صديقي الفنان.. وفتن آخر الزمان بقلم أ. هشام النجار
لم أره منذ بارحت بيروت سوى مرة واحدة.. جاءني صوته عبر الهاتف للمرة الثالثة خلال يومين، قال: (ما وحشتكش قعدات زمان؟!).
ضحكت، وقلت: نحن الآن في مصر لا يفصلنا إلا مسافة يقطعها الأتوبيس في أقل من أربع ساعات.. ورغم ذلك ينشغل أحدنا عن الآخر ست سنوات كاملة منذ مجيئنا من لبنان.. فلم نلتق إلا مرة واحدة.. وفي الغربة لم يكن أحدنا يطيق بعدا عن صاحبه.
وصاحبي من أروع من قابلت من البشر.. فنان يمتلك حنجرة من طراز خاص.. ويخفى في تلافيف ذاكرته تراثا ضخما من التواشيح والأغنيات والطقاطيق والمقامات.
قلت له ذات مرة ممازحا: أنت تفتقد فقط الطموح؛ فلو كان واحد غيرك يمتلك صوتك وإمكانياتك لصار اليوم من أشهر المطربين.
فوقف بجسده النحيل - ولا أنسى أبدا هذا المشهد الكوميدي - قائلا: (إمكانيات إيه يا عم الشيخ.. أنت مش شايف منظري عامل أزاي.. المطرب النهاردة له مواصفات تانية خالص عن مطربين زمان.. لازم الوسامة والفخامة وشوية الشعر المسبسب والشفايف الموردة والخدود الناعمة والعيون الساحرة.. (ثم أشار إلى عضديه الفارغين قائلا): وبعدين ما تنساش العضلات)!
كنا نسكن معا في شقة واسعة مع رفاق لنا بوسط بيروت.. وفي ليلة ليلاء كنت نائما متعبا بعد يوم عمل طويل وشاق.. أيقظني صوته العذب وغناؤه الجميل على وقع قصف الطائرات الإسرائيلية.
فقد كنا بالقرب من محطة كهرباء الجمهور التي قصفتها إسرائيل ليلتها مع أهداف أخرى.. رأيته يبكي وهو يغني بصوت حزين أغنية قديمة لم أتبين كلماتها من شدة القصف.
بعدها بقليل سألته: لماذا تبكي؟ وكيف يجتمع الغناء مع البكاء؟
قال: (أنا حاسس بالعجز وعشان كده بغني، العجز من ضمن حاجات كتيرة بتخليني أغني.. وبعدين الغنا مش لازم بس وقت الفرحة.. الغنا مش بس للرقص والفرفشة.. مش هاتصدق لما أقولك أن أكتر غنايا وأنا مهموم!)
قلت مطمئنا له ومطيبا لخاطره: (ولا يهمك إن شاء الله المقاومة هترد).
قال ساخرا يائسا: (حتى أنت كمان عايش في الوهم!)
صديقي الفنان الذي تعرفت عليه في لبنان؛ مصري بسيط من إحدى قرى محافظات الدلتا، مثقف.. ليست ثقافة أكاديمية ولكنه كان على اطلاع واسع ولديه ثروة معلومات خصوصا في مجال الفن والأدب.. وهو حاصل على آداب لغة عربية.
كان يتمنى أن يصقل موهبته بالدراسة في أحد المعاهد المتخصصة.. ولكن ظروفه المادية الصعبة حالت دون ذلك.
وصديقي الفنان عروبي؛ مولع بعبد الناصر، وكان ينظر إلى المقاومة اللبنانية بعين الشك والريبة لارتباطها بإيران (الفارسية) على حد تعبيره وليس لتبنيها أجندة طائفية.
كنت دائما أدافع أمامه عن المشروع الإسلامي وأبرهن على أن خلاص الأمة سيأتي بالإسلام.. وكان هو لا يزال متعلقا بأهداب الناصرية والقومية العربية.. منتظرا زعيما عربيا خالصا يتعلم من أخطاء (الزعيم الخالد) ويعيد للعرب مجدهم الضائع!
