English الثلاثاء 25 صفر 1431     9 فبراير 2010
البحث التفصيلي
التفاصيلمقاضاة طالبة جامعية لأنها ترفض إسرائيل
خبر وتعليق

قام الموساد الإسرائيلي باغتيالات في عدة دول عربية فهل يعني ذلك:
أن الدول العربية مخترقة الآن
أن له اليد الطولى فيها
لا يستطيع أحد القبض عليهم
أنهم ينسقون مع هذه الدول
اقتراعات سابقة

محمود شاكر .. وتصحيح مسار ثقافتنا

بقلم أ. سمير العركي

لم يكن العلامة محمود شاكر – رحمه الله – مجرد قامة علمية شامخة فى مجال تحقيق التراث ، فمع أنه فى هذا المجال قد صار علماً يشار إليه بالبنان .. وصار تحقيقه لأي كتاب متعة تزيد من قيمة الكتاب .. واقرأ إن شئت تحقيقه لدلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني – كمثال وليس كحصر – بتحقيقه .. فتشعر معه بمتعة عقلية غير عادية فعينك لا تفارق هامش الصفحة المثبت فيها تحقيقه ولم لا ؟! والهامش يضيء لك المتن ويفسره ويكشف ما أبهم عليك فهمه .. وهذه – لعمري – هي مهمة المحقق الأصيلة فلا غرو أن حاز عن جدارة لقب شيخ المحققين .....

ولكن محمود شاكر – رحمه الله – لم يركن إلى ما حازه من قصب السبق فى ميدان تحقيق التراث ..

ولكنه انبرى لتصحيح مسار ثقافتنا وكشف عوار مسيرتها .. فكانت رسالته القيمة والنفيسة " رسالة فى الطريق إلى ثقافتنا " تحليلاً رائعاً وأمينا لمسيرة ثقافتنا الحديثة والمعاصرة ..... وتتبعاً صادقا لمواطن الزيف فى مسيرة الثقافة العربية ...

تحلى فيها الشيخ – رحمه الله – بالصبر والأناة ، والشرح والتكرار وهو يشرح ويفند .. فهو يعلم أنه يغرد خارج السرب .. وأن المشهد الثقافي قائم على هذا الخطل ..

والسدنة المتكسبون من صنم الثقافة لن يدعوه يقوض أركان المعبد بكل سهولة .. و أظن أن ما كتب فى " الطريق إلى ثقافتنا " لا يستطيع أحد كتابته إلا من هو فى قامة محمود شاكر ....

وليس سبيلي هنا تتبع رسالته صفحة صفحة فهذا عمل لا يكفى فيه عدة مقالات وليست مقالة واحدة ..

ولكنى أريد التوقف عند محطات من رسالته لتكشف عن سر تألقها واحتفاظها بنفاستها رغم مرور السنون الطوال ...

نقطة البداية هنا والتي جعلت الشيخ – رحمه الله – يثور تلك الثورة العاتية على مفردات الثقافة السائدة فى وقته ( ولها امتدادات حتى الآن ) هي الخلاف الذي نشأ بينه وبين المناهج الأدبية السائدة فى عصره  ومن أجل المعركة الفكرية التي كان يعلم أنه مقبل عليه كان لابد له من إعداد وتهيئة للعقل والنفس فيقول : "فإن هذا الإحساس القديم المبهم المتصاعد بفساد الحياة الأدبية قد أفضى بي كما حدثتك فى الفقرات الثلاث الأول إلى إعادة قراءة الشعر العربي كله أولا ، ثم قراءة ما يقع تحت يدي من هذا الإرث العظيم الضخم المتنوع من تفسير وحديث وفقه ، وأصول فقه وأصول دين ( هو علم الكلام ) وملل ونحل ، إلى بحر زاخر من الأدب والنقد والبلاغة والنحو واللغة ، حتى قرأت الفلسفة القديمة والحساب القديم والجغرافية القديمة وكتب النجوم وصور الكواكب والطب القديم مفردات الأدوية ، وحتى قرأت البيزرة والبيطرة والفراسة ... بل كل ما استطعت أن أقف عليه بحمد الله سبحانه ، قرأت ما تيسر لي منه ، لا للتمكن من هذه العلوم المختلفة ، بل لكي ألاحظ أتبين وأزيح الثرى عن الخبىء المدفون .."

