|
قراءة فى سيرة الحبيب.. الدعوة الجهرية.. كيف؟ ومتى؟ وأين؟ بقلم أ. عبد العزيز محمود
- لقد شق النبي (صلى الله عليه وسلم) طريقه بكل تخطيط ودقة، وأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، فاهتم بالتربية العميقة، والتكوين الدقيق، والتعليم الواسع، والانسياب الطبيعي في المجتمع.
- والإعداد الشامل للمرحلة التي بعد السرية، لأنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن الدعوة إلى الله لم تنزل لتكون دعوة سرية.. يخاطب بها الفرد بعد الفرد، بل نزلت لإقامة الحجة على العالمين، وإنقاذ من شاء الله إنقاذه من الناس من ظلمات الشرك والجاهلية, إلى نور الإسلام والتوحيد.
- ولذلك كشف الله تعالى عن حقيقة هذه الدعوة وميدانها, منذ خطواتها الأولى، حيث إن القرآن المكي بين شمول الدعوة وعالميتها.. قال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ).
- فقد بدأت الدعوة الإسلامية الأولى متدرجة، تسير بالناس سيرًا دقيقًا، حيث بدأت بمرحلة:
- الاصطفاء والتأسيس.
- ثم مرحلة المواجهة والمقاومة.
- ثم مرحلة النصر والتمكين.
- وما كان يمكن أن تبدأ هذه جميعها في وقت واحد، وإلا كانت المشقة والعجز, وما كان يمكن كذلك أن تقدم واحدة منها على الأخرى، وإلا كان الخلل والإرباك.
- أن بعض العاملين في حقل الدعوة الإسلامية يحسبون أن التمكين يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، ويريدون أن يغيروا الواقع الذي تحياه الأمة الإسلامية في طرفة عين، دون النظر في العواقب, ودون فهم للظروف والملابسات المحيطة بهذا الواقع ودون إعداد جيد للمقدمات أو للأساليب والوسائل.
- وبعد أن استعرضنا الدعوة السرية وبعض ملامحها وسماتها نتحدث عن الدعوة الجهرية.. ولكن قبل الحديث عن الجهرية يبقى سؤال يفرض نفسه:
- هل الحركة الإسلامية ملزمة بهذه المرحلية في الدعوة وكذالك العمر الزمني؟
- إن الحركة الإسلامية غير ملزمة بالمرحلية في الدعوة، فهذا أمر لا نص فيه يدعونا إلي الإقتداء به ولا نضيق واسعاً، إنما نفهم أن انتهاء هذه المرحلة "مرحلة السرية" قد صار بعد أن أصبح للمسلمين قاعدة صلبة مستعصية علي الإفناء، ولكن تبقي القدوة دون الالتزام بوقت زمني ويبقي لكل مقام مقال، فقد تصلح الدعوة السرية في مكان ولا تصلح في مكان أخر ويؤكد هذا وهو عدم ارتباط الحركة الإسلامية بزمن معين أو محدد.
- أن بعض المسلمين ظلوا علي سريتهم أزمنة مختلفة حسب إمكانيتهم في قبائلهم، وقدرتهم علي الدعوة والاستقرار ولتكتمل الإجابة نقول:
- أنه تبقي جهرية الدعوة هي الأصل وما دونها استثناء ولكن يبقي سرية التنظيم.
"وأنذر عشيرتك الأقربين"
- لما تكونت جماعة من المؤمنين تقوم علي الأخوة والتعاون وتتحمل عبء كبير من الرسالة وتمكينها من مقامها نزل الوحي يكلف رسول الله صلي الله عليه وسلم بإعلان الدعوة وإظهارها وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعال : "وأنذر عشيرتك الأقربين" نزلت هذه الآية في سورة الشعراء والتي تحكي عن قصة موسي عليه السلام مع بني إسرائيل والصراع الذي دار بينهم وبين فرعون وكيف نجا الله موسي ومن معه وأغرق فرعون ومن معه.
- وكأن هذا التفصيل جاء به مع أمر الرسول صلي الله عليه وسلم بجهر الدعوة إلي الله، ليكون أمامه وأمام أصحابه مثال لما سيتعرضون له من التكذيب والاضطهاد حينما يجهرون بالدعوة، كذلك تشتمل الصورة ذكر مآل المكذبين للرسل من قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب الأيكة – ليعلم المكذبين عاقبة أمرهم وليعرف المؤمنون أن حسن العاقبة لهم.