عقدت العزم على الذهاب إليه، فقد ألح علي في آخر مكالمة بالمجيء.. وأخبرني أنه في شوق شديد لرؤيتي والجلوس معي.. ولم أكن أنا بأقل شوقا منه إليه.
ذكريات خمس سنوات كاملة قضيناها معا في لبنان استحضرتها وأنا في الطريق إليه.
كان صديقي عاشقا لبيروت.. كان يبكي لانقسام وفرقة اللبنانيين.. وكثيرا ما أثنى على الزعيم السني الراحل رفيق الحريري.
لم يكن مبذرا مثلي فقد كان متزوجا ولديه ولد وبنت؛ ينفق في حدود إيجار السكن والطعام والباقي يرسله شهريا لأسرته الصغيرة في مصر.
كنت أجتهد في ربط رفاقي بإسلامهم وتذكيرهم بقضايا أمتهم (كنا أكثر من عشرة في شقة واحدة).
وكنت أستزيد صديقي في أوقات الفراغ وأيام الأجازات من التواشيح الجميلة التي كان يجيدها ويهز بها الوجدان بصوته الرخيم.
وكنت أستزيده أيضا من أغاني سيد درويش والشيخ إمام عيسى التي كان يحفظها جيدا ويؤديها ببراعة قل نظيرها وبإحساس عال.. ولكن في أحيان كثيرة ونزولا على رغبة الجمهور كان صديقي يغنى لأم كلثوم وغيرها من مطربي ومطربات الصد والبعد والهوى والجوى.
كثيرا ما كنت أعاتبه على الغناء لهؤلاء؛ كنت أقول له: الفن سلاح كنا نستطيع به إيقاظ الأمة لاستعادة نهضتها.. ولكننا للأسف استخدمناه لصرف الشباب عن قضاياه الكبرى إلى اللهو والعبث والهيام والغرام والعشق والهوى.
فبدلا من أن نعلي به العزائم ونشحذ به الهمم ونهذب به الأحاسيس والمشاعر.. إذا بهؤلاء يخدرون الجماهير العريضة وينشرون بين الشباب التبذل والميوعة والدياثة خلف ستار الفن.
كان صديقي يدافع باستماتة عن أم كلثوم على وجه الخصوص.. قلت له: أم كلثوم بدأتها ب "إرخي الستارة اللي فريحنا" وختمتها ب "خدني في حنانك خدني".
قال: (وأيه رأيك في المغنواتية الجدد، أم كلثوم وغيرها اشتغلوا بالفن عن استحقاق للتعبير عن هموم وأحلام ومشاعر الناس.. كانت عندهم أهداف.. كانت تشغلهم قضايا وأحلام أكبر من أن يصبحوا فقط مطربين مشهورين زى مغنواتية النهاردة.. شوف منظر المغنيات النهاردة.. أم كلثوم كانت ست محترمة.. وبعدين دول كانوا بيغنوا لكل حاجة مش بس في الحب والهجر.. غنوا للوطن والعمل والصنايعية والفلاحين.. غنوا للحرفيين والموظفين.. غنوا في الهزيمة والنصر.. غنوا غنا حقيقي.. أصوات جميلة وكلمات ومعاني راقية وألحان شجية)!
قلت: كلهم عندي سواء، الجدد والقدماء؛ كل ما هنالك أن أولئك أضاعونا قديما باحتراف.. أما اليوم فأنت ترى أعدادا غفيرة من شبابنا وفتياتنا مفتونين بتلك الدمى والعرائس، مهووسين بأصوات نشاز وكلمات تافهة ومعاني ساذجة وأفكار منحطة.
أذكر يوما كان صديقي الفنان متحمسا في الدفاع عن (الست) كعادته، فذكر أنها كانت مثالا للوطنية والانتماء، وقال فيما قال: يكفى تبرعها بإيرادات كثير من حفلاتها للمجهود الحربي وللدفاع عن الوطن!