هذا الفساد الذي يتحدث عنه الشيخ والذى تسبب فى نشوء الخلاف بينه وبين تلك المناهج الأدبية لم يكن إلا ثمرة الصراع والتصادم المخيف بين الإسلام وبين جحافل المسيحية الشمالية .. ذلك الصراع الذي لخصه الشيخ فى أربع مراحل :

الأولى : صراع الغضب لهزيمة المسيحية فى أرض الشام ودخول أهلها فى الإسلام .

الثانية : صراع الغضب المتفجر المتدفق من قلب أوروبا مشحوناً ببغضاء جاهلية عاتية عنيفة مكتسحة مدمرة سفاحة للدماء ، سفحت أول ما سفحت دماء أهل دينها من رعايا بيزنطة ، جاءت تريد هي الأخرى اختراق دار الإسلام ، وذلك عهد الحروب الصليبية الذي بقى فى الشام قرنين ، ثم ارتد خائباً إلى مواطنه فى قلب أوروبة .

الثالثة : صراع الغضب المكظوم الذي أورثه اندحار الكتائب  الصليبية من تحته بغضاء متوهجة عنيفة ، ولكنها مترددة يكبحها اليأس من اختراق دار الإسلام مرة ثالثة بالسلاح وبالحرب ... هذه المراحل الثلاث يصفها الشيخ – رحمه الله – بأنها كانت " ترسف فى أغلال القرون الوسطى ، أغلال الجهل والضياع ، ولم تصنع هذه المراحل شيئاً ذا بال "

الرابعة : صراع الغضب المشتعل بعد فتح القسطنطينية ، يزيده اشتعالاً وتوهجاً وقود من لهيب البغضاء والحقد الغائر فى العظام على الترك ( أي المسلمين ) وهم شبح مخيف مندفع فى قلب أوروبة يلقى ظله على كل شيء ويفزع كل كائن حي أو غير حي بالليل والنهار ، وإذا كانت المراحل الثلاث الأول لم تصنع للمسيحية شيئاً ذا بال ، فصراع الغضب المشتعل بلهيب البغضاء والحقد هو وحده الذي صنع لأوربة كل شيء إلى يومنا هذا .

ومن هنا يلتقط محمود شاكر طرف الخيط ليشرح فى أناة وتؤده الدور الذي قام به نفر من رجال  الدين فى المرحلة الرابعة للصراع من أجل اختراق ديار الإسلام فكرياً وثقافياً ...

كانوا بمثابة رأس الحربة التي أدمت قلب الإسلام .. فقد أوقفوا جهدهم وعلمهم من أجل خدمة النصرانية والعمل على اختراق دولة الإسلام .. هذا النفر عرف بعد ذلك باسم " المستشرقين " يقول عنهم شاكر : " رضوا لأنفسهم أن يظلوا مغمورين فى حياة تمج بالحركة والغنى والصيت الذائع ، وحبسوا أنفسهم بين الجدران المختفية وراء أكداس من الكتب ، مكتوبة بلسان غير لسان أممهم التي ينتمون إليها ، وفى قلوبهم كل  اللهيب الممض الذي في قلب أوربةً ، والذى أحدثته فجيعة سقوط القسطنطينية فى حوزة الإسلام ، ولكن لا هم لهم ليلاً ولا نهاراً إلا حيازة كنوز علم دار الإسلام بكل سبيل .. "

بهذه الهمة العالية انطلق هذا النفر من المستشرقين يلتهم التراث التهاماً لا حباً فيه ولا شغفاً به وإنما رغبة فى النفاذ إلى ثقافتنا بعد أن استعصت عليهم الديار عسكرياً فلا مانع من فتحها ثقافياً .. وهذا للأسف ما تم لهم بعد ذلك كما يوضح الشيخ لاحقاً ...