- بعد نزول هذه الآية دعا رسول الله صلي الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم وقال : "الحمد لله أحمده واستعينه، وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا أله إلا الله وحده لا شريك له"
- ثم قال: "إن الرائد لا يكذب أهله والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلي الناس عامة والله لتموتون كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وأنها لجنة أبداً أو نار أبداً".
- إن الدعوة عندما تأخذ طابع المواجهة المعلنة، يكون الداعية في أشد الحاجة إلي العشيرة والأقارب وخاصة عندما تكون هذه المواجهة تعرض الداعية للخطر، فعشيرة الداعية وأقاربه هم أكثر الناس استعداد لحمايته.
- وهذه سنة إلهية يحدثنا عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما قال: "رحم لله أخي لوط لقد كان يأوي إلي ركن شديد" بعد أن قال لوط عليه السلام "قال لو أن لي بكم قوة أو أوي إلي ركن شديد".
- وهذه السنة الإلهية أيضا هي التي حالت بين كفار مدين وشعيب "......... ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز".
- وسواء أمنت العشيرة بالفكرة أم لم تؤمن بها فإن حمايتها لأبنها الداعية خط أصيل في تاريخ الدعوات.
- وقد أختلف موقف أبي طالب عن أبي لهب، وتبني أبو طالب حماية رسول الله صلي الله عليه وسلم رغم عدم دخوله في الإسلام.
- ومن هنا ينبغي علي الداعية أن يكون حبله مع عشيرته وأقاربه موصولاً لا ينقطع أبداً ويكون حريصاً علي ذلك لا للحماية فقط بل لطلب الهداية والحرص عليهم والخوف من مخالفة رب العالمين.
على جبل الصفا
- ومن العشيرة الأقرب إلي العشيرة الأكبر حيث كان الإعلان عاماً علي جبل الصفا بأعلى مكة، صعد النبي صلي الله عليه وسلم ذات يوماً علي الصفا، فعلي أعلاها حجر، ثم هتف: "يا صباحاه" ثم جعل ينادي بطون قريش ويدعوهم قبيلة قبيلة ويقول: "يا بني فهر – يا بني عدي – يا بني عبد مناف – يا بني عبد المطلب -.........".
- فلما سمعوا قالوا : من هذا الذي يهتف؟
- قالوا: محمد.
- فأسرع الناس إليه حتى أن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولا ينظر ما هو، فأجتمع أمامه أبو لهب وقريش فقال (صلى الله عليه وسلم): "أرأيتكم لو أني أخبرتكم أن خيلاً بوادي بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم.. أكنتم مصدقي؟".
- قالوا : نعم، ما جربنا عليك كذبا قط ما جربنا عليك إلا صدقا.
- قال : "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربأ أهله فخشي أن يسبقوه فجعل ينادي يا صباحاه".
- ثم دعاهم إلي الحق وأنذرهم من عذاب الله.
- فكان رد أبا لهب: تبا لك سائر اليوم؟ ألهذا جمعتنا ؟.
لماذا جبل الصفا؟
- الدعوة جديدة ولابد لها من أسلوب جديد يلفت الانتباه والنظر، فصعد النبي صلي الله عليه وسلم فكان في أعلي الجبل، فكان من لا يستطيع أن يذهب يرسل من يأتي له بالخبر وبذلك يضمن النبي صلي الله عليه وسلم أن يجتمع له أكبر عدد من الناس.
- النبي وقف متحدثا من أعلي الجبل وقريش أمامه تصغي وتنتبه لكل ما يقول فيضمن بذلك عدم انشغالهم عنه بأي شئ إلا ما يقول لهم.
- أخذ عليهم العهود والمواثيق علي صدقه وعدم كذبه عليهم قط.. فأخبرهم لو أن جيشاً خلف الوادي يريدون أن يغيروا عليهم فيقتلوا الرجال ويسبوا النساء والصبيان.. وهذا أمر غيبي لم يروه بأعينهم.. أكانوا مصدقيه.. وكذلك دعوته أمر غيبي فمن الأولي أن يصدقوه في الثانية لأنها أكثر غيبا من الأولي.