وصلت أخيرا بعد عناء المواصلات إلى قرية صديقي، سألت عن منزله.. أخذني أحدهم وأوصلني إلى الدار.. فإذا بي أمام دار فقيرة من طابق واحد لا يدل منظرها على أن صاحبها قضى سنوات بالغربة لتحسين وضعه.. قال: رأيته أصابني الذهول وتجمدت في مكاني؛ فوجهه شاحب أصفر وجسده ازداد نحولا وأصابه الضعف والوهن، سألته: ماذا حدث؟ قال: كبدي!
استمر صمتنا طويلا .. كان يقطعه من حين لآخر ملاطفتي ومداعبتي لابنته وابنه.
لم ألحظ وجود أحد معه غير ابنته وابنه، سألته: أين زوجتك؟ قال: (طلقتها، ومن يومها وأهلي مقاطعني وإخوتي لا يسألون عني).
سألته: لماذا وأنت مريض هكذا؟ قال لذلك طلبت مجيئك؛ أتذكر في خطبة من خطبك (كنا نصلى الجمعة في الشقة لأننا كنا مقيمين ببيروت الشرقية حيث لا يوجد مساجد) تكلمت عن فتن آخر الزمان.. وذكرت حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما معناه أنه لا يأتي زمان إلا والذي يأتي بعده شر منه؟.
قلت: نعم أذكر، والحديث في صحيح البخاري: "لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم"، قال: وذكرت أن هذا الحديث تعارضه أحاديث أخرى في بقاء الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة.. ووجود الطائفة الظاهرة على الحق، وأن واقع وتاريخ الأمة دل على مجيء أزمنة خير من التي سبقتها.. وضربت مثالا بعمر بن عبد العزيز الذي جاء بعد الحجاج.. الخ؟
قلت: نعم أذكر ذلك، بل وذكرت أيضا أن بعض العلماء كالحافظ بن حجر في (الفتح) جعل الحديث مختصا بزمن الصحابة دون غيرهم خروجا من هذا الاستشكال ونفيا له، ولكن ما الذي ذكرك بهذه الخطبة بالذات، وما صلة هذا الأمر بما حدث لك؟
قال: لأن هذا هو ما حدث لي بالفعل؛ لقد جئت بك لأخبرك أنني رأيت بعيني مصداق حديث رسول الله الذي ذكرته في خطبتك قبل سنوات.. وادعيت أنك لا تجد له تطبيقا على أرض الواقع.
قلت: وكيف ذلك ؟؟
أومأ صديقي برأسه وسألني باكيا: هل كان هناك فيما مضى من الزمان زوجة تخون زوجها مع شقيقه في غيبته؟! هل حكى لنا أجدادنا عن أخ يستولى على مال شقيقه الذي جمعه بعرقه ودمه في الغربة؟!
هل حدث بالزمن الغابر ما حدث معي.. حيث اجتمع أهلي كلهم علي وأصروا على كتمان ما فعله شقيقي وزوجتي بي، ورفضوا الطلاق وطلبوا بقاء الوضع على ما هو عليه خوف الفضيحة؟!
أسندت ظهري إلى جدار الغرفة الصغيرة المتواضعة فقد أصابني الدوار من هول ما سمعت.
اجتهدت في الساعات القليلة التي قضيتها معه أن أنسيه همومه وأن أخفف عنه أحزانه؛ ذكرته بأيامنا معا في لبنان، قال: لو بقينا هناك لكان أفضل، على الأقل كنا شاركنا في الحرب الماضية وقاتلنا إسرائيل على أرض الواقع.
قلت: مقاومة إسرائيل في لبنان محظورة على السنة؛ انه شرف لا يحظى به ولا يرقى إليه إلا (حزب الله) فقط !
أنظر إلى أين وصل حال لبنان اليوم؟ هل تذكر الشهيد رفيق الحريري الذي كنت تحبه وتثنى عليه؟
دمعت عينا صديقي الفنان، سألته: لماذا البكاء ثانية؟ قال: أبكي على لبنان، وأبكي على مصر، وأبكي على حالي.
