|
مذكرات هارب ـ3 ـ الإخوان وعبد الناصر.. وتداعيات الخلاف بقلم أ. عصمت الصاوي
- في الحلقة السابقة تحدثت المذكرات عن توتر العلاقة بين ناصر والإخوان.. وفي هذه الحلقة تتحدث عن نتائج هذا التوتر.. فيبدأ العشماوي فصله بعنوان : "حصاد ما سلف".
- فيذكر الكاتب أن أحد الضباط دخل عليه في 15 يناير 1954 في زنزانته في السجن الحربي.. وألقى إليه صحيفة.. فإذا فيها بيان من مجلس قيادة الثورة يعلن فيه حل جماعة الإخوان المسلمين.. وذكر البيان أسباب حل الجماعة.. وسنلخص البيان فيما يلي:
- ذكر البيان بعد التمهيد أن الثورة حلت الأحزاب.. ولم تحل الإخوان إبقاء عليهم وأملا فيهم.. لكن نفرا من الصفوف الأولى أرادوا أن يسخروا هذه الهيئة لمنافع شخصية وأطماع ذاتية.. مستغلين سلطان الدين على النفوس.. ثم قال البيان: "لقد أثبت تسلسل الأحداث أن هذا النفر من الطامعين استغلوا هيئة الإخوان والنظم التي تقوم بها هذه الهيئة لإحداث انقلاب في نظام الحكم القائم تحت ستار الدين.. وقد سارت الحوادث بين الثورة وهيئة الإخوان بالتسلسل الآتي".
- وقد أسهب البيان في ذكر التفاصيل والتي موجزها كالآتي:
1- طالب الإخوان مجلس قيادة الثورة بتطبيق أحكام القرآن في الحال.. وأن يعرض أي تصرف للثورة على الإخوان قبل إقراره.
2- الثورة كان في أول أعمالها إعادة التحقيق في قتل حسن البنا.. كذلك طالبت علي ماهر بإصدار عفو شامل عن المعتقلين وفي مقدمتهم الإخوان.
3- عرضت الثورة على الإخوان إشراكهم في الوزارة فوافقوا.. ثم تراجعوا ورفضوا.. حتى أنهم فصلوا الشيخ الباقوري من مكتب الإرشاد لأنه قبل الوزارة.
4- في صبيحة يوم صدور قانون حل الأحزاب طلب الإخوان من جمال عبد الناصر إشراكهم في الوزارة من جديد بحجة أنه لم يبق أحد يؤيد الثورة غيرهم، فرفض عبد الناصر طلبهم، فعرضوا عليه تكوين لجنة من الإخوان تعرض عليها القوانين قبل صدورها، فقال عبد الناصر : "إن الثورة لا تقبل وصاية من أحد".
5- وذكر البيان أن الموقف الأخير كان نقطة التحول في موقف الإخوان من الثورة إذ بدأ المرشد يهاجم الثورة علانية وعلى صفحات الجرائد.
6- رفض المرشد تكوين هيئة التحرير، وعمل على محاربتها وأصدر أوامره بإثارة الشغب، واختلاق المناسبات لإيجاد جو من الخصومة بين أبناء الوطن الواحد.
7- في مايو 1953 اكتشف الضباط وجود اتصال بين الإخوان والإنجليز فعاتب البكباشي جمال عبد الناصر حسن العشماوي والمرشد العام، وأظهر لهم استياءه من هذا التصرف الذي يدعو إلى التضارب في القول، وإظهار البلاد بمظهر المنقسم، ولكن المقابلات استمرت ولم تتوقف
8- ثبت لإدارة المخابرات أن نشاط الإخوان امتد إلى الجيش والبوليس.. وكانوا يعملون على ثلاثة محاور : "الجيش والشرطة وضباط الصف".. وكانوا يعملون على تجميع أكبر عدد من الضباط للعمل تحت أوامر المرشد العام.. وكانوا يعقدون اجتماعات دورية أسبوعية.. وعندما عاتب عبد الناصر حسن العشماوي ممثل الإخوان في ذلك، وأخبره أن الثورة لن تتردد في اتخاذ ما تمليه مصلحة البلاد مهما كانت النتائج.. خرج العشماوي ولم يرد، بينما نشط الإخوان في صفوف الجيش والشرطة بشكل لافت وملحوظ، وأخذت اجتماعاتهم تأخذ طابع التحريض
9- نوه البيان على أن الأستاذ الهضيبي - بعد تعيينه مرشدا للإخوان - سعى في حل التنظيم السري القديم.. وبدأ في عمل تنظيم سري آخر يدين له بالولاء.. وبدأ في التخلص من المناوئين له من أفراد الجهاز القديم.. وقتل في هذه الأثناء المهندس السيد فايز بصندوق من الديناميت.. وعلى إثر هذه الحوادث حدث انقسام بين الإخوان، واحتل فريق منهم دار المركز العام، ولجأوا إلى جمال عبد الناصر الذي استفرغ وسعه للوساطة بين الطرفين وحل النزاع.