- لماذا صعد النبي صلي الله عليه وسلم جبل الصفا ولم يذهب إلي السوق مثلاً رغم أن الناس في السوق أكثر تجمعاً من حيث العدد.
- الناس في السوق يكونوا حلقا منشغلين بالبيع والشراء ولن ينتبهوا إلي كلام النبي صلي الله عليه وسلم ودعوته تمام الانتباه.
موقف أبو لهب
- لقد استطاع أبو لهب أن يصرف الناس عن النبي ويفض التجمع من حوله بحنكة ودهاء وذالك بتهوينه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما يقوله عندما قال : تب لك ألهذا جمعتنا؟ فهون من الأمر ولم يدع فرصة لأحد أن يتناقش مع النبي الكريم حول طبيعة هذه الدعوة الجديدة وما قاله صلى الله عليه وسلم وما يريد وكأن الأمر بين النبي وعمه ومن شدة الرد والفعل أنزل الله سبحانه ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ).
معالم الدعوة الجديدة
- الإيمان بالله وحده، الإيمان برسول الله صلي الله عليه وسلم، الإيمان باليوم الآخر.
- هذه هي الخطوط العريضة التي تم التركيز عليها طيلة هذه المرحلة فلقد بين النبي الكريم صلي الله عليه وسلم منذ أول وهلة عندما أجتمع بأهله قال:( أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له) وأثبت ألوحدانية لله وحده ونفاها عن كل ما سوي الله.
- لقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حريص كل الحرص على أن يكون الأيمان بالله وحده ومعرفته حق المعرفة هو الخط الأول والأصيل في الدعوة إلى الله.
- فالأيمان الجازم إذا خالطت بشاشته القلوب يزن الجبال ولا يطيش، وإن صاحب الإيمان المحكم واليقين الجازم يرى متاعب الدنيا مهما كثرت وكبرت وتفاقمت واشتدت – يراها في جنب الله – طحالب عائمة فوق سيل جارف جاء يكسر السدود المنيعة والقلاع الحصينة فلا يبالي بشئ من تلك المتاعب أمام ما يجده من حلاوة إيمان، وبشاشة يقينه، فلا عجب بعد ذلك أن نعلم أن هذا الجيل الأول هو الذي تحمل كل المشاق والصعاب، ورفع لواء الدعوة ولم يبالي بأي شئ كما سنعلم بعد ذلك في السيرة.
- كذلك قال لهم : "إني رسول الله إليكم خاصة وإلي الناس عامة". وفي ذلك أول إعلان لهذا الدين في الأرض فيه علانية الدعوة فليست رسالة محلية مرتبطة بمكان معين أو زمان محدد، إنما هو رسول رب العالمين إلي البشرية كافة ومن أجل هذا كانت اللبنات الأولي للدعوة تمثل هذا الأمر وتبينه.
- أما الخط الثالث وهو الإيمان باليوم الآخر عندما قال لهم والله لتموتون كما تنامون، ولتبعثون كما تستيقظون، ولتحاسبون بما تعملون، وإنها الجنة أبداً أو النار أبدا -ً.
- إنه الإيمان بالآخرة وهو ما يقوي الشعور بالمسئولية – فقد بين لهم رسول الله صلي الله عليه وسلم بأنهم يقومون لرب العالمين، ويحاسبون علي أعمالهم دقها وجلالها، صغيرها و كبيرها فأما إلي النعيم المقيم، وأما إلي عذاب خالد في سواء الجحيم.
- تلك هي الخطوط الرئيسية لدعوة النبي صلي الله عليه وسلم وهي أيضاً دعوة عامة ليست مقصورة علي قريش أو أهل مكة وإنما للناس كافة.. "إني رسول الله لكم خاصة وإلي الناس عامة".. من أجل هذا كانت اللبنات الأولي للدعوة تمثل هذه العالمية الشاملة.
- فصهيب الرومي وبلال الحبشي كاناً من أوائل من دخل في هذا الدين الذي لا يفرق بين أعجمي وعربياً، ولا فضل فيه لأبيض علي أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.
