|
الأوراق التجارية الاستثمارية.. حكم الإصدار والتداول بقلم/ محمد البكري.
في عالم المال والأعمال تتعدد الأوراق فهناك الأوراق المالية (الأسهم والسندات) وهناك الأوراق النقدية (العملات كالجنيه والريال والدولار وغيرها) وهناك الأوراق التجارية (الكمبيالة ـ السند الأذني ـ الشيك) والأخيرة منها الأوراق التجارية الائتمانية و منها الأوراق التجارية الاستثمارية.
وكل من هذه الأوراق له توصيفه التجاري وحكمه الفقهي فالأسهم يختلف حكمها باختلاف أنشطة الشركات المصدرة لها فما كان نشاطه مباحاً كشركات الاسمنت والحديد وغيرها فحكمها إباحة أسهمها وحلها.
وما كان نشاطه محرماً كشركات بيع الخمور وشركات الدخان وأسهم المصارف الربويه والملاهي التي تزاول أعمالا ً محرمة فإن أسهمها حرام ومنها شركات نشاطها الأصلي مباح كما هو الحال في القسم الأول.. غير أنها تقترض بالربا أو تودع فائض أموالها في البنوك بفائدة فإن أسهمها حرام.. وكذلك وقد حسم المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الرابعة عشرة المنعقدة في مكة المكرمة في 20 شعبان 1415هجرياً الموافق 21/1/1995م الأمر في هذه الأقسام في هذا المؤتمر كما يلي:
1- بما أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة فإن تأسيس شركة مساهمة أغراضها وأنشطتها مباحة أمر جائز شرعاً.
2- لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم كالتعامل بالربا أو تصنيع المحرمات أو المتاجرة فيها.
3- لا يجوز لمسلم شراء أسهم الشركات والمصارف إذا كان في بعض معاملاتها ربا وكان المشترى عالما بذلك.
4- إذا اشترى شخص وهو لا يعلم أن الشركة تتعامل بالربا ثم علم فالواجب عليه الخروج منها.
وأما السندات فهي قروض بفائدة ربوية وقد بينت المجامع الفقهية حكمها في قضية الإقراض بالربا كما في قرار مجمع البحوث الإسلامية عام 1965م والتي صدر فيها القرار بالإجماع وقد بين مجمع الفقه الإسلامي في المؤتمر السادس المنعقد في جدة في شعبان 1410هجرية – مارس 1990م حرمة السندات من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول وذلك في القرار رقم 62(11/6).
وأما الأوراق النقدية فإن المجمع الفقهي التابع للرابطة قرر في الدورة الخامسة عام 1402هجرية أن العملة الورقية نقد قائم بذاته, له حكم النقديين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيها، ويجرى الربا عليها بنوعيه فضلا ً ونسيئة ومن ثمّ فلابد من التماثل والقبض في الحال عند بيع العملة بجنسها كالدولار بالدولار وكذلك يجوز التفاضل ويحرم التأجيل عند بيع العملة بغير جنسها كالدولار بالجنيه أو الريال مثلا ويمكن مراجعة القرار الثاني في الدورة الثالثة عشرة في شعبان 1412هجرية – 1992م والقرار رقم 93(5/11) لمجمع المنظمة وكلها تؤكد نفس المعنى.
وقبل الحديث عن حكم الأوراق التجارية لابد من التفريق بين نوعين منها.
فمنها ما هو إئتمانى ومنها ما هو استثماري وكلا النوعين يتفقان في الشكل والمضمون ويختلفان في الغرض من الإصدار ووقت الإنشاء وأسلوب الإصدار فكلاهما يصدران في شكل كمبيالة أو سند إذني ومن حيث المضمون كلاهما يمثل ديناً.
وأما من حيث الغرض فالاستثمارية – بالنسبة للدائن – هي عملية تثمير للمال عن طريق الإقراض بفائدة ربوية أما الائتمانية فهي توثيق لدينه حتى يتمكن من استيفائه عند حلول الأجل.
ووقت الإنشاء في الاستثمارية قبل ثبوت الدين فهي تحرر وتعرض على جمهور المستثمرين وتباع لهم أما الائتمانية فهي تنشأ عن عقد مداينة كالبيع أو غيره.
ومن حيث طريقة الإصدار فالاستثمارية تصدر بفائدة ربوية أو بالخصم من قيمتها الاسمية والائتمانية تصدر بقدر الدين الذي نشأ عن عقد المداينة .
