|
الشريعة الإسلامية .. والقانون البريطاني
بقلم أ. هشام النجار
الشخصية..هو الدكتور روان ويليامز الزعيم الروحي للكنيسة الأنجليكانية فى العالم ورئيس أساقفة كانتربرى ، وهو بذلك يتقلد أرفع منصب فى الكنيسة الأنجليكانية ، ويعد أكبر شخصية دينية فى هذه الكنيسة على مستوى العالم .. ، وروان ويليامز- الذي يحظى بشعبية وجماهيرية واسعة- تربطه علاقة طيبة بجولدن براون رئيس الوزراء الحالي .. وهو أحد العقول البريطانية المفكرة والمتفتحة.
يصفه ( ستيفن لو ) وهو أحد أساقفة كنيسته بقوله : " عندنا ربما أحد أعظم وألمع كبيري أساقفة كانتربرى .. لم تعرفه الكنيسة لمدة طويلة ، انه ربما يمثل أحد ألمع العقول لهذه الأمة "
الحدث .. فى لقاء مع الإذاعة الرابعة لهيئة الإذاعة البريطانية ( بي بي سي ) شكك الدكتور ويليامز فى قدرة النظام القانوني الحالي فى إيجاد مجتمع عصري متماسك ، وقال رئيس الكنيسة الأنجليكانية التي يبلغ عدد أعضائها أكثر من 70 مليون عضو فى مقابلته مع الإذاعة : " أن هناك حاجة إلى مناقشة حول ما إذا كان النظام القانوني الحالي يمكن أن يلبى طلبات مجتمع متعدد العقائد " .
ـ وأشار ويليامز إلى أنه يتعين أن يكون المسلمون قادرين على أن يختاروا ما إذا كانوا يريدون التعامل مع قضايا النزاعات الزوجية أو المسائل المالية بموجب إجراءات وفق الشريعة الإسلامية أو وفق النظام القانوني الحالي .
وأكد الرجل على أن هناك حاجة ماسة لأن ينظر الناس إلى الشريعة الإسلامية بعين صافية للغاية ليحصلوا – على حد قوله – " على فهم أفضل بشأن الكيفية والموعد الذي يمكن فيه تطبيق الشريعة فى بريطانيا " .
ثم دعا روان ويليامز البريطانيين على اختلاف انتماءاتهم الى تقبل الآخر وتفهم احتياجاته واحترام عقيدته وشريعته وانتمائه فقال فى مقابلته مع الإذاعة : " على بريطانيا أن تواجه حقيقة أن عددا من المواطنين ( يقصد المسلمين ) لا يعتمدون كثيرا على النظام القانوني البريطاني " .
ـ ولخص روان فكرته وتصوره للحل الذي يحد من تزايد اتساع الهوة بين طبقات المجتمع بقوله : " أن تطبيقا جزئيا لبعض قواعد الشريعة الإسلامية قد يساعد على بلوغ انسجام اجتماعي " .
وردا على سؤال عما إذا كان تطبيق الشريعة ضروري لتماسك المجتمع ، قال ويليامز : " انه أمر لا يمكن تجنبه ولا مفر منه على ما يبدو " وطالب أن يتمكن المسلمون ( 1.7 مليون بريطاني ) من فض نزاعاتهم العائلية والمالية أمام محاكم شرعية إسلامية .. ثم قال : " لا ينبغي أن يفرض على المسلمين الخيار الصعب بين الولاء الثقافي ( لدينهم ) والولاء السياسي ( لدولتهم ) ... " ..
ـ وألمح ويليامز فى مقابلته مع الإذاعة إلى أنه لم يأت بجديد فهناك مجالس تشبه المحاكم الإسلامية قائمة فعلا فى بريطانيا تعنى بفض المنازعات بين المسلمين وتنظر فى مسائل الطلاق والأحوال الشخصية وأضاف : " هناك اعتراف بالفعل فى مجتمعنا ببعض أحكام الشريعة وبموجب قوانيننا ، ومن ثم فان الأمر ليس كما لو كنا نأتي بنظام غريب ومنافس " .
ـ ومن المعلوم أنه بموجب القانون الإنجليزي ، فان بإمكان طرفين حل نزاعهما أمام طرف ثالث طالما اتفقا عليه ، وتقع محاكم الشريعة الإسلامية والمحاكم اليهودية التي تسمى " بيت الدين " تحت هذا البند من القانون .