- ومن المعلوم أن هذا ألأمر كان شاقاً صعباً علي أهل مكة الذين يتكون المجتمع أو ينقسم بينهم من سادة وعبيد، ورغم ذلك كان النبي واضحاً في دعوته لهم، لم يؤخر قضية الوحدانية وكذلك قضية المساواة حتى يجتمع معهم علي أي أمر أخر ثم بعد ذلك يبينه لهم، ولكنه منذ أول يوم كان واضحاً لأن هاتان القضيتان خط أصيل في العقيدة الإسلامية لا يمكن المساومة عليهم بأي حال وهذا ما ينبغي علي دعاة الحركة الإسلامية أن يفهموه ويعوه جيداً أنه لا يمكن أن يكون هناك أي لقاء فكري أو غيره دون توضيح هاتان القضيتان وأن هذه المسألة مسألة الوحدانية وعلانية الدعوة فوق المساومات.
توحيد مصدر التلقي
- لقد كان القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي يتلقى منه المسلمون الأوامر عن طريق النبي الكريم صلي الله عليه وسلم وهو أمر ما أحوج ما يكون الدعاة إليه، فلقد كان تلقي القرآن يتم هناك حين ينصرف المسلم بزاد حصيلة بضع آيات من القرآن نزل بها روح القدس علي قلب محمد صلي الله عليه وسلم، كانت هذه الآيات كفيلة أن تنشأ هذا الجيل القرآني الفريد.
- ولم يكن هذا الجيل يتلقى إلا هذا الوحي من القرآن أو من حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم، فينزع به كل أشكال الجاهلية وعقائدها، ويضع في قلبه المعاني الجديدة الآتية إليه من رب العالمين.
- كان هذا اللقاء اليومي الدائم هو الذي يغير هذا الواقع البشري وتتفاعل معه النفوس بهذا الوحي المنزل فيجد الإنسان في نفسه إنسان جديد غير ذي قبل، إنساناً جديداً بقيمة ومشاعره بحبه وبغضه باهتماماته وشواغله.
- لقد كان هذا الجيل أُمي لا يعرف القراءة والكتابة، فلم يكن ليتلقى الثقافة البشرية التي اختلط فيها الحق بالباطل، لقد كان بعيداً عن فلسفة اليونان وعلوم الرومان وحكمة فارس.
- لقد عاش هذا الجيل سعيداً بوحي الله فقط، يتلقاه من فم رسول الله صلي الله عليه وسلم وعندما رأي رسول الله عمر بن الخطاب يقرأ في صحيفة من التوراة غضب وقال : "لو كان موسي حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني".
- وهذا ما ينبغي علي الحركة الإسلامية أن تعلمه جيداً أنه لن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح بها أولها.. فتجعل القرآن الكريم هو المصدر الرئيسي بل الأوحد مع السنة المطهرة لتلقي أي علوم.. وخاصة في المرحلة الأولي من مراحل الالتزام فينشأ الجيل علي أهمية النص القرآني والسنة.. وكما قيل لا اجتهاد مع نص وما ينبغي أيضاً إلا يفهم النص كلا علي حسب هواه ومزاجه.
- هذه كانت قراءة في سيرة الحبيب صلي الله عليه وسلم في بداية الدعوة الجهرية وبعض معالمها وبعون الله نستكمل الحديث قريباً في:
- كيف كان يلتقي النبي صلي الله عليه وسلم مع أصحابه؟
- وفي أي مكان؟
- ولماذا؟
- وكيف كان رد قريش علي هذه الدعوة؟
- هل استجابت لها؟
- أم ما هي الأساليب التي اتخذتها مع النبي الكريم صلي الله عليه وسلم وأصحابه؟
- كل هذا وغيره نتعرف عليه إن شاء الله في القراءة التالية في سيرة رسول الله صلي الله عليه وسلم.
- الهجرة وعظمة التخطيط الإستراتيجي.
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | مرحلية الدعوه |
| جزي الله استاذنا الفاضل الاستاذ عبد العزيز محمود خير الجزاء ففهم سيرته العطره صلي الله عليه وسلم لهو ابلغ رد علي الذين يقولون بفرضية سرية الدعوه وكذا المرحليه |
عودة الى السيرة النبوية
|