المرأة وأدوار لا غنى عنها بقلم:عصام دربالة
لا شك في أن للمرأة أدواراً عظيمة، وهذه الأدوار تصب في حقيقة الأمر في رقي المجتمع وتماسكه وهي في هذا تتكامل مع الأدوار التي يقوم بها الرجل فقد خلق الله الرجل والمرأة وهيأ كليهما لدوره في الحياة ووهبهما الاستعداد العضوي والنفسي لأداء هذا الدور.
* ولما كان الرجل والمرأة يتكاملان في أدوارهما فمن الطبيعي ألا تكون وظيفة المرأة تكراراً لوظيفة الرجل وإلا ما كان هناك معنى لاختلافهما وآفة الحضارة الغربية اليوم أنها تدفع المرأة لأدوار تكرارية للرجل وتسوقها للعالم تحت شعار المساواة بين الجنسين والتشابه في القدرات العقلية والفكرية وتصمت بخبث عن جوانب الخلاف بينهما والموجبة لتباين أدوارهما؛ وكان من نتيجة ذلك أن تركت المرأة دورها ووظيفتها الأساسية وخرجت من بيتها لتنافس الرجل في أدواره وأصبح المجتمع يعاني من شغور وظيفة الأمومة الأصيلة والزوجة الحبيبة بكل ما يسببه ذلك من مفاسد ومثالب.
* أما الإسلام فقد أدرك سُنة الخلق واعترف بأن للرجل وظيفة هي أليق به وللمرأة وظيفة قد خلقت لها وهذه النتيجة ليست وليدة اليوم لكنها قديمة قدم البشرية()، من لحظة هبوط آدم عليه السلام من الجنة عندما حذر الله سبحانه وتعالي آدم عليه السلام وزوجته من عداوة إبليس لهما فقال سبحانه (إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى)() وكان متوقعاً من ناحية الأسلوب أن يكون التعبير القرآني( فتشقيا ) فالتحذير كان لهما معاً لكن الشقاء خُوطب به آدم عليه السلام فحسب (فتشقى) وهو تعبير موح بمهمة آدم المقبلة وهى مهمة السعي والكد والكدح وما فيه من شقاء وعناء أما المرأة فلها مهمة أخري مكملة، أبانها الله في قوله تعالي (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا)()
* فالمرأة سكن للرجل بعد العناء الذي ناله في سعيه لتوفير سبل العيش فهذه مهمة أولى، ومهمة أخري أبانها الله سبحانه في قوله (وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً)() فالمرأة كما هي سكن للزوج الحبيب فهي وعاء للتكاثر ومحضن لرعاية الابن والحفيد، إذن مهمة المرأة الأصلية والأساسية هي الزوجية والأمومة وهي مهمة لا تملك أي امرأة في العالم أن تنخلع عنها إلا إذا تخلت عن أنوثتها وعطلت مشاعرها الغريزية ومتى فعلت ذلك كناّ إزاء حالة مرضية لا أنثي سوية.
*ومجال أداء مهمة المرأة كزوجة وأم يتحدد بطبيعة الحال بالمنزل ومن ثمَّ كان هذا عملها وتلك وظيفتها، رعاية زوجها وأبنائها وحفدتها، وإذا كان الزوج يكد خارج منزله في عمله فالزوجة كدها وعملها في بيتها فلكل منهما عمل يتناسب مع التكوين الفطري لكليهما ويتوافق مع التكاليف المطلوبة من الرجل والمرأة، وبما يحقق صالح الأسرة وصالح المجتمع وصالح الأجيال. لم يحصر الإسلام مفهومه للعمل فيما يتم خارج المنزل وما ينال عليه الإنسان أجراً في نهايته فحسب فهذا تحكم لا دليل() عليه: لأن العمل في حقيقته هو الذي يبذل فيه الجهد البدني أو العقلي أو كلاهما معاً ليؤدي خدمة معينه للبشرية أياً كان المكان الذي يتم فيه، أيا كانت صورة الأجر الذي يُعطي عليه.
ولذا طالب الإسلام المرأة أن تقوم بدورها في بيتها وهي معتزة بذلك مزهوة به لم يقل الإسلام أبداً إن المرأة مخلوق بلا عمل أو كائن معطل، ولكن حَدَّد لها عملا تنفرد به واحتفي بذلك وقدره وما ذلك إلا لأهمية هذا الدور وحيويته ليس للمرأة فحسب ولكن لكل البشرية فالبشرية بداهة لا يمكن أن تستغني عن الأم أو الزوجة ولننظر لتلك المهمتين بقدر من التفصيل اللائق بهما لنعرف أهميتهما وخطورة إهمالهما.