وفى نهاية اللقاء رفض ويليامز تطبيقا كاملا للشريعة بما فى ذلك " العقوبات القاسية المطبقة فى بعض الدول مثل السعودية وإيران " على حد قوله .. ثم عقب قائلا : " لا أحد عاقلا سيكون راغبا فى أن يرى فى وطنه تلك اللا إنسانية المرتبطة أحيانا بتطبيق الشريعة فى بعض الدول كالحدود وكذلك الموقف من المرأة " .
ودعا للنظر إلى الشريعة الإسلامية بذهن متفتح ، ثم جدد دعوة المسئولين المسيحيين والمسلمين إلى التعاون ، وشدد على ضرورة إشراك كل الطوائف فى هذا العمل ..
مواقف سابقة
يحسب لروان ويليامز انفتاحه على الآخر والتزامه بأدب الحوار وسعيه لإيجاد أرضية مشتركة للارتكاز عليها والانطلاق منها نحو تعايش سلمى حقيقي .. ومن المواقف التي تسجل له ما قاله فى سنغافورة أمام ندوة عقدت لحوار الأديان ، حيث وصف الولايات المتحدة الأمريكية بأنها : " أسوأ نظام إمبريالي فى العالم " مؤكدا أن السياسة التي تعتمدها أمريكا تشبه إلى حد كبير سياسة الاستعمار البريطاني فى القرنين 19 و 20 .. وبعد غزو أمريكا لأفغانستان ثم العراق وجه ويليامز انتقادا لاذعا للسياسة الخارجية التي تعتمدها الإدارة الأمريكية وللرئيس جورج بوش حيث قال فى حديث له لمجلة أسبوعية إسلامية : " إن الرئيس الأمريكي وأعضاء إدارته تخلوا منذ أحداث 11 سبتمبر أيلول فصاعدا عن مبادئهم وقيمهم الأخلاقية واعتمدوا سبيل الضلالة ".. ثم انتقد أثناء حديثه للمجلة بعض المسيحيين المقربين من البيت الأبيض لتأييدهم المطلق للرئيس الأمريكي فى دعم الكيان الصهيوني "
ومن مواقفه أيضا انتقاده الشديد لفرنسا عقب قرارها بحظر الحجاب الإسلامي فى المدارس الفرنسية وذلك فى خطبة عيد الميلاد من العام الذي تم فيه قرار الحظر ...
ردود الأفعال
سارعت رئاسة الوزراء البريطانية بالرد على تصريحات روان ويليامز عن طريق المتحدث الرسمي باسم رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون ، فقد شدد على ضرورة تطبيق القانون البريطاني بالاستناد إلى القيم البريطانية ، وقال : " لن نسمح بوجود أية ذريعة ضد القانون البريطاني الوطني .. وهذا هو القانون الوحيد الذي سيتم العمل به فى هذه البلاد لأنه المستند على القيم البريطانية " .. وقلل المتحدث باسم رئاسة الوزراء من شأن المبررات التي ساقها روان لانتهاك القانون البريطاني بدعوى أنه لم يمر على ما طرأ من تغير مجتمعي زمن طويل ، فقال : " إن موقفنا العام من الشريعة الإسلامية لا يبرر انتهاك القانون البريطاني وأنه لا يمكن الاعتراف بمبادئ الشريعة أمام محكمة مدنية لمعالجة خلافات ناجمة عن عقد " .
ـ ثم ذكر بأن هناك حالات فردية استثنائية نلجأ فيها إلى الشريعة ، لكن يبقى القانون هو الأساس ، فقال فى بيانه : " هناك حالات معينة يمكن أن يكون لها وضع خاص ، لكن القاعدة لابد أن تكون كما هي فى القانون البريطاني حتى وإن حدثت تنازلات "
ولم تتأخر وزارة بلير السابقة فى الرد ، فهذا ديفيد بلانكيت وزير الداخلية السابق فى حكومة تونى بلير يقول : " إن الفكرة الخاصة بإضفاء الطابع الرسمي على الشريعة الإسلامية فى بريطانيا سوف تكون كارثية بالنسبة للتلاحم المجتمعي "
أما بالنسبة لردود أفعال المحافظين والديمقراطيين الليبراليين وهما جناحا المعارضة فى بريطانيا فقد انتقدوا تصريحات ويليامز .. فاعتبرها المحافظون غير ذات نفع .. وقالت البارونة فارسي وزيرة شئون الاندماج الاجتماعي فى حكومة الظل فى الحزب : " إن المبدأ الهام هو المساواة ، وعلينا أن نضمن معاملة الناس من مختلف الأصول والديانات بالتساوي أمام القانون " ،أما الليبراليون الديمقراطيون فأكدوا على أنه يجب علينا جميعا التقيد بالقانون البريطاني ..
