المطلق والمقيد والعلاقة بينهما بقلم الشيخ: زكريا محمود
يتوقف استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية سواء الكتاب أو السنة استنباطاً صحيحاً علي معرفة (القواعد الأصولية اللغوية)، المتعلقة بوضع الألفاظ لمعانيها .
فاللفظ باعتبار وضعه للمعنى كما قسمه الأصوليون :-
بعد استقراء الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية ومقدار ما تشتمل عليه تلك الألفاظ من أفراد والأوصاف الخاصة فيما تشتمل عليه ينقسم إلى:-
(خاص - وعام – ومشترك).
وقد سبق الحديث عن معني الخاص، وبيان أنواعه، وحُكمه، و ما يندرج فيه من أقسام .
فاللفظ الخاص، قد يرد مطلقا عن أى قيد، وقد يرد مقيدا بقيد، وقد يكون على صيغة طلب الفعل، وقد يكون على صيغة النهي عن الفعل.
إذن يندرج في الخاص-:
(1)- المطلق والمقيد. (2)- الأمر. - (3)- النهى.
وموضوع مقالنا عن القسم الأول من أقسام الخاص (المطلق والمقيد) و فيه عدة مسائل :-
تعريف المطلق والمقيد..
حكم المطلق والمقيد..
حمل المطلق على المقيد..
أولاً- المطلق والمقيد:-
تعريفها :-
المطلق هو اللفظ الدال علي مدلول شائع في جنسه، أو هو اللفظ الدال علي فرداً أو أفراد غير معينة، وبدون أي قيد لفظي مثل رجل، رجال، كتاب، وكتب.
المقيد / هو اللفظ الدال علي مدلول شائع في جنسه، مع تقييده بوصف من الأوصاف، أو هو اللفظ الدال علي فرد أو أفراد غير معينة مع اقترانه بصفة تدل علي تقييده بها، مثل رجل مصري، كتب قيمة.
والمقيد فيما عدا ما قيد به يعتبر مطلقا ولا يجوز تقييده بغيره بلا دليل.
أ- حكم المطلق والمقيد :-
1- المطلق/ أنه يجري علي إطلاقه فلا يجوز تقييده بأي قيد إلا إذا قام الدليل علي التقييد وتكون دلالته علي معناه قطعية ويثبت الحكم لمدلوله.
مثل قوله تعالي في كفارة الظهار (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) فكلمة ( رقبة ) مطلقة من كل قيد.
كذلك قوله تعالي (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ) كلمة ( أزواجاً ) مطلقة من كل قيد كالدخول مثلاً.
2- المقيد : يجب العمل بموجب القيد فلا يصح إلغاءه إلا إذا قام الدليل علي ذلك .
مثل قوله تعالي في كفارة الظهار (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ) فقيدت الشهور بالتتابع.
كذلك قوله تعالي في كفارة القتل الخطأ فتحرير رقبة مؤمنة، فالرقبة قيدت بأن تكون مؤمنة.
كذلك قوله تعالي في سياق تعداد المحرمات (وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ) قيد التحريم بالدخول وأما كلمة(فِي حُجُورِكُم) فليست بقيد إحترازى، وإنما هي قيد أكثرى، لا تأثير له في الحكم .
مثال (لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً) :-
3- حمل المطلق علي المقيد :/ قد يرد اللفظ مطلقاً في نص، ويرد نفس اللفظ مقيداً في نص أخر، وقد يحمل المطلق علي المقيد، أو لا يحمل ولذلك حالات :-
أولاً: إذا اتفقا في الحكم والسبب يحمل المطلق علي المقيد :-
مثل قوله تعالي (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)..
وقوله تعالي (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً) فلفظ (الدم) مطلق في الأولي ومقيد في الثانية بكونه مسفوحاً.
سبب الحكم في الآيتين واحد، وهو نجاسة الدم ( الضرر الناشئ عن تناول الدم).
والحكم في الآيتين واحد، وهو حرمة تناول الدم.. فيحمل المطلق علي المقيد ويكون المراد هو (الدم المسفوح)، دون غيره كالكبد والطحال والدم الباقي في اللحم والعروق، فكل ذلك حلال غير محرم.
ثانياً: أن يختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب:-
مثال قوله تعالي: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا).
وقوله تعالي (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فكلمة (الأيدي) وردت في الأولي مطلقة، وفي الثانية مقيدة ب (إلي المرافق)، والحكم مختلف فهو في الأولي قطع يد السارق والسارقة.. وفي الثانية وجوب غسل الأيدي..
والسبب مختلف وهو في الأولي السرقة وفي الثانية إرادة الصلاة (الطهارة).
ولذلك لا يحمل المطلق علي المقيد، بل يعمل بالمطلق في موضعه ويعمل بالمقيد في موضعه.
ثالثاً: أن يختلف الحكم ويتفق السبب.
مثل قوله تعالي (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) .
وقوله تعالي (لَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ).
فالحكم في الأولي هو وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيدة (إلي المرافق).
وفي الثانية هو مسح الأيدي التي وردت مطلقه.
والسبب في الآيتين متحد وهو إرادة الصلاة .
وفي هذه الحالة يبقي المطلق علي إطلاق ويعمل به في المكان الذي ورد فيه، والمقيد علي قيده ويعمل به في المكان الذي ورد فيه.
رابعاً: أن يكون حكم المطلق والمقيد واحداً ولكن سبب الحكم فيهما مختلف.
كقوله تعالي (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) في كفارة الظهار..
وقوله تعالي (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) في كفارة القتل الخطأ..
فالحكم في الأولي هو الكفارة وفي الثانية أيضا هو الكفارة.
والسبب في الأولي هو الظهار.. وفي الثانية هو القتل الخطأ.
ففي هذه الحالة يعمل بالمطلق علي إطلاقه فيما ورد فيه، والمقيد علي قيده فيما ورد فيه.
وهذا عند الأحناف والجعفرية وأبي إسحاق..
أما عند غيرهم كالشافعي والمالكية والقاضي فيحمل المطلق علي المقيد.
وإلى لقاء قادم إن شاء الله، في مقال آخر نتناول فيه القسم الثاني من أقسام (الخاص) وهو- (الأمر)- ونبدأ فيه بعرض لعدة مسائل من مسائل الأمر :-
1- التعريف اللغوي والأصطلاحى للأمر.
2- ما يستعمل فيه لفظ الأمر.
3- اشتراط العلو والاستعلاء في صيغة الأمر.
و حتى نلتقي أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
عودة الى عقائد وأصول
|