10- وأخيرا محاولة فرض سيطرتهم على الجامعة، وتصديهم بالقوة لمنظمات الشباب داخل الجامعة
- وختم البيان بالقول : "حدث عن كل هذا الظلام، وظن المرشد وأعوانه أن المسئولين غافلون عن أمرهم.. لذلك فنحن نعلن باسم هذه الثورة التي تحمل أمانة أهداف هذا الشعب أن مرشد الإخوان ومن حوله قد وجهوا نشاط هذه الهيئة توجيها يضر كيان الوطن، ويعتدي على حرية الدين، ولن تسمح لأحد أن يتلاعب بمصائر هذا البلد لشهوات خاصة مهما كانت دعواه، ولا أن يستغل الدين في خدمة الأغراض والشهوات.. وستكون إجراءات الثورة حاسمة وفي ضوء النهار وأمام المصريين جميعا.. والله ولي التوفيق".
- وختم البيان بتوقيع "مجلس قيادة الثورة"
- وفي الفصل التالي بعنوان : " احجزوا لي غرفة في السجن".. يقرر الأستاذ العشماوي أنه لم ينقض يومان على قراءته للبيان حتى أخذوه من زنزانته.. واصطحبوه إلى مكتب مدير السجن.. وهناك وجد أحد زملاءه من وكلاء النيابة.. وسأله : "هل تملك مزرعة في الشرقية ؟ "
- ويقول الأستاذ العشماوي عن هذه اللحظات : "وتجلى في ذهني بوضوح ما وراء هذا السؤال.. وأيقنت أن عبد الناصر الذي أباح لنفسه أن يقول في قرار الحل ما قال، ينوي أن يؤاخذني بالأسلحة الموجودة في مزرعة أهلي.. والتي أنقذت بإخفائها رقبته وزملائه بعد حريق القاهرة.. والتي عرضت عليه أكثر من مرة أن يستردها، فكان يبدي اطمئنانه إلى وجودها عندي للحاجة.. وفهمت عند سماع سؤال المحقق لماذا كان يسألني عن مكان مزرعتي كل من يتسلمني من ضباط المباحث والمخابرات العسكرية بعد أن سلمت نفسي منذ ثلاثة أيام مضت.. ولم أكن أدري بعد أن التمثيلية قد تم إخراجها، وأن الجرائد نشرت في الصباح خبر ضبط ترسانة أسلحة ومتفجرات في مزرعتي تكفي لإحراق القاهرة".
- وأجبت على السؤال بما معناه : لا، أنا لا أملك مزرعة على الإطلاق، ولكن لعائلتي مزرعة في الإبراهيمية مركز ههيا مديرية الشرقية، وبالمناسبة قد خبأت فيها بغير علم من أهلي أو سكانها كمية كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات مملوكة للبكباشي جمال عبد الناصر، ولست على استعداد لبيان مكانها أو الظروف التي تسلمتها فيها إلا إذا أذن هو شخصيا بذلك.