أما أعنف ردود الأفعال وأقساها وأشدها هجوما على الرجل بعد تصريحاته الإذاعية الأخيرة يوم الخميس الماضي فقد صدرت عن قساوسة وأساقفة وأعضاء مجالس كنسية بريطانية ، ونلاحظ هنا أنهم لم يستطيعوا فى ثنايا ردودهم إخفاء إعجابهم بالرجل ولم يمنعهم سخطهم عليه من مدحه ببعض ما يستحق .
ـ فهذا أليسون روف وهو عضو فى المجلس الكنسي عن مدينة لندن ، يصف ويليامز بالرجل الطيب فيما يبدو أنه يلتمس له العذر بقوله : " لقد ألحق ضررا كبيرا ، إنه رجل طيب لكنه ينتمي إلى الأوساط الجامعية ولم يتلق نصائح سليمة .. إنني آسف لكن أعتقد أن عليه الرحيل " .. لكن روف سرعان ما يكتشف عيوبا كبيرة فى ويليامز يبدو أنها ظهرت فجأة ، حيث يتابع بقوله : "أعداد هائلة من الناس ستشعر بالارتياح لو أنه استقال لأنه يؤجل اتخاذ قرارات بشأن كل القضايا ، ونحن نحتاج الآن إلى قيادة إنجيلية مسيحية قوية فى مقابل شخص يتذمر ويتذبذب بين موقف وآخر ".
ويتابع أليسون روف بقوله : " إنه عالم فى الشئون الدينية البروتستانتية ، وهو مقتدر وألمعي جدا ، لكن فيما يخص كونه رئيسا للمجتمع المسيحي فإني أعتقد أنه فى الوقت الراهن يمثل كارثة "
وبمعاني قريبة مما قاله روف صرح ادوارد أرميستيد من أبرشية باث وويلز وهو أيضا عضو بالمجلس الكنسي ، قال فى حديث له لمجلة الديلى تليجراف : " لا أعتقد أن الدكتور روان ويليامز الرجل المناسب لشغل وظيفته .. أنه ينبغي عليه أن ينتقل للعمل فى جامعة بدل أن يقود الكنيسة الأنجليكانية .. ، إنني يجب أن أكون مهذبا ، ولكنى سوف أكون سعيدا لو أنه انتقل للعمل بالجامعة حيث يمكنه طرح هذا النوع من الأفكار " .
ـ ووصف وليام دوبى وهو عضو سابق فى المجلس الكنسي كبير أساقفة كانتربرى روان ويليامز بالقول انه يمثل " كارثة وخطأ تراجيدي "
ـ أما الجالية المسلمة فقد رحبت بشدة بتصريحات ويليامز لأنها تصب فى مصلحة المجتمع البريطاني وتحافظ على وحدة طوائفه وتماسك نسيجه ، وتناقش قضية هامة تخص دور المسلمين ومستقبلهم فى وطنهم ، واعتبر المسلمون البريطانيون ما قاله ويليامز خطوة شجاعة فى طريق فهم الإسلام وتحقيق رغبات الطائفة المسلمة .
فقد أعلن مجلس مسلمي بريطانيا أنه ممتن لتدخل كبير أساقفة كانتربرى المدروس بشأن النقاش المتعلق بدور الإسلام والمسلمين فى بريطانيا الحديثة .
ـ وأدان المجلس على لسان الناطق باسمه ردود الفعل الهستيرية على تصريحات ويليامز فقال : إن المجلس يتابع بأسى التحويرات الهستيرية لخطاب روان ويليامز والتي لا تهدف سوى لإفساد العلاقة بين مكونات الشعب البريطاني " .
