الخميس 26 شعبان 1429     28 أغسطس 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلتقرير جديد للبنك الدولى يقول ان 1.4 مليار شخص فى العالم يعيشون تحت خط الفقر
خبر وتعليق

بعد حريق مجلس الشورى بالقاهرة , يجب
اخلاء القاهرة من الوزارات
تأمين المبانى الهامة
تطوير الدفاع المدنى
اقتراعات سابقة

الربا دراسة معاصرة.. تحريم الربا في الشرائع المختلفة

بقلم / محمد بكري..الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد,,

أيها القارئ الكريم يكفي مطالعة تقرير واحد من تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية ليعرف المرء مدى التوغل الذي أفرزه النظام الرأسمالي وما سببه من تقسيم معظم دول العالم اليوم إلى طبقتين, طبقة تملك المال والثروة بصفة فاحشة وهي قليلة في عددها بينما القطاعات العريضة من الشعوب تعيش في فقر وغلاء وبطالة.

ومن المعلوم لدى من له أدنى إلمام بالسياسات الاقتصادية يعرف أن منطقتنا العربية لم تسلم من هذه البلية التي ضربت معظم دول العالم وكذا أن الربا هو الأساس الذي يدور حوله الاقتصاد العالمي اليوم.

وفي محاولة متواضعة سنحاول بإذن الله الحديث عن الربا وأحكامه في الشريعة الإسلامية موضحين في حلقة مستقلة كيف يجرى الربا في المال؟, ونتبع ذلك الحديث بالمعاملات المعاصرة مثل: أحكام الأسهم والسندات وشهادات الاستثمار وقضية التأمين التجاري وموقف المؤيدين والمعارضين لها وما انتهت إليه المجامع الفقهية العلمية مثل: (مجمع البحوث الإسلامية، والمجمع الفقهي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في كثير من المعاملات الإسلامية المعاصرة كبطاقات الائتمان المغطاة وغير المغطاة).

ولكننا هنا نقرر مسألة هامة قبل الحديث عن المسائل السالف ذكرها ألا وهي:-

هل تحريم الربا قاصر على الشريعة الإسلامية وحدها؟!.

إننا نطرح هذا السؤال بالذات لان أحد المفاهيم الخاطئة هو أن الربا ليس محرماً في الشرائع قبل الإسلام,  وبالتالي التعامل مع قضية الربا على أنها من مفردات الشريعة الإسلامية فحسب.

ولعل ذلك هو السبب في أن الأستاذ الكبير " محمد أبو زهرة (رحمه الله) " قد صدر رسالته الشهيرة " بحوث في الربا " بهذه الجزئية الهامة وهنا ننقل مقطعاً كاملا للأستاذ/ أبو زهرة ( رحمه الله)  لإجلاء هذه الحقيقة لاسيما في زمان العولمة سواء على المستوى الثقافي أو المستوي الاقتصادي.

وقد قال الأستاذ أبو زهرة (رحمه الله ) ما نصه: لم يكن نظام الفائدة الذي هو الربا حراماً في الإسلام وحده من بين الديانات السماوية بل إن الديانتين السماويتين السابقتين على الإسلام قد صرحا بالتحريم فيهما, فهو محرم في التوراة والإنجيل والقرآن لا في القرآن وحده, ولا تزال بقية من هذا التحريم في التوراة التي بأيدينا وإن كانوا قد نسوا حظاً مما ذكروا به.

ففي سفر التثنية بالإصحاح الثالث والعشرين: " لا تقرض أخاك الإسرائيلي ربا, ربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شيء مما يقرض بربا ".

ويعلق الأستاذ/ أبو زهرة على قضية حصر تحريم الربا على الإسرائيلي, وهو أمر ليس بالجديد على اليهود أصحاب التاريخ الأسود في تبديل أحكام التوراة حيث يقول: " للأجنبي تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك ".

هذا في اليهودية فما هو الأمر بالنسبة للنصرانية؟!.

يقول أبو زهرة رحمه الله: " والنصرانية الحاضرة حرمت الربا تحريماً قاطعاً مانعاً, وحرمت الربا لا عند النصارى فقط بل بالنسبة للنصارى مع غيرهم, وأجمعت على ذلك الكنائس لا فرق بين كنيسة وأخرى, وقد حاول الربويون بتأثير الاقتصاد اليهودي استباحة بعض الفائدة فلم تبح الكنيسة ذلك لهم, ولقد ادعوا أن هذه الفائدة هي أجر التنظيم والإدارة, فقيل: إن بعض رجال الدين من المسيحيين أباح الربا في هذه الدائرة دون سواها - أي على أنها أجرة وإدارة لا فائدة دين -  ولقد اتخذ الكثير من هذه الفتوى مسوغاً فانطلقوا".

