الخميس 26 شعبان 1429     28 أغسطس 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلتقرير جديد للبنك الدولى يقول ان 1.4 مليار شخص فى العالم يعيشون تحت خط الفقر
خبر وتعليق

بعد حريق مجلس الشورى بالقاهرة , يجب
اخلاء القاهرة من الوزارات
تأمين المبانى الهامة
تطوير الدفاع المدنى
اقتراعات سابقة

الربا.. ماهيته و أنواعه وتدرج تحريمه

بقلم / محمد بكري

في المقالة السابقة تعرضنا للحديث عن الرد على من زعم أن التحريم للربا إنما هو من مفردات الشريعة الإسلامية.. وثبت بالدليل الواضح أن الشريعة اليهودية والنصرانية قد حرمتا الربا.. وأن مجامع الكنيسة في سابق تاريخها قد اتفقت على ذلك.. حتى حركة الإصلاح الديني بقيادة (مارتن لوثر) قد سلكت نفس المسلك.. بل إن الفلاسفة قد بينوا لنا أن النقد لا يلد النقد وانه لا يصح اتخاذ النقد ذاته سلعة تباع بمثلها.. فالنقد ليس مادة للتجارة وإنما هي أداة لها.

وسنحاول في إصدارنا اليوم بحول الله وعونه.. الوقوف عند حكم الربا في الشريعة الإسلامية.

ومن المعلوم: أن الربا قد ثبت تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع.. ولسنا نحتاج إلى كبير جهد لإثبات وإقامة الأدلة على تحريمه.. فهذا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة.. ويكفي أن نشير إلى شاهد من القرآن وآخر من السنة لإيضاح ما أسلفنا ذكره.

فمن القرآن: قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } وهذه الآيات هي المرحلة الأخيرة التي مر بها التشريع في تحريم الربا.

وقد ثبت عن ابن عباس (رضي الله عنهما) من رواية سعيد بن جبير (رحمه الله) أنه قال: " يقال يوم القيامة لآكل الربا حذ سلاحك للحرب" ومن رواية علي بن أبي طلحة عنه (رضي الله عنهما) أنه قال:"فمن كان مقيما على الربا لا ينزع عنه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتيبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه".

ومن السنة: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد عده من الكبائر الموبقات كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:"اجتنبوا السبع الموبقات, قيل يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, والسحر, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".

وقد أخرج مسلم من حديث جابر بلفظ:"إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لعن آكل الربا وموكله وشاهديه هم سواء".

وأما الإجماع: فلقد نقل الإجماع غير واحد من الأئمة على تحريمه.

فما هو إذن الربا الذي تحدث القرآن عنه؟

وقبل الدخول في تحديد ما هو الربا الذي جاء القرآن بتحريمه فإننا نلفت النظر هنا إلى المراحل التي مر بها تحريم الربا:

ففي المرحلة الأولى: لقد كان القرآن واضحا في التمهيد لبيان الحكم حتى والمسلمون في مكة لا يملكون من أمرهم شيئا فقال تعالى { وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } فالقرآن وإن لم يصرح بصفة قاطعة بحرمة الربا.. إلا إنه لم يفته والمسلمون بين ظهراني المشركين أن يلمح إلى كراهية الله عز وجل للربا.

وفي المرحلة الثانية: نزل قول الله تعالى { فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ.... } مما استحق اليهود الغضب واللعنة وتحريم ما أحل الله عليهم يعني بوضوح أن الله لم يحل لهم الربا وإن زعموا غير ذلك.. وأن الله جعل من أسباب ما حل بهم هو أكل الربا.

أما المرحلة الثالثة: فلقد تحدث فيها القرآن عن تحريم جزئي.. وهو صريح في حرمة الربا وذلك في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً } فأكل الربا يؤدي إلى أداء الديون أضعافا مضاعفة مما يؤدي إلى عجز المدين واستفحال دينه.

أما المرحلة الرابعة: فقد جاءت بالتحريم الكلي والصريح للربا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } وأعلن الله عز وجل الحرب على من أكل الربا.. وأوضح قبلها مآل أكلة الربا يوم القيامة.