وقال محمد شفيق رئيس مؤسسة " رمضان " الإسلامية بلندن : " أعتقد أن المسلمين سيشعرون براحة هائلة لسماح الحكومة بتسوية المسائل المدنية بما يتفق مع عقيدتهم " مؤكدا أنه " تم تطبيق الشريعة فى المسائل المدنية بقدر كبير من النجاح فى بعض البلدان الغربية "
حديث الصحافة
على طريقتها أطلقت صحيفة " ذي صن " حملة إعلامية شديدة اللهجة تطالب فيها برحيل ( الأسقف العدو )
ومن جانبها قالت صحيفة التايمز البريطانية أن أسقف بريطانيا ارتكب خطأ شنيعا بسبب تصريحاته حول الشريعة الإسلامية .
وفى نفس الصحيفة كان هناك مقال بعنوان " أسقف كانتربرى ارتكب خطأ شنيعا " .. يقول كاتب المقال بعد أن أثنى على ويليامز ومدح جهوده فى تنمية الثقة بين الأديان وسعيه فى إحياء روح التعايش بين طوائف المجتمع : " أن هناك قانونا واحدا فى بريطانيا من المفروض تطبيقه على الجميع ، وانه كان من الأحرى بالأسقف الدعوة لمساعدة المسلمين الذين لم يندمجوا فى المجتمع البريطاني على أن يفعلوا ذلك ، خاصة وأن أتباع الديانات الأخرى يلتزمون بالقانون المحلى ولا يطلبون استثناء أو تطبيق قوانينهم الخاصة بهم "
أما صحيفة الديلى تليجراف فقد أكدت فى افتتاحيتها يوم السبت 9 / 2 / 2008 أن دعوة ويليامز ليست جديدة حيث أن هناك فى بريطانيا فعلا ما يعرف ب " مجالس الشريعة " وهى تلك المجالس التي يلجأ إليها المسلمون البريطانيون طلبا للمشورة فى قضايا الأحوال الشخصية كالطلاق ، وكذلك بإمكان اليهود المتدينين اللجوء إلى تشريعات الدين اليهودي فيما يتعلق بالأكل مثلا ، بل وأكثر من ذلك ، بإمكان الأطباء المسيحيين أن يطلبوا إعفاءهم من إجراء عمليات الإجهاض لأسباب دينية .
* إذن فدعوة ويليامز – كما تقول الصحيفة – ترتكز على وضع قائم بالفعل ، ولكن المشكلة هي فى توقيتها وفى مصدرها ، فقد كان يجب أن تأتى من مجلس مشترك للديانات السماوية الثلاثة .
وتضيف الصحيفة فى افتتاحيتها : إن محاولة إنشاء محاكم شرعية فى بريطانيا سيواجه صعوبات بالغة بسبب ما ترتبط به تلك المحاكم فى أذهان البريطانيين من عقوبات قاسية كقطع اليد والرجم حتى الموت " .
رد على الهجوم والاتهامات
* حذر ويليامز من هذه الأصوات التي انطلقت بالهجوم عليه قبل انطلاقها وتوقع أن تصيب تصريحاته كثيرا من الناس بالدهشة والذهول ، وطالب بالتأني والتأمل ودراسة الشريعة الإسلامية وتفهم وضع المسلمين داخل المجتمع البريطاني ، وحذر البريطانيين من السير وراء الإعلام المغرض ، فقال فى مقابلته الإذاعية : " الرأي العام فى الوقت الراهن لا يزال واقعا تحت سطوة بعض التقارير الإعلامية المغرضة "
* وفى بيان نشر على موقعه على الانترنت يوم السبت الماضي رد روان ويليامز على الاتهامات والهجوم الذي وجه له ، فقال : " إنني لم أدع على نحو جازم إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كتشريع مواز للقانون المدني " .. وأوضح أنه دعا فقط إلى الاعتراف بالشريعة كمرجع معمول به فعلا فى مجتمعنا ، حيث قال : " .. الاعتراف ببنود معينة من الشريعة الإسلامية فى مجتمعنا وفى قانوننا وليس إنشاء قانون مواز " .
ـ وذكر البيان أن رئيس الأساقفة كان " يستكشف السبل التي ربما يتم من خلالها التوصل إلى صيغة توفيقية معقولة فى إطار الترتيبات الحالية المتعلقة بالضمير الديني فى المعاملات " وأوضح أن غايته وهدفه هو " منع المزيد من التصدع فى العلاقات المجتمعية وأنه لا زال يؤيد إدراج الشريعة الإسلامية بشكل رسمي فى النظام القانوني الحالي بدون أن تكون إجبارية وملزمة للقانون الانجليزي "
عودة الى الدفاع عن الإسلام
|