- ثم تم نقل حسن العشماوي إلى سجن رقم 1 بجوار الإدارة زنزانة رقم 13 وكانت بجوار المرشد العام
- وفي هذه الأثناء - وبالتحديد في مارس 1954 - وجه المرشد العام رسالة من داخل السجن إلى الرئيس محمد نجيب ذكره فيها ببطلان حل جماعة الإخوان المسلمين، وبطلان الاتهامات التي وردت في البيان، وطالبه بإعطائهم الفرصة للرد على ما جاء في البيان من اتهامات.. إلى أن قال في نهاية البيان : " ومصر ليست ملكا لفئة معينة، ولا حق لأحد أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شؤونها دون الرجوع إليها أو النزول على إرادتها، لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم، وكل ما يحصل في هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال، ولا يفيد البلاد في شئ.. وإن ما دعوتم إليه - وهو الاتحاد وجمع الصفوف - لا يتفق وهذه الأحوال، فإن البلاد لا يمكن أن تتحد وتجمع صفوفها وهذه المظالم وأمثالها قائمة".. وختم البيان بتوقيعه : "حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين"
- الفصل التالي: اجتماعات.. وقرارات
- وخرج العشماوي ورفاقه من السجن في نهاية مارس 1954.. ولكن سرعان ما صدرت قرارات جديدة بالقبض عليهم، فاستأجر العشماوي منزلا في مصر الجديدة باسم مستعار لجأ إليه مع بعض زملاءه، ولحق بهم الأستاذ حسن الهضيبي.
- وفي الفترة التي قضاها المرشد العام في القاهرة اجتمع مع مكتب الإرشاد مرتين، بخلاف الاجتماعات التكميلية مع من أراد المرشد الاجتماع بهم في هذه الأثناء.. ويقول الأستاذ العشماوي عن صعوبة تلك اللحظات : "ولن يستطيع أحد أن يتخيل ما في هذه الاجتماعات من مشقة وإرهاق للأعصاب إلا من جرب يوما أن يعمل متخفيا عن عين دولة أشهد هذه المرة أنها ساهرة ليل نهار ترقب كل ما يدور في القاهرة".
- أما عن سبب الاجتماعات، فيقول حسن العشماوي : " وفي هذين الاجتماعين اللذين عقدهما مكتب الإرشاد، وتداول المجتمعون في أمور، منها : اختفاء رئيسهم وسياسة الجماعة والمعارضة كلها من الحكومة القائمة، والموقف من جهة الاعتقالات التي استشرت في صفوف الإخوان حتى جاوز عدد المعتقلين في أول سبتمبر سنة 1952 الخمسمائة شخص، والناس لا يعلمون.. ثم بحثوا عما يمكن أن يقوموا به من أعمال لإجبار الحكومة على إشراك الشعب في رسم السياسة، وتوجيهها، وتسليم مقاليد الأمور إلى من يختاره الشعب من حكام.. ونوقشت الأمور الثلاثة كالتالي:
1. أما عن غياب المرشد العام، فأجاب الهضيبي بكل صراحة ووضوح: فهو لا يؤثر الاعتقال في هذه الفترة خشية أن يثير اعتقاله حماس الشباب، فيرتكب أعمالا لا يرتضيها.. فضلا عن أنه يعلم أن الحكومة لا ترى التفاهم معه، وهو يريد رغم رأيه الخاص أن يفسح مجالا للتفاهم مع بقيه زملاءه في غير وجوده حتى لا يشكل ذلك عقبة أمامهم.
- ويقول الأستاذ العشماوي عن الجزئية الثانية:
2. أما موجة الاعتقالات المتزايدة - والتي لم يكن قد نشر عنها شئ إطلاقا - فقد كانت في الواقع سبب فزع للأعضاء، حيث ناقشوها من كافة الجوانب، ولكن سبب الفزع لم يكن واحدا، فقد كان البعض يخشى مما قد ينجم عن اتساع نطاق الاعتقالات من سخط قد يدعو بعض الإخوان إلى التصرف منفردا بما يضر مصالح الأمة، ويشوه استقامة فكرة المعارضة، في حين كان سبب فزع البعض الآخر ناتجا من أن تعلو موجة الاعتقالات حتى تدركهم في مأمنهم.. وبعد المناقشة الهادئة، وبعد أن علم المكتب أن أغلب الأفراد يرفضون تسليم أنفسهم، والعودة إلى السجون بغير ذنب، لم يستطع المكتب أن يتخذ قرارا.. فترك لكل فرد حرية الاختيار في أن يواجه الاعتقال بالتسليم أو الاختفاء، وأبلغ كل من اختار وجوب عدم الإقدام على أي عمل فردي يعلم سلفا أنه غير مأمون العواقب.
