الحكم الشرعي وأقسامه - رؤية أصولية - . 
بقلم / حسيــن الغريـب..معرفة الحكم الشرعي هو الغاية من علم الفقه وأصوله ولكن علم الأصول ينظر إليه من حيث القواعد والمناهج الموصلة إليه, وعلم الفقه ينظر إليه باعتبار استنباطه بتطبيق قواعد علم الأصول للتعرف عليه.
- تعريف الحكم في اللغة: الحكم هو إسناد أمر لآخر إيجابا ً أو سلبا ً كقولنا: الشمس مشرقة، أو الشمس غير مشرقة, أو هو: إثبات محمول لموضوع، فالشمس موضوع نثبت له محمولا ً ( صفة أو حال ) فنقول مشرقة أو غير مشرقة.
- تعريف الحكم في الاصطلاح الشرعي: الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
- شرح التعريف :
" خطاب ": معناه ما يقصد به إفهام من هو متهيئ لفهمه, وهو كالجنس في التعريف يشمل خطاب الشارع وخطاب غيره.
" خطاب الله ": بإضافة لفظ الجلالة إلى " خطاب" فهو قيد أول خرج به خطاب غير الشارع فإنه لا يسمى حكما ً, والمقصود هنا بخطاب الله كلامه مباشرة ( وهو القرآن ) أو بالواسطة وهو ما يرجع إلى كلامه كالسنة والإجماع وسائر الأدلة الشرعية التي نصبها الشارع لمعرفة حكمه.
فالسنة: وهي ما صدر عن رسول الله " صلى الله عليه وسلم " على سبيل التشريع فهي راجعة إلى كلام الله تعالى لأنها مبينة لمبهمة أو مفصلة لمجمله أو شارحة له, وهي وحي الله إلى رسوله " صلي الله عليه وسلم ", قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى).
والإجماع: لا بد له من دليل كتاب أو سنة, فهو بهذا الاعتبار راجع إلى كلام الله تعالى, والمتعلق بأفعال المكلفين.
- قيد ثان في التعريف: يخرج به عن كونه حكما ً شرعيا الآتي:-
خطاب الله تعالى المتعلق بغير أفعال المكلفين مثل خطاب الحق سبحانه المتعلق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا كقوله سبحانه: (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
وكذا يخرج عن التعريف خطاب الله تعالى بذات المكلفين كقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ), وكذا يخرج خطابه سبحانه المتعلق بأنواع الجمادات مثل قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ).
- المتعلق: أي المرتبط " بأفعال " جمع فعل, وهو ما يصدر عن الإنسان ويدخل تحت قدرته, ويشمل فعل الجوارح والقلب.
- المكلفين: جمع مكلف, وهو البالغ العاقل الذي كملت أهليته للأداء بحيث تقع أفعاله على وجه يعتد به شرعا ً.
- على سبيل الاقتضاء: ومعنى الاقتضاء الطلب, والطلب إما أن يكون طلب فعل أو طلب ترك, وكل واحد منهما إما أن يكون جازما ً أو غير جازم.
- فإذا كان الطلب طلبا ً جازما للفعل, فهو الإيجاب كقوله تعالى: (أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ).
- فإذا كان الطلب طلبا ً غير جازم, فهو الندب كقوله تعالى: (إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ).
- فإذا كان الطلب طلبا ً جازما ً للترك, فهو التحريم كقوله تعالى: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء).
- فإذا كان الطلب طلبا ً غير جازم للترك, فهو الكراهة كقوله صلى الله عليه وسلم: (ابغض الحلال إلي الله الطلاق).
- أو التخيير: وهو التخير بين الفعل والترك بدون ترجيح أحدهما على الآخر، بحيث يباح للمكلف فعل كقوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ).
- أو الوضع: يقصد بالوضع أن يجعل الشارع الشيء سببا ً لآخر أو شرطا ً له أو مانعا ً منه, ففي قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا), جعل السرقة سببا ً لقطع يد السارق, وفي قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ), جعل الوضوء شرطا ً لصحة الصلاة.
- وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا إرث لقاتل), جعل قتل الوارث لمورثه مانعا ً له من الإرث.
- ويخرج بقيد " الاقتضاء أو التخيير أو الوضع " عن كونه حكما ً شرعيا ً ما كان خطابا ً للشارع يتعلق بأفعال المكلفين ولكن ليس على سبيل الاقتضاء أو التخيير أو الوضع, وهذا كثير في القرآن نجده في القصص القرآني كما في قوله تعالى: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ).
- أقسام الحكم الشرعي:-
ينقسم الحكم الشرعي عند الأصوليين إلى قسمين:-
- الأول الحكم التكليفي: "وهو ما يقتضي طلب الفعل أو الكف عنه أو التخيير بين الفعل والترك, وقد سمي هذا القسم بالتكليفي لما فيه من كلفه على الإنسان, وهذا المعنى يكون ظاهرا ً فيما كان فيه طلب فعل أوترك , إما ما كان فيه تخيير فقد جعل في هذا القسم على سبيل التسامح والتغليب أو الاصطلاح, ولا مشاحة في الاصطلاح ".
وقد يقال أن المباح (ما فيه التمييز بين الفعل والترك), قد اعتبر من أقسام الحكم التكليفي بمعنى انه مختص بالمكلف، أي أن الإباحة أو التخيير بين الفعل والترك لا يكون إلا لمن يصح إلزامه بالفعل والترك فهذا على وجه اعتباره من أحكام التكليف لا بمعنى أنه من المكلف به - المسودة في الأصول لابن تيمية -.
- الثاني الحكم الوضعي: وهو ما يقتضي جعل شيء سببا ً لشيء آخر - أو شرطا ً له - أو مانعا ً منه, وسمي بالحكم الوضعي لأنه ربط بين شيئين بالسببية أو الشرطية أو المانعية بوضع من الشارع - أي يجعل منه - , وهناك من الأصوليين من يقسم الحكم الشرعي إلى ثلاثة أقسام:-
1. حكم اقتضائي: وهو ما يقتضي طلب الفعل أو الترك.
2. حكم تخييري: وهو ما يقتضي التخيير بين الفعل والترك.
3. حكم وضعي: وهو جعل شيء سببا لآخر أو شرطا ً له أو مانعا - الآمدي ج1 ص137 - .
- الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي :-
1. الحكم التكليفي يتطلب فعل شيء أو تركه أو إباحة الترك أو الفعل للمكلف وأما الحكم الوضعي فلا يفيد شيئاً من ذلك, إذ أن المقصود به بيان ما جعله الشارع لوجود شيء أو شرطا ً له أو مانعا ً منه ليعرف المكلف متى يثبت الحكم الشرعي فيكون على بينة من أمره.
2. المكلف به في الحكم التكليفي أمر يستطيع المكلف فعله أو تركه - أي داخل في حدود قدرته - لأن الغرض من التكليف امتثال المكلف لما كلف به, ولو خرج عن استطاعته لكان التكليف عبثا ً يتنزه عنه الشارع الحكيم, ولذا كان من قواعد الشريعة الإسلامية: " لا تكليف إلا بمقدور".
وأما في الحكم الوضعي: فلا يشترط في موضوعه أن يكون في قدرة المكلف فمنه ما هو مقدور للمكلف كالسرقة التي هي سبب لقطع اليد, والشاهدين شرط لصحة النكاح, وقتل الوارث لمورثه مانع له من الإرث, ومنه ما هو غير مقدور للمكلف كدلوك الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر, والقرابة التي هي سبب للميراث وبلوغ الحلم شرط لانتهاء الولاية علي النفس, وبلوغ الإنسان رشده شرط لنفاذ بعض التصرفات وكل هذه الأفعال خارجة عن قدرة المكلف.
عودة الى الأحكام
|