والآن..

ماهو الربا؟!

الربا عند أهل اللغة: هو الزيادة كما قال تعالى { اهتزت وربت } أي زادت.

أما في الشرع: فإن الربا ينقسم إلى قسمين: ربا النسيئة وربا الفضل

وسوف نتحدث عنهما بالتفصيل:-

ربا النسيئة

ينقسم ربا النسيئة إلى قسمين:

القسم الأول: ما كان يعرفه العرب من ربا الديون.

وفي هذا الأمر يقول شيخ المفسرين ابن جرير الطبري (رحمه الله):"إن الرجل في الجاهلية يكون له على الرجل مال إلى أجل.. فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول الذي عليه الدين أخر عني دينك وأزيدك على دينك فيفعلان ذلك.. فذلك هو الربا أضعافا مضاعفة فنهاهم الله عز وجل في إسلامهم عنه".

وما أجمل ما قاله الإمام أحمد (رحمه الله):"إنه الربا الذي لا شك فيه ولم يختلف فيه أحد وكل زيادة في نظير الأجل على قاعدة "أنظرني وأزيدك".

وفي ذلك يقول الجصاص في أحكام القرآن:" الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به".

وقد وصفه ابن القيم (رحمه الله):" بأنه الربا الجلي.. وبمثل قولهما قد وصفه.

وقال الفخر الرازي في تفسيره:"ربا النسيئة هو الأمر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية.. وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ويكون رأس المال باقيا.. ثم إذا حل الدين طالبوا الديون برأس المال.. فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به".

ولا يخفى عليك أيها القارئ الكريم أن البنوك والمصارف الربوية الآن لا تخرج معاملاتها كثيرا عن هذا الأمر سواء كانت الفائدة بسيطة أو مركبة كما سنوضح لاحقا إن شاء الله .

القسم الثاني: أي من ربا النسيئة هو ما نصت عليه السنة من عدم التقابض في الحال في مبادلة الأصناف الربوية أو ما شاركها في علتها.

والدليل على ذلك من السنة المطهرة:

ففي الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة من السنن والمسانيد قوله (صلى الله عليه وسلم):" ولا تبيعوا منها غائبا بناجز".

وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) في الصحيحين أيضا من حديث عمر (رضي الله عنه):" الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء.. ومعنى هاء وهاء أي خذ وهات".

وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث عبادة بن الصامت عند مسلم:" فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"..

ولعل فيما ذكرنا من الأدلة الثلاثة من السنة الكفاية في تحريم عدم التقابض في الحال في الأصناف الربوية عند مبادلة الجنس بجنسه أو بغيره مما شاركه في علة الربا.

وبعد إيضاح القسم الأول من أقسام الربا وهو ربا النسيئة بشقيه: ربا الجاهلية.. وربا النساء المتمثل في عدم التقابض في الحال.. فنتناول الآن ربا البيوع أو ربا الفضل.

ربا الفضل (البيوع)

نقول أن مذهب جمهور العلماء على تحريم ربا الفضل (البيوع) وحتى أولئك الذين ذهبوا إلى حصر الربا في ربا الديون أو ربا الجاهلية الذي سبق الحديث عنه استدلالا بحديث أسامة بن زيد (رضي الله عنه) في الصحيحين:"إنما الربا في النسيئة"  قد ثبت عن معظمهم الرجوع عن قوله.. والأحاديث الثابتة في دواوين السنة من الصحاح والسنن والمسانيد تقطع بحرمة هذا النوع من الربا.

وقبل الحديث عن هذا النوع فإننا ننبه إلى أن المعاملة التي يجري فيها التعامل في الأصناف الربوية لا يخرج عن احتمالات أربع وهي كما يلي:

مع جنسه.

مع جنس ربوي يشاركه نفس العلة.

مع ربوي لا يشاركه في العلة.

مع ما ليس بربوي.