3. أما الجزئية الثالثة، فيقول عنها : "وحين نوقشت مسألة الموقف من الحكومة عموما، وما يمكن أن نقوم به وحدنا ومتعاونين مع غيرنا من أعمال لتغيير الوضع القائم، ومنع استمرار الحكم العسكري المفروض على شعب مصر حين نوقشت هذه المواضيع".
- كان من المحزن حقا أن ينطوي كل من يرى مهادنة الحكومة على نفسه إيثارا للسلامة، أو عن اقتناع.. على أن أصحاب هذا الرأي لم يجهروا برأيهم في الاجتماعات الرسمية وإن قالوا في أحاديثهم مع الأفراد في الخارج.. ولذلك ظلت صور المقاومة هي وحدها مدار المناقشة.
- ثم يترك الأستاذ العشماوي المجال لتأملاته عن تلك الاجتماعات فيقول : " وإني اليوم في وحدتي مع تأملاتي أتمنى لو أن المكتب اتفق على رأي بدلا من أن يخرج من اجتماعاته دون قرار واضح في هذه المسألة بالذات.. وهي أخطر المسائل، وكل ما عداها فرع لها.. ولكن يبدو أن أعضاء المكتب لم يكن لديهم من الشجاعة ما يواجهون به نقطة الفصل في الأمور.. أو لعله ليس لديهم من الثقة في سائر إخوانهم ما يمكنهم من إصدار قرار جرئ.. وعلى أية حال، فإن الطاقة الثورية عند أغلبهم كانت لم تزل طاقة صبر على الظالم، لا طاقة مبادأة لإنهاء الظالم".
- ويكمل الأستاذ العشماوي حديثه حول خطورة الخروج بلا قرارات واضحة ومحددة على الجماعة كلها، فيقول : "وكان سكوت المجتمعين في المرتين عن إصدار قرار شيئا مؤلما للنفس حقا، داعيا إلى الأسف والسخط وسوء الظن.. أحسست بذلك ولكنني لم أيأس، ويئس غيري فأسلم نفسه للدولة، فأودع السجن معتقلا فمتهما فمحكوما عليه بالأشغال الشاقة دون أن يرتكب شيئا ".
- وفي هذه الأثناء شك العشماوي ورفاقه في أن المنزل الذي يقيم فيه رئيس الجماعة مراقب، فقرروا مغادرته، وخرج العشماوي هائما على وجهه يبحث عن مكان آخر إلى أن قيد له القدر مكانا آخر ظل فيه الهضيبي ورفاقه إلى أن غادروه بعد أيام إلى الإسكندرية.
- وينتقل العشماوي إلى الفصل التالي بعنوان : "الدكتور صبري في الإسكندرية".. فيوضح أنه استأجر في الإسكندرية فيلا من دور واحد باسم مستعار هو الدكتور حسن صبري أقام بها حسن العشماوي مع أسرته، ثم لحق به الهضيبي وأسرته، ومعهم اثنان من الإخوان أحدهما مرافق للمرشد، والآخر يقوم بدور البواب
- ويقول الأستاذ حسن العشماوي عن هذه الفترة التي اتسمت بالانتظار: " وقد قلت اجتماعات الأستاذ الهضيبي بالأعضاء إلى حد بعيد أثناء إقامتنا بالإسكندرية، ولكنها لم تنقطع، فقد تم عقد عدد من الاجتماعات مع بعض الأفراد كل على حدة.. وفي هذه الأثناء أقرت الهيئة التأسيسية القانون الجديد للإخوان، فأنهت أعمالها، ودعت إلى انتخابات جديدة داخل الجماعة، وأجريت الانتخابات، وأبلغت لنا نتيجتها في الإسكندرية يوم السبت 23 أكتوبر سنة 1954.. وحدد يوم الخميس التالي 29 أكتوبر لانعقاد الهيئة التأسيسية الجديدة التي سيحضرها الأستاذ الهضيبي شخصيا على أن تخرج الهيئة بعد الاجتماع، ومع أفراد الجماعة في مظاهرة سلمية يحميها بعض الأفراد المسلحين، ويسير في المظاهرة بعض كبار الساسة في الأمة".