كنت أمني نفسي وأنا ذاهب إليه أن يغني لي كما كان يغنى من قبل، كنت أتمنى سماع صوته العذب الشجي؛ طالما طلبت منه أن يغنى لي أغاني الشيخ إمام وسيد درويش.. فقد كان يغنى لي بفرح وحب وشغف: مصر يا أمه يا بهية.. يا أم طرحة وجلابية، ودولا مين ودولا مين دولا عساكر مصريين.. كان أيضا يغنى لمصر التي كان يعشقها من أغاني الشيخ إمام على ما أذكر:
يا مصر قومي وشدي الحيل
كل اللي تتمنيه عندي
لا القهر يطويني ولا الليل
أمان أمان بيرم أفندي
رافعين جباه حرة شريفة
باسطين أيادي تأدي الفرض
ناقصين مؤذن وخليفة
ونور ما بين السما والأرض
يا مصر عودي زى زمان
ندهة من الأزهر وآذان
يا مصر عودي زى زمان
تعصى العدوين وتعاندي
أمان أمان بيرم أفندي...
وكان كثيرا ما يغنى لسيد درويش :
سالمة يا سلامة رحنا وجينا بالسلامة
صفر يا وابور واربط عندك .. نزلني في البلد دي
بلا أميركا بلا أوربا ما في شيء أحسن من بلدي
دي المركب اللي بتجيب أحسن من اللي بتودي
يا أسطى بشندي ... سالمة يا سلامة ..
كنت أتمنى سماع صوته يصدح بالغناء الجميل الهادف كما كان بالماضي.
سألته: ألا زلت تقاوم همومك وعجزك وحزنك بالغناء؟
قال: حالي الآن مختلف؛ أنا لست مهموما وعاجزا وحزينا فقط، أنا مشلول أيضا.. ثم ذكرني ثانية بحديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: " لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم".
ركبت الأتوبيس.. أدار السائق الكاسيت كالعادة.. أتانا صوت أحد المغنواتية الجدد يسرسع: (يا بنت الايه.. يا بنت الايه).
سألت من بجواري عن هذا المخلوق الذي يسرسع؟ قال: (دا تامر حسني أشهر المطربين في مصر والعالم العربي.. البنات هاتتجنن عليه في مصر والجزائر وتونس وغيرها.. دول مهووسين بيه في كل مكان) قلت له: (مش هو ده اللي كان متهرب من التجنيد ومسجون بسبب استخراجه شهادة جيش مزورة؟) قال: (أيوه هوه بعينه) قلت بدون أن أشعر: (الله يرحمك يا ست)!
سأل الراكب متعجبا: (ست مين يا مولانا اللي ماتت اللهم اجعله خير؟) قلت: (أم كلثوم طبعا هوه فيه ست غيرها؟)!
نظر الراكب ألي مندهشا؛ كيف يترحم شيخ ملتحي مثلي على أم كلثوم؟!
وبعد أن أفقت من سكرة واقع صديقي المؤلم، وما عاينت من مأساته.. استغفرت ربي وتعجبت أنا أيضا: كيف ترحمت على أم كلثوم.. ولم أصدق نفسي إلا عندما سألت من بجواري؟ قال: نعم، دعوت أنت لها بالرحمة وأمنت أنا على دعائك!
قلت له: إذن فاسمع مني هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما رواه البخاري من حديث الزبير بن عدى قال:" أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه فشكونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم " .
وبعد أن شرحت له الحديث برؤية مختلفة، وعلى ضوء ما استجد عندي من فهم، قال: صدق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
وصلت إلى منزلي واستقبلتني زوجتي وأولادي بلهفة وشوق.. حمدت ربى جل في علاه ودعوته قائلا: اللهم ألهمنا الصبر، واسترنا في الدنيا والآخرة.
عودة الى الأسرة المسلمة
|