|
رسول الله(صلى الله عليه وسلم).. يستمطر رحمات الله بقلم/ تراجي طاهر
"إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ"
في السنة الثانية للهجرة.. وبالتحديد في السابع عشر من رمضان.. وعلى أرض بدر.. كان يوم الفرقان يوم التقي الجمعان.
المسلمون ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً بقيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ).. وكل عدتهم وعتادهم فرسان وسبعون بعيراً.. ليتعقب الرجلان والثلاثة على بعير واحد.. قد خرجوا لملاقاة عير أبي سفيان لعل الله أن يجعلها نفلاً لهم.. وقد وعدهم الله إياها أو النفير"وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ".
وكان قدر الله أن تفلت العير.. ولم يتبق أمامهم سوى النفير.. ويود المسلمون عند ذلك أن غير ذات الشوكة تكون لهم.. ولكن الخير كل الخير فيما قدره الله "وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ".
ويخرج المشركون لإنقاذ عير أبي سفيان.. خرجوا في ألف رجل.. منهم مئة فارس وستمائة درع وعدد كبير من البعير.
وبينما هم في الطريق يأتيهم الخبر بأن العير قد أفلتت.. فهمّوا بالرجوع والعودة إلى مكة.. ولكن تأخذ أبو جهل العزة بالإثم فيقول: لن نرجع حتى نرد بدراً.. فنمكث فيها ثلاثا ً.. فننحر الجزور.. ونطعم الطعام.. ونسقي الخمر.. وتعزف لنا القيان.. وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا.. فلا يزالون يهابوننا أبدا الدهر.
الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستشير أصحابه:
بعد إفلات العير صار الصدام أمراً لا مفر منه.. فقام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) في أصحابه مستشيراً يقول: "أشيروا عليّ أيها الناس".
فتكلم أبو بكر وأحسن.. وقام عمر فتكلم وأحسن.. وقام المقداد بن عمرو فتكلم وأحسن. ثم تكلم الأنصار فقالوا كلمات لو وزنت بالجبال لثقلت بهنّ .. كلمات معبرة عن صدق البيعة وقمة الوفاء بالعهد.
يقولون:" صلّ حبل من شئت.. واقطع حبل من شئت.. وخذ من أموالنا ما شئت ودع ما شئت.. وما أخذت منا أحب إلينا مما تركت.. وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبعاً لأمرك.. فاستبشر بذلك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) وسُر.
ويشير الخباب بن المنذر علي النبيّ (صلى الله عليه وسلم) بالموقع الاستراتيجي للمعركة.. بأن نغور جميع الآبار إلا بئر بدر.. فنشرب ولا يشربون ونسقي ولا يسقون.. فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم) بمشورته وحُسن رأيه.
الرسول (صلى الله عليه وسلم) يستمطر رحمات الله ونصره:-
عبأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جيشه ومشى إلى موقع المعركة.. وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان غداً أن شاء الله.. وهذا مصرع فلان غداً أن شاء الله.
ثم بات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي إلى جزع شجرة هنالك.. وبات المسلمون هادئ البال وغمرت الثقة قلوبهم يأملون أن يروا بشائر ربهم بعيونهم صباحاً "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ".
فلما كان الصباح وصف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الصفوف.. قام يناشد ربه مبتهلاً متضرعاً سائلاً يقول: "اللهم أنجز ليّ ما وعتني.. اللهم إني أنشيدك عهدك ووعدك".. وظل على تلك الحال يبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه ( صلى الله عليه وسلم) عن منكبيه فرده عليه الصديق.. وقال: "حسبك يا رسول الله.. ألحت على ربك".
عمود الانتصار يتنزل على شمعدان الانكسار:-
رسول الله يعلن فقره وانكساره بين يدي مولاه.. فأوحى الله إلى ملائكته: "أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ".. وأوحى الله إلى رسوله: "كُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ".
وأغفى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إغفاءة واحدة.. ثم أسه فقال: "أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع" ثم خرج رسول الله( صلى الله عليه وسلم) وهو يثب في الدرع ويقول:"سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ".
فقتل سبعون من المشركين.. وأسر سبعون آخرون.. وكانت شر هزيمة لقريش.. وكان نصراً عزيزاً للمسلمين "وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".
والمتتبع لسير أنبياء الله ورسله وكل من صار على دربهم يجد أن هذا هو السبيل في استجلاب النصر والتوفيق.. بأن تعلن فقرك وحاجتك وذلتك بين يدي مولاك قائلاً:
يا ربّ إني قد أويت لكل مأوى في الحياة فلم أجد مأوى سوى مأواك
وتلمست نفسي السبيل إلى النجاة فلم أجد منجى سوى منجاك
ويقول ابن القيم: "ما انتفع آدم بعز اسجدوا.. ولا قطيعة اسكن.. ولا خاصية وعلم.. ولكن نفعه قوله: "قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" عند ذلك "فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى".
نوح عليه السلام يعلن فقره بين يدي مولاه:
"فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ" عند ذلك "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ".
وَأَيُّوبَ:
"وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ".
ويونس عليه السلام:
"وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ".
وَزَكَرِيَّا عليه السلام:
"وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"
وموسى عليه السلام يعلنها واضحة:
"رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ" "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"
أيها الأحبة:
"وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".. "فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ" ونحن في أمس الحاجة إلى المولى وإلى النصير.. في زمن كثرت فيه الفتن وكثرت فيه الشهوات والشبهات.. فلنعتصم بالله كما أعتصم يوسف عليه السلام "قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ" ألتجئ إلى الله وأحتمي به وحده .
لم يقل لها هل أصابك جنون؟
ألا تعرفين من أنا؟
أنا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام أنا ابن هؤلاء الأنبياء جميعاً ... لم يقل أذهبي إلى حالك؟
إنما قال "مَعَاذَ اللَّهِ" إن الذي ينجيني هو الله.
ما أحوج أبناء الحركة الإسلامية.. أن يعتصموا بالله عساه أن يفتح لهم قلوب العباد وما أغلق من أبواب.. إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
ما أحوجنا أن نستمطر رحمات الله.. بإعلان الفقر بين يدي الله.
ما أحوجنا أن نقول كما قال ابن تيمية:
أنا الفقير إلى ربّ البريات أنا المسكين في مجموع حالاتي
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي والخير أن يأتينا من عنده يأتي
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ولا عن النفس دفع المضرات
والفقر وصف ذات لازم أبدا كما الغنى أبداً وصف له ذاتي
وهذا الحال حال الخلق أجمعهم وكلهم عنده عبد له أتي
عودة الى السيرة النبوية
|