- وكنا على اتفاق معهم في ذلك، وكان المفروض أن هذه المظاهرة بما يحميها من أفراد مسلحين ستكون نقطة الانطلاق التي تسعى لإسقاط الديكتاتورية العسكرية، ولتسليم مقاليد الحكم لحكومة مؤقتة تجري انتخابات عامة.. وكان كل منا يعرف دوره في هذه المظاهرة، ولكن الأحداث سبقت هذا التقدير الذي رسمناه.
- وفي يوم من الأيام الأولى من أكتوبر 1954 يذكر العشماوي أن المرشد العام سلمه خطابا مغلقا لتوصيله إلى عبد القادر عودة في القاهرة.. وهناك علم العشماوي أن الخطاب يحوي استقالة الهضيبي، مع رسالة خاصة لعبد القادر عودة يطلب منه فيها تسليم الاستقالة في الوقت الذي يراه مناسبا.
- ويعلق العشماوي على نتيجة هذه الواقعة، فيقول : " ومن ذلك التاريخ لاحظت أن الأستاذ الهضيبي اعتبر نفسه في حكم المستقيل من الرئاسة فعلا.. وترك الأمر نهائيا لمكتب الإرشاد برئاسة نائبه عودة".
- ثم يعلق على ضبابية هذه الفترة، وفقدان التوازن في الجماعة ككل، فيقول : "اعتزلت القادة، واختلف أعضاء مكتب الإرشاد في كل خطوة، وكف المكتب التنفيذي عن الانعقاد، وتستر أعضاء الجهاز السري على أنفسهم وأفكارهم.. فتبلبلت الخواطر وكان على كل صاحب رأي واضح أن ينزل، أو يسلم نفسه للاعتقال".
- اعتزل الكثيرون حتى أقرب الناس إلينا.. وعشت أنا مع المرشد في بيت واحد أبعد ما أكون عن حقيقة المعركة في انتظار يوم المظاهرة
- وفي هذه الأثناء يذكر الكاتب أنه بدأ لأول مرة - منذ وقت بعيد - يشعر بزوجته وأولاده، ويحس بهم.. وكيف كان شغله الشاغل أن يفسح أمامهم مجال الحياة العادية على قدر المستطاع، وفي حدود الإمكان
- وفي مساء 25 أكتوبر سافر الكاتب إلى القاهرة ليهيئ نزول المرشد العام استعدادا لمظاهرة 29 أكتوبر.. وكان عبد القادر عودة في هذا التوقيت قد تحددت إقامته في بيته تحت حراسة البوليس.. وكان المرحوم يوسف طلعت رئيس الجهاز السري هو الذي يدير العمل بالإنابة في هذا الوقت.. والتقى العشماوي مع يوسف طلعت، واتفقوا على نقل المرشد العام من الإسكندرية يوم 25 أكتوبر عن طريق أحد أصدقاء العشماوي، وأن يقيم في القاهرة انتظارا للمظاهرة.
- وفي يوم الثلاثاء 26 أكتوبر كانت المفاجأة التي هزت الإخوان المسلمين، وأفشلت مخططهم، وإذ بالراديو يذيع نبأ الرصاصات الطائشة التي أطلقت على عبد الناصر في المنشية.
- ويعبر العشماوي عن ذلك الموقف العصيب بقوله : "وكانت مفاجأة للمرشد في الإسكندرية، ولا أحد يعلم كيف حدث هذا، ولا كيف ستسير الأمور بعده.. وجاء الصديق الذي كان سيسافر غدا ليحضر المرشد من الإسكندرية، ففتح الباب بمفتاحه الذي يحمله - وكان قد سمع في بيته ما سمعت أنا منذ قليل - فجلس صامتا في مواجهتي، وكانت جملة مشاعر قاسية تجتاح نفوسنا.. مشاعر من المفاجأة والحيرة والأسى والتصديق والتكذيب، بل والاشمئزاز".
