|
صفقة عبد الباسط المقرحي.. عودة على بدء بقلم م/ محمد يحيى
ارتبط اسما (عبد الباسط المقرحي ومحمد الأمين فهيمه) ضابطا المخابرات الليبية بحادث تفجير طائرة (بان أمريكان) فوق قرية (لوكربي) الاسكتلندية في عام 1988م.
وكانت الجماهيرية الليبية في تلك الفترة تتبنى ضرب المصالح الغربية حول العالم.. ومساعدة أي تنظيم يتبنى نفس السياسة.. وتعتبر ذلك نوعاً من الجهاد الأكبر ضد الامبريالية العالمية والصهيونية المتوحشة.. وطريقة للثأر لحرمات العرب المنتهكة ومقدساتهم السلبية.
ولاسيما أن العقيد (القذافي) نفسه ذاق مرارة الاستهتار الأمريكي بكل ما هو عربي وإسلامي بعد قصف بيته في طرابلس الغرب بالصواريخ الموجهة من طائرات (F111) عام 1986م.
وبغض النظر عن صحة أو خطأ هذه السياسة في تلك الفترة.. فقد تحطمت الطائرة وفقد (248) مواطن حياتهم وأشارت أصابع الاتهام إلي الجماهيرية الليبية التي نفت التهمة وافتخرت بها في نفس الوقت.. واعتبرتها شرف كبير لا تدعيه علي طريقة (البعض) عندما تسألهم النيابة عن انتمائهم للجماعة يقولون (شرف لا ندعيه وتهمه لا ننفيها) .
وقد فتحت السلطات الاسكتلندية تحقيقاً في هذه الحادثة بمعاونة أجهزة الأمن الأمريكية والأوربية وتم إعلان ضابطي الاستخبارات الليبية (عبد الباسط المقرحي ، ومحمد الأمين فهيمه) للحضور أمام المحكمة الاسكتلندية للمحاكمة.. وهنا بدأت القضية تأخذ مسارات سياسية مهمة .
فالولايات المتحدة الأمريكية وظفت هذه القضية للضغط علي ليبيا عن طريق الأمم المتحدة.. ففرضت عليها عقوبات متدرجة إلي أن وصلت ذروتها عند ما فرضت حظر الطيران المدني من وإلي ليبيا ناهيك عن العقوبات الاقتصادية القاسية التي عرضت الشعب الليبي للحظر وتحولت ليبيا إلي سجن كبير ليس فيه فسحة ولا زيارة.
ولقد قاوم (العقيد القذافي) هذا الابتزاز والقهر بكل ما أوتي من قوة واستنهض الهمم والعزائم وخاطب العرب والمسلمين بحق الله والرحم.. ثم هدد وتوعد.
ولكن كانت أمريكا قد أحكمت سيطرتها علي العالم تماماً فالاتحاد السوفيتي سقط وروسيا تتضور جوعاً والصين تتحسس الخطى وتطور نفسها اقتصادياً وسياسياً حتى لا تلقي مصير الاتحاد السوفيتي.
حتى أن (مصطفى حسين) رسام الكاريكاتير المشهور عبر عن النظام الدولي في تلك الفترة برجل عريض المنكبين غليظ القفا يقف ورائه السيد الأمريكي يصفعه بعنف فيخرج الشر من قفاه وقال: هذا هو النظام العالمي الجديد ( الضرب علي القفا).
والتزم العالم كله بالتعليمات الأمريكية اللهم إلا بعض المواقف من بعض رموز العالم مثل (نيلسون ماندلا) الذي ركب طائرته وهبط بها في مطار طرابلس الغرب متحدياً الابتزاز الأمريكي.. ومما يذكر في هذا السياق الحرج الشديد الذي كان يواجهه الحجاج الليبيين عند ذهابهم إلي الأراضي المقدسة.. والمهاترات التي كانت تحدث كل موسم حج بين ليبيا والسعودية.
عند هذا الحد فكر النظام السياسي الليبي في طريقة للخروج من هذا المأزق الذي وضع نفسه فيه.. فحاول أن يرقق قلب أمريكا عليه عن طريق إسرائيل.. فأرسل أربعين رجلاً ليبياً للحج إلي القدس الشريف محاطين بمظاهرة إعلامية ولكن أمريكا رفضت الوساطة الإسرائيلية.. وظلت الأوضاع علي ما هي عليه حصار وتضييق غربي ورفض ليبي لتسليم ضابطي المخابرات إلي اسكتلندا.. وفشلت في هذه الأثناء جميع الحلول الوسط أمام إصرار أمريكا علي موقفها.