قبل أن نتكلم عن الأدوار الأخرى للمرأة وذلك عبر ثلاثة مباحث كالأتي:
*المبحث الأول: مهمة الأمومة
*المبحث الثاني: مهمة المرأة كزوجة
*المبحث الثالث: مهمة المرأة خارج بيتها في خدمة مجتمعها
المبحث الأول
مهمة الأمومــــة
*لاشك في أن مهمة الأمومة من أخطر المهام؛ وذلك لأن الأم إنما تتعامل مع الإنسان في بداية تصفحه للحياة وقدومه إليها وتصحبه يوماً بعد يوم وساعة بساعة حتى يشب ويستطيع أن يستكمل رحلة الحياة قوياً وصحيحاً جسداً ونفساً، عقلاً وقلباً، وإذا ما قارنا بين مهمة الرجل ومهمة المرأة لوجدنا أن مهمة المرأة لا تقل علواً وسمواً() فالرجل سواء كان زارعاً أو صانعاً أو تاجراً فهو يتعامل مع الأشياء يزرعها أو يصنعها أو يتجر فيها.
*أما المرأة فهي تتعامل مع الإنسان الذي خلقت لخدمته هذه الأجناس من الأشياء فهي تتعامل مع الإنسان كروح يسكن إليها فتريحه وتسعده وترضيه، وتتعامل معه كأم منذ كان جنيناً أولاً وترضعه ثانياً وتحضنه وتبث فيه المثل العليا ليقابل الحياة مزوداً بمبادئ القيم التي تصوغها في نفسه وُتشربها قلبه ثالثاً، إذن فالمرأة تتعامل مع الإنسان. أما الرجل فتعامله في الغالب في عمله مع دون الإنسان ولخطورة هذه المهمة في صناعة الأجيال وبالتالي تحديد مستقبل الأمة وقوتها يجعل الإسلام للمرأة دور الأمومة .. الأمومة المتخصصة() ، والمتخصصة في رعاية الطفولة والمتخصصة بشكل أكبر في رعاية طفولة أبناء أسرتها، فلذات كبدها، وهي بتخصصها ذلك تمنح الطفل حاجته الفطرية إلي الحب والحنان والرعاية فينشأ نشأته السوية التي تتوازن فيها نفسه أو يكون لديها على الأقل استعداد للتوازن المطلوب، وتلك نقطة البدء في تربية الطفل وهي نقطة بدء خطيرة في حياة البشرية؛ لأنها هي التي ترسم مستقبل البشرية ويمكن القول بغير تردد() .
*إن المجتمع الأمثل ليس هو المجتمع الذي تضطر فيه المرأة إلي الكدح لقوتها وقوت أطفالها، وليس أيضاً هو المجتمع الذي تعطل فيه أمومتها وتنقطع لذاتها وتنصرف لمطالبها وأهوائها وليس هو المجتمع الذي ينشأ فيه النسل بغير أمومة، وبغير أبوة وبغير أسرة كأنه محصول من محاصيل الزراعة التي تتولاها الدولة نيابة عن الجماعة البشرية، أما المجتمع الذي يدفع المرأة دفعاً للتخلي عن مهمة الأمومة ويُحقر هذه المهمة إليها ولا يعدها لتحمل تبعاتها، مثل هذا المجتمع يجنى على نفسه كما يجنى على النشء الوليد فضلاً عن أنه يجنى على المرأة ذاتها، ومن غرائب وخطايا الحضارة الغربية أنها رفضت مبدأ الأم المتخصصة وحاربت من أجل أن تكون المرأة عاملة وعلى قدم المساواة مع الرجل بدعوى تحقيق استقلالها الاقتصادي عنه وتحقيق ذاتها وإرضاء طموحاتها،
* ولا يهم بعد ذلك أن تقوم بدورها كأم متخصصة فقد صارت أماً عاملة، أما الأطفال فالحل كما قدمه الفكر الغربي الأم البديلة لقاء أجر معقول، وإذا كان الأمر سينتهي عند المغرمين بتقليد الغرب بأن تحل الأم البديلة محل الأم الأصلية لقاء دراهم معدودة فلنا أن نتساءل: - لماذا إحلال امرأة محل امرأة في مهمتها الأصلية في رعاية الأبناء؟ وما الحكمة في أن تترك كل أم منهما أبناءها هذه لتعمل خارج بيتها والأخرى لترعي أبناء غيرها؟
*وأي فائدة تعود على تلك التي تركت أبناءها لغيرها ومما لا شك فيه لن تكون رعاية المربية لهم كرعايتها وسوف تبدد جزءاً من أجرها مقابل جهود الأم البديلة فضلا عما تتكبده من نفقات الانتقال إلي عملها والأنفاق على مظهرها وزينتها بحيث تجد نفسها قد أضنت نفسها وأجهدت جسدها دون مقابل مادي يذكر وعندما تعود لمنزلها تعود للقيام بأعبائها كزوجة وكأم أصلية بعد انصراف الأم البديلة، أي فائدة تجنيها المرأة التي تركت مهمتها الأصلية كأم متخصصة لأطفالها؟ لماذا تتخلي عن دور الأم الحنون لطفلها والذي حتماً سيفتقد هذا الحنان أثناء خروجها للعمل وبقائه مع الأم البديلة أو في الحضانات النموذجية فالمربية أو الحضانة قد تكون أمينة وقد تكون نظيفة ولكن لا يمكن أن يكون لها قلب كقلب الأم الأصلية؛ ولا يمكن أن تبث الطفل حناناً حقيقياً ولكن غاية الأمر أن تقدم له حناناً مصطنعاً مزيفاً لا يشبع نهمه ولا يطمئن قلبه ومن ثم يعاني من الاختلالات النفسية مهما بلغت العناية به لأنه لا يجد الحنان الضروري والذي لا تفرزه إلا الأم الحقيقة لا الحاضنة التي تقوم بوظيفة() أم.