ثم يوضح الأستاذ/ أبو زهرة: "أن حركة الإصلاح التي قادها (مارتين لوثر) لم تخرج عن ذلك الأمر بقوله: "ولما جاءت حركة الإصلاح في المسيحيين لم يكتف لوثر زعيمها بتحريم الفائدة قلت أو كثرت, بل حرم كل العقود التجارية التي تؤدي إلى الربا, حتى البيع بثمن مؤجل إذا كان أكثر من الثمن العاجل".

وهنا نقل أبو زهرة عن كتاب (حقائق الإسلام وأباطيل خصومه) للأستاذ (عباس محمود العقاد) بعض النصوص التي تبين رأي (لوثر) في مسألة الربا ننقل منها هذه العبارة: " هنا تصرف مألوف بين الشركات,  وهو أن يودع أحدا مقدارا من المال عند تاجر ألف قطعة من الذهب على أن يؤدي له التاجر مائة أو مائتين كل سنة سواء ربح أو خسر, ويسوغ هذه الصفقة بأنها تصرف ينفع التاجر لأن التاجر بغير هذا القرض يظل معطلا بغير عمل وينفع صاحب المال لأن ماله بغير هذا القرض معطلا من غير فائدة".

وإذا كان هذا هو الموقف في أمر تحريم الربا في النصرانية واليهودية على اختلاف مجامعها ومشاربها, فإن الفلسفات السابقة توضح بجلاء أن الربا لا يقره عقل ولا فكر.

ولازلنا نواصل رحلتنا مع الأستاذ/ أبي زهرة حول بيان موقف الفلسفات من الربا إذ يقول: " نهى سولون الذي وضع قانون أثينا القديم عن الربا, ونهى أفلاطون في كتابه " القانون" عن الربا, وقال: " لا يحل لشخص أن يقرض ربا".

واعتبره أرسطوا الفائدة - أيا كان مقدارها - كسبا غير طبيعي, لأن مؤداها أن يكون النقد وحده منتجا غلة من غير أن يشترك صاحبه في أي عمل أو يتحمل أي تبعة.

ويقول في ذلك: " إن النقد لا يلد النقد لأن أساس الغلات الطبيعية أن تكون من الأشياء ذاتها, إما توليدا طبيعيا بتنمية الزرع أو الحيوان أو بإخراج الأشياء من باطن الأرض, وإما توليدا صناعيا بأن تستخرج بوسائل الصناعة المختلفة غلات تنتج من تحويل الأشياء وإما توليدا تجاريا بنقل البضائع من مكان إلى مكان, أو ادخارها من زمان إلى زمان, إن لم يكن في ادخارها احتكار أو منع لأقوات الناس" أ.هـ .

إن أرسطوا قد قسم طرق الكسب بالتجارة إلى ثلاثة أقسام وهي:-

-   المقايضة مبادلة سلعة بسلعة.

-   البيع السلعة بالدراهم أو الدنانير.

-   المعاملة غير الطبيعية وهي اتخاذ النقد ذاته سلعة تباع بمثلها ويكون وراءها الكسب.

قال العقاد نقلا عن ديفيد هيوم: " إن النقد ليس مادة للتجارة ولكنه أداتها وإنه ليس دولابا من دواليب التجارة ولكنه الزيت الذي يلين مدارها ".

ولكننا رغم هذا البيان لموقف اليهودية والنصرانية والفلاسفة من تحريم الربا نقف في حيرة من أمرنا, أما لماذا تفشى الربا بهذه الضراوة تحت سمع الكنيسة وبصرها ؟!.

وهنا يجيب الأستاذ/ أبو زهرة بقوله: " يظهر أن السبب في ذلك يعود إلى عدة أمور:-

-  الروح المادية التي سيطرت على المسيحيين في معاملاتهم المادية حتى لقد شاع بينهم أن الدين للمعابد ولا يتجاوزها, وأما المادة فإنه يسيطر عليها قانون الحياة, وكان ذلك تبعا لما سموه: فصل السلطة المدنية عن سلطان الكنيسة, فكان من الطبيعي بمقتضى ذلك الفصل أن يبعدوا أمور الدين عن سلطان القوانين, ما يحل منها وما يحرم وخصوصا في المادة.

-  إنهم في مبدأ الأمر كانوا يوهمون رجال الدين بأن الفائدة القليلة هي أجرة إدارة أو نحو ذلك مما يجري الآن للتمويه على علماء الدين من المسلمين وعلى العامة المتدينين.

