |