سلسلة الحركة الإسلامية على هامش المراجعة
(1) أين نحن من أنفسنا؟
في ظل حمى المراجعات التي اجتاحت جميع القوى الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. والتي ظلت عند الأكثرين مجرد دعاوى تقف الحركة الإسلامية في القلب من هذه الأحداث بما تحمله من مشروع إصلاحي يهتم بالإنسان والمكان.
لذا .. فهي مطالبة قبل غيرها بالمراجعة والمحاسبة حتى لا تجد نفسها خارج إطار الحدث نظراً لعكوفها على مقولات واجتهادات تجاوزها الزمن ونأى عنها المكان.
وهذه هي مهمتنا نحن ـ شباب الحركة وشيوخها ـ الذين نشأنا في حجرها, ورضعنا من لبنها, وصددنا عن حوضها, حتى نحافظ على أصالة الحركة, ونحقق لها المعاصرة المنشودة.
ولعل القضية التي تحتاج إلى جهد جهيد, وتجرد شديد وتقف على قمة أولويات البحث والمراجعة هي قضية العلاقة بين الفصائل ومدارس الحركة الإسلامية.
فالناظر إلى طبيعة هذه العلاقة على مدار السنوات الطويلة الماضية سيجد أنها تعرضت لهزات شديدة, والتواءات عنيفة جعلتها ضعيفة هشة لا تصمد أمام أي خلاف حتى ولو كان بسيطاً خاصة مع اختفاء الأسس الراعية, والسياج الواقية.
ومن العجيب أننا وفي ظل عالم تحكمه منظومة العولمة, وتسعى فيه القوى الاقتصادية والسياسية إلى التكتل, مازالت فصائل الحركة تعيش في جزر منعزلة بل ومتناحرة.
وإنها ـ لعمرو الله ـ من أعظم المفاسد التي ترتكب في حق هذا الدين أن يترك هذا التطاحن بلا جهد يُبذل من أجل محاصرته والقضاء عليه.
فالرماح المُشرَعَة يتسلمها جيل من جيل, والأقلام المسنونة يتعاهدها اللاحق من السابق حتى ضَجَّ المخلصون من أبناء الحركة .. وهم كُثُر ولله الحمد بالشكوى.
والسؤال: أين نحن من أنفسنا ؟!
في ظل هذه الأوضاع المأسوية التي يعيشها الإسلام, يجب علينا أن نتوقف لدراسة هذه الحالة العصيبة لتشخيص الحالة, ومحاولة وضع العلاج الناجح لها...
الأسباب المفضية لهذه الأزمة:
1– ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة:
فكل فصيل يعتبر نفسه أنه المالك الوحيد للحل المطلق الأكمل, وأن طرحه على المستويين النظري والعملي هو الطرح الأمثل الذي لابد وأن يلتزم به الجميع ومن خرج عنه فقد خرج على ثوابت الإسلام ذاتها.
ومن المعلوم أن الحقائق المطلقة التي اتفقت عليها الأمة يوجد جلها أو معظمها في مضمار العقائد.
وهذه أبواب الفقه شاهدة بالاختلاف الواقع بين الأئمة, كل حسب اجتهاده, بالرغم من ذلك لم يدع أحد منهم احتكار الحقيقة المطلقة.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
(وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولنه وذلك هو الواجب عليهم, فقال أبو حنيفة: "هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه", ولهذا لما احتج أفضل أصحابه أبو يوسف, أتى مالكاً فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس, فأخبره مالك بما يدل على السنة في ذلك فقال: "رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله", ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله).
ومالك كان يقول: (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة). أو كلاماً هذا معناه.
والشافعي كان يقول: (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي)أ.هـ .
فإذا كان هذا هو رأي الأئمة في اجتهاداتهم ... فما بالك بمن هو دونهم.
فالأطر الفكرية والحركية التي تؤطر مسارات الحركة إنما هي اجتهادات بشرية محضة, حاول منظروها ـ بكل إخلاص وتجرد ـ وضع هذه الأطر التي تحدد المسار وتوضح الرؤية, ولكنها في النهاية اجتهاد قابل للنقاش, متعرض للأخذ والرد دونما تعصب أو تشنج.
ومما لا شك فيه أن وضع هذه الاجتهادات على طاولة البحث العلمي المتجرد تزيدها ثراءً ونماءً, لا دحراً وانمحاءً كما يظن البعض.
فالثوابت التي لا يجوز فيها الاختلاف, أو ادعاء نسبية الحقيقة فيها هي ثوابت الدين ذاته من الإيمان بالله واليوم الأخر وكليات مسائل الاعتقاد التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة وإنما قلنا هنا الكليات, لأنه توجد جزئيات في مسائل الاعتقاد ساغ فيها الخلاف ولم يُبَدَّع المخالف, فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة أسري به؛ نفتها السيدة عائشة وأنكرت إنكاراً شديداً على مثبتها حتى ذهبت إلى تكذيبه في الوقت ذاته أثبتها ابن عباس رضي الله عنه.
فقد أخرج الشيخان عنها أنها قالت: (من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب).......الحديث.
وبالرغم من ذلك لم يقل أحدٌ بتبديع أي من الفريقين, (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا).
فوضع مسائل الاختلاف ومجاري الاجتهاد في إطارها الصحيح سيهون من شأن هذا الخلاف طالما أنه مما يسوغ فيه الخلاف والبعض من أصحاب الاتجاهات الإسلامية يعتبر أن جماعته هي المصيبة دائماً في كل خلاف وأن كل من خالفها فعليه أن يترك جماعته لينضم إليهم, وهي نظرة ضيقة فيها من الغلو وعدم تقدير واقع أي من الجماعات والاتجاهات الموجودة على الساحة.
2– التربية الخاطئة:
فصفاء الابتداء إنما يولد شخصية متزنة ذات همة عالية قد اجتمعت لها القوتان العلمية والعملية، أما فساد الابتداء فهو الهلاك حتى وإن اهتدى بالسالك الطريقَ قليلاً، يقول أحد الصالحين محذراً ومنبهاً:
(إنما تتولد الدعوى من فساد الابتداء, فمن صحت بدايته صحت نهايته, ومن فسدت بدايته فربما هلك).
فمن أعظم الجنايات التي ترتكب في حق ناشئة الدعوة أن يلقنوا تعصباً مقيتاً لجماعتهم, وبغضاً عظيماً للآخرين, وازدراء عجيباً لكل داعية سوى جماعتهم.
يقول ابن تيمية رحمه الله:
(وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب, أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا, مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل, والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أو الباطل, فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمر بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف, وأمرا بالتعاون على البر والتقوى, ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان)أ.هـ .
عودة الى قضايا معاصرة