ولنبدأ الحديث عن كل احتمال من هذه الاحتمالات لتتضح لنا الأحكام المتعلقة بكل معاملة, لكن قبل ذلك:

ما هي الأصناف الربوية؟!

هي الأصناف الستة الواردة في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والبخاري من حديث أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه): "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء"..

فالأصناف الستة هي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح.

الاحتمال الأول: بيع الصنف الربوي بجنسه.

كبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير.

وهنا نقول إن القاعدة التي تحكم هذه المعاملة هي:

[ عند اتحاد الأجناس تحرم المفاضلة وتحرم النسيئة ]

فلا يصح بيع 10 جرامات من الذهب بـ 12 جرام من الذهب مثلا.. ولا يصح بيع كيلة من القمح بكيلة وقدح وهكذا.. فلا بد من التماثل للخروج من الوقوع في الربا المحرم.

ولا يصح بيع 10 جرامات من الذهب بـ 10 جرامات من الذهب وأحدهما سيتم تسليمه بعد ساعة.. أو كيله قمح بكيله قمح وأحدهما غائب.

والسؤال الآن ما هو الدليل على تحريم المفاضلة؟ وتحريم النسيئة؟

والجواب: الأدلة على تحريم المفاضلة كثيرة نكتفي بذكر بعضها للإيضاح:

قوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث أبي سعيد في الصحيحين "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"متفق عليه.. ومحل الشاهد في الحديث "إلا مثلا بمثل" وكذلك "ولا تشفوا بعضها على بعض" أي لا تفضلوا " وقد سبق لنا ذكر حديث أحمد والبخاري ومحل الشاهد فيه " فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء"

وأما أدلة تحريم النسيئة هنا فقوله (صلى الله عليه وسلم) "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" أي حاضر, وقوله (صلى الله عليه وسلم) "يدا بيد " وكذلك قوله (صلى الله عليه وسلم) في حديث عمر (رضي الله عنه) في الصحيحين وغيرهما "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء...." الحديث ومحل الشاهد "إلا هاء وهاء" أي خذ وهات.

وخلاصة القول هنا أن بيع الجنس الربوي بجنسه لا بد فيه من التماثل والتفاضل في الحال.. وإلا دخل الربا إما من باب المفاضلة (الزيادة).. وإما من باب النسيئة (عدم التقابض في الحال).

القاعدة الثانية:

[عند اختلاف الأجناس ذات العلة الواحدة تحل المفاضلة وتحرم النسيئة]

وهذه القاعدة تعني باختصار أن الأصناف ذات العلة الواحدة كالذهب والفضة علتهما الوزن والثمنية على قول آخر.. والأصناف الأربعة الباقية إما الكيل وإما الطعم وإما القوت والادخار.. وسنوضح ذلك في إصدار قادم بإذن الله.

وعليه فيصح بيع 10جرامات من الذهب بمائة جرام من الفضة لكن بشرط التقابض في الحال.

ويصح بيع كيلة من القمح بكيلتين من الشعير بشرط التقابض في الحال.

ويصح بيع كيلو من التمر مثلا بثلاثة كيلوات من الزبيب شريطة التقابض في الحال.

ودليل هذه القاعدة: ما رواه أحمد ومسلم من حديث عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد.. فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"..

ويمكننا القول بأن هذا الحديث قد لخص حكم التعامل في الأصناف الربوية في الحالة الأولى والحالة الثانية.. والجزء الخير هو الدليل الصريح على حكم القاعدة الثانية.

وهنا نطرح سؤالا هاما.. هل الربا قاصر على هذه الأصناف الستة فقط؟ أم أن الأمر يتعدى هذه الأصناف إلى ما شاركها في علة التحريم؟ وما هي العلل؟ وما هي أقوال الفقهاء فيها؟ وماذا لو بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة؟وما حكم بيع الربوي بغير الربوي؟ وبيع غير الربوي بغير ربوي؟؟!!!هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عليها في مقالنا القادم بإذن الله.



عودة الى الأحكام


حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._