كانت أوروبا المسيحية تخطط لزحف شامل على ديار الإسلام بعد استواء يقظتها " لا بقعقعة السلاح ، بل بوسائل أخر أمضى من وقع السلاح .... " وكان للمستشرق نصيب الأسد فى الإعداد لهذا الزحف الشامل فانبعث يحمل لواء الحرب الثقافية والفكرية غبر عابئ بما يلاقيه من مشاق وأهوال لأنها " كانت ضرورة تحمله على أن يخدم أبناء جلدته وعشيرته وأهل ملته ..."

ولكن لماذا هذا الاستطراد من جانب الشيخ لبيان دور المستشرق وخلفيته المسيحية فى تحركه لدراسة الإسلام ؟ ..

كان الشيخ يكتب رسالته فى جو امتلأ بالإجلال والتعظيم لهذا النفر من المستشرقين .. ووجدت طائفة من المثقفين – ليست بالقليلة – اعتبرت أن المستشرق لا ينطق عن الهوى .. فكان يكفى أن يذكر رأيه لتخرس بعد ذلك الألسنة التي انمحقت هامتها الفكرية والثقافية أمام سطوة المستشرقين وهملجتهم وذلك بالرغم من عجمتهم الأصلية .

وهو ما حدا بالشيخ أن يتعجب ومعه الحق كل الحق فى تعجبه وهو يقول عن عجز المستشرق عن التمكن من العربية مهما بلغ فيها من الدراسة  : " لما عرفت استحالة قدرته على معرفة العربية إلا مثل تجلة القسم ( أي قليلاً بمقدار ما يكفر المرء قسمه ولا يبالى ) ، ومن عجزه المطلق عن استبانة وجه الحق فى ديننا وثقافتنا لأنه مكفوف عنها بحجاب من ثقافته التي نشأ فيها وليداً واستمر حتى شابت قرونه . فما باله شغل ناسنا بالحديث عنه ؟ أجل كيف كان ذلك ؟ ولم كان ما كان مما أفضى إلى انتدابه إلى إلقاء محاضرات فى جامعاتنا العربية والإسلامية ؟ وأعجب من ذلك استلحاقه بهيئات المجامع اللغوية فى بلاد عربية إسلامية يا للعجب أي ناس نحن ! " .

لم تكن ديار الإسلام غفلانة وسنانة كما حاولوا أن يروجوا لنا فى فترة ما قبل مجيء  الحملة الفرنسية إلى مصر .. فالشيخ فى رسالته يدحض تلك المقولة ويفندها ويعتبر أن تلك الفترة شهدت ظهور خمس قمم فكرية وعلمية شكلوا – من وجهة نظر الشيخ – نواة لنهضة تريد إيقاظ همم الرجال ، ولكز الأمة لعلها تفيق من غفوتها .. هؤلاء الرجال هم " رجال عظام أحسوا بالخطر المبهم المحدق بأمتهم ، فهبوا بلا تواطؤ بينهم ، كانوا رجالاً أيقاظاً مفرقين فى جنبات أرض مترامية الأطراف ، متباعدة أوطانهم ، لا يجمعهم إلا هذا الذي توجسوه في قرارة أنفسهم مبهماً من خطر محدق .... " هؤلاء الرجال هم :

البغدادي " عبد القادر بن عمر " ، صاحب خزانة الأدب ت 1093هـ/ 1683م فى مصر

الجبرتي الكبير " حسن بن إبراهيم الجبرتي العقيلى " جد الجبرتي المؤرخ ت 1188هـ /1774م فى مصر.

ابن عبد الوهاب " محمد بن عبد الوهاب التميمي النجدي " ت 1206هـ /1792م فى جزيرة العرب.

المرتضى الزبيدى " محمد بن عبد الرازق الحسيني " صاحب تاج العروس ت 1205هـ /1790م فى الهند وفى مصر .

الشوكانى " محمد بن على الخولانى الزيدى " ت1250/1834م فى اليمن .

هؤلاء الخمسة كانوا نواة يقظة عامة فى بلاد الإسلام .. ولكن المستشرقين الذين كانوا يجوبون بلاد الإسلام جمعاً للأخبار وتفنيداً للأحوال سارعوا لتنبيه دولهم من هذه الهبة المنتظرة حتى يتداركوا أمرهم فكان أن جردت أوروبا الحملات على ديار الإسلام فى الهند ومصر والجزائر ... وغيرهم .