*ما أبأس مصير الأطفال في ظل هذا النظام فهم إما يكونون مع أم بديلة في الحنان شحيحة، أو سيتركون مع الجدة أو الجارة أو سيكونون في انتظار الأبوين لحين عودتهما من العمل، إما ينتظرون في عرض الطريق أو ينتظرون داخل المنزل حيث الوحدة ودون راع أو رقيب، وكما لم نجد حكمة أو فائدة حقيقية كاملة في نظام الأم البديلة سواء للأم الأصلية أو الطفل المسكين الضحية، فإننا لا نجد فائدة حقيقية تعود على المجتمع من ذلك النظام البئيس، فالمجتمع يدفع الثمن من مستقبله من جراء الاختلالات النفسية والأمراض الاجتماعية التي تنجم حتماً عن هذا الخروج غير المبرر للمرأة عن مهمتها الأصلية، لكن بالإضافة لذلك فالمجتمع يتحمل أعباء هذا الخروج؛ فعليه أن يُنشئ الحضانات لاستقبال الأطفال وعليه أن يمنح المرأة أجازات للحمل والوضع والرضاعة ولا شك في تأثير ذلك على حسن سير العمل في تلك المرافق العامة التي تعمل فيها المرأة ولكن ما الفائدة في المقابل؟.
*ويزداد الأمر غرابة عندما يكون هذا المجتمع يعاني الشباب فيه من البطالة فيظل الرجال عاطلين والنساء تاركين لمنازلهن ولأبنائهن فلا النساء بقين لأداء مهمتهن الأساسية ولا الرجال وجدوا فرصة عمل حقيقية فكيف يتقدم مثل هذا المجتمع؟؟
*وإذا كان الأمر كما ذكرنا والصورة كما وصفنا فلنا أن نعجب من إصرار بعض المسئولين على محاكاة التجربة الغريبة في هذا الصدد وكأن في ذلك التقليد الأعمى طريق التقدم والازدهار، ولنستمع إلي ما أعلنه وزير الدولة الأسبق للتنمية الإدارية – لا فض – فوه – مبشراً() أنه من الضروري استحداث نص قانوني يقضي بإنشاء دور حضانة في مختلف الأحياء تمولها الدولة إلي جانب نسبة من أرباح كل منشأة موجودة في الحي وسوف تفيد دور الحضانة على مستوي الحي العاملات أيا كان موقع عملهن، كما تقرر الاهتمام بتنفيذ فكرة الأم البديلة لتوفير الفرصة للمرأة الأم للذهاب إلي العمل أ.ﻫ ،
*ويزداد عجبنا عندما تترامى إلي أسماعنا أنباء المظاهرات النسائية في أمريكا منادية بعودة المرأة إلي بيتها وإلي وظيفتها الأصلية بينما نحن هنا في بلادنا يبشرنا وزير الدولة للتنمية الإدارية بقرب تطبيق فكرة الأم البديلة..!!
*ما أتعس الطفولة حين تنشأ في ظل الأم البديلة .. والحنان الصناعي والرضاعة الصناعية، ولا عجب بعد ذلك عندما تطالعنا الصحف يوماً بعد يوم بجرائم الأبناء في حق الأمهات، أما عندما يكون الحنان طبيعياً متدفقاً من الأم الحانية فهنا تسمو العلاقة بين الابن وأمه وبدلا من نماذج العقوق والجحود ستسود نماذج البر والصلة والحب تماماً كما كان الرعيل الأول في سيرته()
*ولنا أن نتذكر الصحابي الجليل أبا هريرة الذي كان ما إن يغادر منزله لحاجته حتى يقف على باب بيت أمه وينادي عليها (السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته فتقول وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيراً فتقول (رحمك الله كما بررتني كبيراً) ولنا أن نتذكر الإمام محمد ابن سيرين الذي ما كان يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع وكأنه يكلم أميراً لا ينتصف منه.