- وفي هذه الأثناء تم تعديل خطة إحضار المرشد العام، واستبدالها بتنظيم إلجائه إلى إحدى السفارات.. ولكن المرشد رفض هذه الفكرة، وأصر على مواجهة الموقف مهما كانت النتائج.
- وفي صباح اليوم التالي علم العشماوي أن مطلق النار هو محمود عبد اللطيف، وأن محرضه هو هنداوي دوير.. وبعد الظهر جاء يوسف طلعت ليخبر العشماوي أن النار اشتعلت في المركز العام للإخوان المسمين عن طريق مظاهرة يقودها الضباط ويحميها البوليس.
- وأصر يوسف طلعت على وجوب إلجاء المرشد إلى إحدى السفارات.. وبالفعل عاد صديقهم إلى المرشد في الإسكندرية ليبلغه بقرار يوسف طلعت والعشماوي، ولكنه رجع مع ظهر يوم السبت 30 أكتوبر ليبلغهم نبأ القبض على المرشد العام في منزل الدكتور حسن صبري.
- ثم يذكر العشماوي بالتفصيل أن يوسف طلعت كان يشك في أن الحادث مفتعل، ثم يقول : " تركنا أنا ويوسف الحديث عن حادث الإسكندرية إذ استوى عندنا يومئذ أكان مفتعلا أم صحيحا.. وبدأت أسأله سؤالي التقليدي الذي أردده عليه منذ وقوع ذلك الحادث : وماذا تنوون بعد ذلك ؟"
- ويذكر العشماوي أنه لم يجد جوابا عند رئيس التنظيم، لأنه كان يتخوف من أمرين هما : التدخل الأجنبي إذا ثارت القلائل في مصر، والتشفي ممن داخل السجون بقتلهم إذا أقدموا على أي مقاومة سافرة للوضع القائم.
- ويعبر العشماوي عن رأيه الشخصي في تلك المرحلة فيقول : " كنت عن نفسي بين واحد من أمرين : إما أن يقرر الجهاز السري المقاومة السافرة، فأشترك معه فيها وإن لم أكن احد أفرادها.. أو أن يقرر التسليم فأهرب وحدي من جهة الحكومة الظالمة ساعيا إلى حريتي الفردية.
- ثم ينقل لنا العشماوي صورة حية آنذاك من خلال ذلك الحوار الذي دار بينه ويوسف طلعت فيقول : " قلت ليوسف طلعت في وضوح : اختطوا خطة من اثنتين : استسلموا ولن أكون معكم.. أو أعلنوا المقاومة وليكن ضحاياها من الطرفين ما يكون وأنا عندئذ معكم أرضى وأتمنى أن أكون أول الضحايا.. ولكن لم أر منه اتجاها واضحا إلا اختيار الاجتماعات.. ولعله كان يعبر عن انطباعات زملائه حين تكلم عن استمرار التنظيم وإصدار المنشورات ومواصلة الاجتماعات دون أن نسلم أنفسنا، ودون أن نلجأ بسفور إلى المقاومة العنيفة العامة.. فقلت له : ثم يقبض علينا في بيوتنا لنقتل داخل السجون كمجرمين".
- قال : وماذا بيدنا أن نفعل لنمنع ذلك ؟
- قلت : نقاوم ونموت في بيوتنا وفي الشارع وفي الحقول.. إذا شقت عليك المعركة في القاهرة فانقلها إلى الريف.. وليقبضوا علينا جثثا هامدة فارقتها الحياة.
- قال : لازلت أخشي هذا الأسلوب العام.. وعلى أي حال سأراجع زملائي ثم ألقاك.
- وهنا انصرف يوسف طلعت، وتفرق المجتمعون، وغادروا المنزل الذي كانوا فيه لأنهم شكوا في اكتشافه.. ولجأ العشماوي إلى واحد من أصدقائه في انتظار اللقاء المرتقب مع يوسف طلعت.
فما هو مصير هذا اللقاء وكيف صارت الأحداث؟؟
هذا هو موضوع الحلقة القادمة بإذن الله تعالى
مذكرات هارب الجزء الثاني من قصة حياة أ. حسن العشماوي
عودة الى كتب ودراسات
|