والحملة الفرنسية يتوقف معها الشيخ شارحاً وموضحاً أهداف الحملة وكيف سارت بهم الأمور فى مصر منذ دخولهم إلى خروجهم .. وكيف عملوا على استجلاب المصريين ليمكثوا فى فرنسا فيشاهدوا الأمة الفرنسية بفنونها ومسرحها وعاداتها ثم يعودون ليكونوا خير سفراء لما شاهدوه .

الحملة الفرنسية كانت – ومازالت – لدى كثير من المستغربين فى بلادنا هي حملة الهداية والرشاد التي جاءت لتخرج الأمة من ظلام الجهل إلى نور المعرفة ... وألق الثقافة .. هكذا استقر الأمر فى نفوسهم وهكذا لقنوه لنا  فى مدارسنا ونحن لا نزال صبية صغار حتى تعاطفت قلوبنا وتعلقت بنابليون وازددنا له إعجاباً وتقديراً وهو الغازي المحتل الذي يجب علينا شرعاً وعرفاً أن نمقته من داخلنا .....

وفى رسالته يعرى الشيخ الحملة الفرنسية من ثياب الزور والبهتان التي ألبسوها إباها ، ويزيل الأصباغ التي حاولوا أن يداروا بها قبح منظرها .. فيقول – رحمه الله - :

" رحلت فلول جيش الفتى السفاح المغرور " نابليون " وجلت عن بلاد واسعة عريضة تركتها بلقعاً تصفر فيها الريح ... أقدم على تدميرها تدميراً كاملاً بربري جاهل مستخف فى زى متحضر ! ولكن صار هذا التدمير فى عين حياتنا الأدبية الفاسدة هو رسول الحضارة الذي جاء ليخرجنا من ظلمات الجهل إلى عصر النور والتنوير !! لا تضحك ولا تبك ، ولكن أطرق إطراقة الخزي والمهانة والعار ..... "  .

ويقول :" ولكنهم لم يرحلوا عن القاهرة المخربة ، وعن الشعب الذي استنزفوا ثروته بالضرائب والإتاوات مدة ثلاث سنوات حتى سرق المستشرقون المصاحبون للحملة الفرنسية ومستشرقون آخرون من كل جنس سرقوا كل نفيس من الكتب ، وكانت القاهرة يومئذ من أغنى بلاد العالم بالكتب . ودليل السرقة قائم بين أعيننا إلى هذا اليوم يصيح شاهداً على نفسه بالسطو على ذخائرنا التي يمنون علينا بعد ذلك فى حياتنا الأدبية الفاسدة : أنهم حفظوها لنا ، ونشروا لنا نفائسها ... " .

كانت رسالة محمود شاكر أشبه بزلزال يجتاح حصون الثقافة والحياة الأدبية وقت صدورها ، كان يؤصل وينظر فى عرض فكرته مع مكنة غير عادية لناصية العربية ..

لم يتوقف عند الحملة الفرنسية بل تعداها وسار بنا حتى وصل إلى الاحتلال البريطاني وما فعله القس دنلوب بالتعليم حيث استطاع تفريغ المناهج من كل ما يربطها بماضيها الحي المتدفق المفعم بالقوة والنشاط المتمثل فى التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية .. وربطها بماض آخر موغل فى القدم لم يبق منه إلا حجارة صماء مهما بلغت روعة بنائها وتشييدها فهي حجارة صماء فى نهاية المطاف ...

كان محمود شاكر فى رسالته مسكوناً بحب الإسلام وحضارته ولغته وماضيه وتراثه .. لم يقف ساكناً وهو يرى التخريب المتعمد لحياتنا الأدبية وثقافتنا فانطلق يقوض أركان المشروع العلماني ... فاستحقت رسالته " فى الطريق إلى ثقافتنا " أن تتبوأ تلك المكانة الرفيعة التي تبوأتها منذ صدورها وإلى الآن وأن تصبح درة فى ميدان الغزو الفكري تلقنها الأجيال للأجيال دون ملل أو زهق .



عودة الى الدفاع عن الإسلام

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._