وإذا تبين لك ذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن:
ما هي الأوراق التجارية الاستثمارية؟ وما هو حكم إصدارها؟وما هو حكم تسويقها؟ وما هو حكم تداولها؟
في كتابه التمويل وإصلاح خلل الهياكل المالية ص163يعرفها د.سمير عبد العزيز فيقول"هي عبارة عن سندات إذنيه أو كمبيالات تصدرها شركات كبيرة للحصول على حاجتها من التمويل "
وحتى يتبين لنا الحكم لابد من الوقوف على طريقة إصدارها ومن يتتبع ذلك يجد أنها تتم بطريقتين:
الأولى يتم إصدارها بالخصم من القيمة الاسمية من غير أن يحدد سعر محدد للفائدة فالعميل (المقرض)يدفع عند العقد مقدارا من المال يقل عن القيمة الاسمية للورقة وعند الاستحقاق يتسلم القيمة كاملة فمثلا لو كانت القيمة الاسمية ألف دولار فإن العميل يدفع تسعمائة دولار فقط ويتسلمها مائة عند الاستحقاق فيكون الفارق بين الأمرين هو كسبه وسيأتيك حكمه لاحقا وإذا تأملت ذلك علمت أن هذه الطريقة ليست سوى نموذج آخر من أوذنات الخزانة التي تصدرها الحكومات لتغطية احتياجاتها غير أن الذي يصدر الأوراق هو الشركات الكبرى.
الثانية ويتم إصدارها بسعر فائدة محدد بحيث يتسلم العميل عند الاستحقاق القيمة الاسمية مضافا إليها الفائدة المتفق عليها فمثلا لو كانت القيمة الاسمية ألف دولار يدفعها عند العقد فإنه عند الاستحقاق يتسلم الألف مضافا إليها الفائدة ولتكن مائة مثلا وهى بذلك ليست سوى نموذج أحر من السندات التي سبق الإشارة إلى حكمها.
ولا يفوتنا أن نوضح كيفية تسويق هذه الأوراق حيث يتم تسويقها إما من قبل نفس الشركات المصدرة لها وأما عن طريق هيئات متخصصة في التسويق والتوزيع على العملاء المقرضين وهذه الهيئات قد تكون بنوكا تجارية أو شركات للتأمين أو صناديق للاستثمار أو غيرها.
بعد هذا التوضيح نقول إن إصدارها بالطريقة الأولى بالخصم من القيمة الاسمية هو نموذج مكرر من أوذنات الخزانة والتي كما أسلفنا لا تخرج عن احد أمرين إما أنها قرض بفائدة وإما أنها بيع نقد مؤجل بنقد حال والقيمة اقل فإن كان الأول فحكم القرض بفائدة انه حرام بالإجماع وقد نقل الإجماع القرطبي في تفسيره (3/241)وابن المنذر في كتاب الإجماع ص55 وابن حزم في المحلى (7/402)وابن قدامه في المغنى (6/436) وابن تيميه في الفتاوى (29/334)حيث قال "وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرضه كان ذلك حراما "وإن كان الثاني أي بيع نقد مؤجل بنقد حال مع اختلاف بينهما فالنقد المؤجل هنا هو القيمة الاسمية للورقة التي تلتزم الشركات بدفعها للعملاء المقرضين في تاريخ الاستحقاق والنقد الحال هو ما يدفعه مشترو الأوراق التجارية ثمنا لها وقت العقد وعلى هذا التقدير فإصدارها يشتمل على ربا النسيئة المجمع على تحريمه ومن المقرر أن بيع النقد بالنقد لابد فيه من القابض في الحال سواء اختلفت الأجناس أو اتفقت لقوله (صلى الله عليه وسلم) "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"وقوله "إلا يداً بيد" وقوله "إلا هاء وهاء"وكل هذه الروايات في الصحيحين.
وأما إصدارها بالطريقة الثانية حيث تصدر بسعر فائدة محدد فهي لا تختلف عن السندات التي قرر المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حرمتها في القرار رقم60(11/6): "إن السندات التي تمثل التزاما بدفع مبلغها مع فائدة منسوبة إليه، أو نفع مشروط، محرمة شرعا ،من حيث الإصدار أو الشراء أو التداول؛لأنها قروض ربوية، سواء أكانت أجهة المصدرة لها خاصة، أو عامة ترتبط بالدولة ،ولا أثر لتسميتها شهادات أو صكوكا استثمارية ،أو ادخارية أو تسمية الفائدة الربويه الملتزم بها ربحا أو ريعا أو عمولة أو عائداً".
ولعلنا بذلك لا نحتاج إلى كبير جهد لبيان حكم التسويق فعلى كلا الاحتمالين السابقين يصبح التسويق من باب التعاون على الإثم والعدوان ويحق عليه وعيد النبي صلى الله عليه وسلم بلعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه.
وأما التداول بنقل الورقة من يد إلى يد محملة بفوائدها الربويه بحيث يظل العميل المقرض المشترى لهذه الورقة دائنا للشركة المصدرة وعلى أي من الطريقتين السابقتين بسعر خصم كأذونات الخزانة أو بسعر فائدة كالسندات يصبح التداول محرما أيضا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين
موضوعات مشابهة...
القبول المصرفي حقيقته وحكمه
خطاب الضمان.. صور وأحكام
عودة الى الأحكام
|