-  اعتقاد الاقتصاديين الذين أخذوا بنظرية أن الفائدة القليلة لا تتنافى مع الأخلاق ولا تؤدي إلى الروح الاتكالية وتحكم رأس المال في الإنتاج وضياع عمل العاملين حتى إن " آدم سميث " ( 1723ــ 1790) الذي يسمى  أبا الاقتصاد, قد استحسن الإقلال من الفوائد وزعم أن القليل منها يشجع المقترضين على الانتفاع بالأموال المدخرة ولا يرهقهم بأعباء السداد أو يحرمهم ثمرة العمل الذي يجتذبون الأموال المدخرة إلى أسواقه بدلا من تعطيلها اليهود الذين استولوا على عرش الاقتصاد وسيطروا عليه, فإنهم وقد استمسكوا أشد الاستمساك بأن الربا حرام أخذه من الإسرائيلي حلال أن يأخذ من غيره, وقد طبقوا الجزء الأخير في أوسع نطاق, حتى حولوا العالم إلى عالم ربوي قد طغى فيه رأس المال طغيانا شديدا وقد ابتدءوا فسيطروا على الدول والملوك بنظامهم ثم تحكموا من بعد ذلك في كل ما يتعلق بالإنتاج من غير عمل صناعي مثمر.

بهذه الأسباب أجاب الأستاذ الجليل أبو زهرة عن سبب تفشي الربا في الغرب رغم ثبوت الأدلة على تحريم اليهودية والنصرانية بل والفلسفات للربا.

ومن ثم فإننا نؤكد في عصر العولمة الثقافية أن الادعاء بانفراد الإسلام بتحريم الربا هي فرية بلا مرية, ومما يؤسف له أن بعض المعاصرين من المثقفين بل وبعض علماء الدين المسلمين قد انطلت عليه هذه الفرية وقد انبرى بعضهم للدفاع عن هذه المقولة.. فانتبه!!.

ومن الأمور التي ينبغي فهمها هنا أن سيطرة اليهود على اقتصاد العالم وذيوع الفكر الرأسمالي مما أثر على العمل وعلى كل وسائل الإنتاج قد أفرز ردة الفكر المعروفة بالفكرة الشيوعية وعليه كانت الاشتراكية المقيتة التي خلفت تقسيم العالم إلى معسكرين الرأسمالي والشيوعي الاشتراكي.

لقد ساق الأستاذ أبو زهرة قصة (آل روتشلد) الذين تحكّموا في الاقتصاد الأوربي في أواخر القرن الثامن والتاسع عشر, لقد كان أبوهم تاجرا يهوديا يعيش في حي اليهود في مدينة (فرانكفورت) الألمانية.. اكتسب ثروته من غير الحلال واستولى على أموال أحد أصدقائه الأثرياء الذين فروا من وجه نابليون سنة 1806م,  واقتسم الأبناء الخمسة مال أبيهم التاجر اليهودي وتوزعوا في أوربا وأمريكا - أحدهم في ألمانيا, والثاني في بريطانيا, والثالث في النمسا, والرابع في إيطاليا, والخامس طوّاف في الأرض - وكان عماد كسبهم الاتجار بالنقود ذاتها لا من زرع الأرض ولا من معدنها ولا من صناعة ولا من بضاعة.

وقد اختار البابا أحدهم مديرا لأمواله في روما وقد كان لهذه الأسرة أثرا خطيرا في شيوع الربا عن طريق إنشاء المصارف الربوية والسيطرة عليها ولقد كانت هذه الأسرة شحيحة عن كل سبل الخير إلا على اليهود.

-   أيها القارئ الكريم هذه لمحة تاريخية عن تحريم الربا في الفلسفات السابقة والشرائع السماوية قبل شريعة الإسلام.

ومن المعلوم أن غير واحد من الكتاب والمفكرين فضلا عن العلماء قد سطروا الكثير والكثير من المصنفات في هذه المسألة, ولكننا قد اقتصرنا على عرض الأستاذ أبي زهرة لإجازته وسهولة عرضه وعموم فائدته, وهذا هو المدخل الذي سنعرض من خلاله سلسلة مقالاتنا عن الربا, الذي جاء القرآن الكريم بتحريمه تحريما قاطعا وأعلن فيه الحرب على أكلته وصرحت السنة النبوية الكريمة بتحريمه وبيان بعض صوره, وأجمع على حرمته سلف الأمة الصالح وخلفها إلى يومنا هذا جيلا بعد جيل.

فما هو الربا؟, وما هي صوره التي عرفها العرب قبل نزول القرآن؟, وما هي الأصناف التي جرى فيها الحكم بتحريم الربا؟, وما هي العلل في هذا التحريم؟, وهل ما شارك الأصناف الربوية في عللها وينسحب عليها حكمها؟, وما التطبيقات المعاصرة؟!, كل هذا أو غيره نتناوله في إصدار قادم بإذن الله فإلى ذلكم الحين نستودعكم الله.



عودة الى الأحكام


حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._