إزاء هذه الأوضاع المأساوية لم يكن أمام النظام السياسي الليبي ، إلا التسليم بكل الشروط والموافقة علي جميع المطالب الأمريكية في مقابل فك الحصار وتعليق العقوبات الدولية على مراحل.. وتمت كل هذه الإجراءات بسهولة ووضع ضابطي المخابرات (المقراحي و فهيمه) في أحد السجون البريطانية تمهيداً لمحاكمتهم.. وتسلم أهالي ضحايا الطائرة عدة مليارات من الدولارات تعويضاً عن فقد ذويهم.
عند هذه النقطة يكون قد انتهى الفصلان الأول والثاني من مسرحية (لوكربي) وبدأ الفصل الثالث والأخير وهو المتعلق بالمحاكمة والدفوع والأدلة والشهود ... إلخ .
ونستطيع القول بأنها كانت محاكمة سياسية بامتياز لأن الأدلة الجنائية المقدمة للمحكمة تافهة ولا ترقى لإدانة المتهمين ولكن في نفس الوقت لا يمكن تبرئتهما لسببين :-
الأول :- براءتهما إدانة واضحة لأمريكا ونظامها الدولي الجديد.
الثاني:- يقين جازم استقر في ضمير المحكمة بان الرجلين الماثلان أمامهما هما اللذان نفذا الجريمة غير أن هذا اليقين تكون لأدلة أمنية وسياسية وليست قانونية.
فحكمت المحكمة بإدانة (المقرحي) وبراءة (فهيمه) وأسدلت الستار علي تلك القضية مع بداية الألفية الثالثة.
غير أن توابع القضية لم تنته فليبيا تطالب بالمزيد من المكاسب وتسريع وتيرة التطبيع مع الغرب ورفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب وجذب الاستثمارات الغربية إليها ... إلخ.
ولقد تحقق لها ذلك بعد الاعتراف بوجود برنامج نووي عندها وتسليمه إلي الإدارة الأمريكية.. وصاحب ذلك كفر بكل الشعارات القديمة ونسي (الأخ العقد القذافي) القومية العربية الذي نصب نفسه أميناً لها.. واتجه نبي الصحراء ـ هكذا لقبه ـ إلي الفضاء الإفريقي.
وأنشأ منظمة لهذا الغرض ( منظمة دول الساحل والصحراء).. وساهم بجهد وافر في تغيير اسم ( منظمة الوحدة الإفريقية إلي الإتحاد الإفريقي) تشبهاً بالاتحاد الأوربي في الاسم فقط.. ودخلت ليبيا بيت الطاعة الأمريكي من أوسع أبوابه وتحولت إلي قبله لكل حكام أوربا وسياسيها .
لذلك لم يكن إطلاق سراح (المقرحي) في هذه الظروف المثالية أمراً صعباً وبالفعل تم إدخاله بكل سهولة في إحدى الصفقات مع حكومة (اسكتلندا) بعد أن قضى حوالي عشر سنوات في السجون البريطانية.. وعاد الرجل إلي بلدة.
ومن الطبيعي أن تنفي حكومة (اسكتلندا) وجود أي صفقة وراء إطلاق صراح (المقرحي) وتعزوا ذلك لأسباب إنسانية وأخلاقية.. في الوقت الذي أكد فيه ( سيف الإسلامي القذافي) وجود هذه الصفقة.. أيضاً احتجاج أمريكا علي ذلك يمكن فهمه واستيعابه.
ومع أن هذه القضية مليئة بالدروس والعبر إلا أن الدرس المهم هو:
أن الحكام في كثير من دول العالم يتصرفون في البلاد دون أي محاسبة أو مراقبة أو تعقيب من أحد.. ولا توجد مؤسسات يمكن أن تصحح أو تصوب أو تقوم سلوك الحكام.
أما الشعوب فهي مخلوقة للهتافات والتصفيق أو السجن.
| الإسم | لله درك ! |
| عنوان التعليق | أبو عمر |
| ما أجمل هذا .. فهم راق .. وتحليل بديع .. وعبارة ناجزة
|
| الإسم | رمضان كريم |
| عنوان التعليق | لا فض فوك |
| لم أقرأ تحليلا شافيا فى هذة القضية _من قبل_مثل هذا التحليل الرائع والبسيط
|
عودة الى وراء الأحداث
|