*وهذا أبو الحسن على بن الحسين بن على ابن أبي طالب والمسمي بزين العابدين وكان باراً بأمه فقيل له إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل معها في صحفه واحدة فقال: أخاف أن تسبق يدي إلي ما سبقت إليه عينها، فأكون قد عققتها وهؤلاء هم الذين تربوا في المدرسة الإسلامية وتشربوا المنهج الإسلامي ونشئوا على المائدة القرآنية فنهلوا من قوله تعالي (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)()، وهم الذين تشربوا بوصية النبي صلي الله عليه وسلم (لمن سأله عن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال أبوك)() فهؤلاء أهل البر الذين استجابوا لأمر النبي صلي الله عليه وسلم حين قال "بر أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك)()
المبحث الثاني
مهمة المرأة كزوجــة
*اقتضت حكمة الله الباهرة أن يجعل للرجل وقد كلفه بالسعي والكد سكناً يسكن إليه ومرفأ يرسو إليه ليخفف عنه من عناء ومشاق الحياة ووعورة السعي بين دروبها قال تعالي (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)() والزوجة حين تصبح أو تكون سكناً للرجل فإنها تستجيب بذلك لحاجتها الغريزية من ناحية وتكون عوناً لزوجها ومجتمعها كي يواصل عطاءه الخيَّر بسعادة وتفان من ناحية أخري، وهذا كله يصب في النهاية في مصلحة الاستقرار الأسري وتقدم المجتمع ورفاهيته.
*لكن ما هي الصورة إذا خرجت المرأة للعمل؟ وهل سيبقي للمرأة بعد ذلك طاقة نفسية وجسدية كي تلبي مطالب الزوج والأبناء ولتقوم بوظيفتها كأم وزوجة؟.
*الواقع يقول: إن المرأة عندما ترجع إلي منزلها تحتاج إلي يد حانية تخفف عنها متاعبها أثناء العمل وتقوم بدلاً منها بأعباء المنزل، ويصبح الزوج والزوجة كلاهما يحتاج إلي من يسكن إليه فالمرأة منهكة والرجل منهك، وحتى لو تصورنا إمكانية أن يقوم خادم أو خادمة بالأعباء المنزلية بدلاً من الزوجة وهو غير متوفر إلا لقليل منهن فمن يقوم بالأعباء النفسية الأخرى ومن يقوم بأعباء الأمومة؟ وهي تحتاج صفاء نفسي دونما تشتيت ذهني.
*الصورة الواقعية التي تحدث هي أن المرأة عندما تعود من عملها ينتظرها عمل آخر داخل منزلها وهي المطالبة به وجميع من بالمنزل ينتظرونه منها، ومن ثمَّ تخرج من عمل إلي عمل وما تكاد أن تنتهي منه حتى تجلس مهدودة مكدودة فأنّى لها والحال هكذا أن تكون سكناً لزوجها أو مصدراً يشع دفئاً وحناناً لأسرتها وهكذا يتحول المنزل إلي بيت بلا روح؛ والنتيجة برودة الحياة الزوجية ثم انطفاء شعلة الحب والمودة بين قطبي الأسرة فماذا يكون الحل؟ وللأسف أنصار عمل المرأة على الطريقة الأوربية يقدمون للمرأة حلولاً لا تسمن ولا تغني من جوع فيقولون لها() : لا تشغلي بالك بهذه الأمور: تريدين الطعام، المطاعم على أتم استعداد لتقدم لك ولأسرتك أشهي ما ترغبون فيه.
*فضلاً عن الوجبات الخفيفة التي تقدم في أي وقت وبأقل سعر، وإن كنت تريدين أحداً لتنظيف البيت وترتيبه وأنت مشغولة في وظيفتك؟ هناك فتاة بالأجر تأتي إليك ساعة كل يوم أو كل أسبوع أو كلما طلبت، وما عليك إلا أن توفري من راتبك جزءاً لهذه المهمة واستريحي من هذا العناء وللأبد، أما إذا رزقت بأطفال فلا بأس عليك ولا حرج؛ المحاضن موجودة تبذل لطفلك العناية الكاملة التي لا تستطيعينها في بيتك ولو تفرغت لها ... هذه هي الحلول البديلة، أُم بديلة طعام بديل.
*ورغم عدم قدرة الكثيرات من العاملات على كُلفة هذه الحلول البديلة فهل تقدم هذه الحلول نهاية لمتاعب المرأة العاملة؟ هل تجعلها سكناً لزوجها قد تنجح مؤقتاً ولكن ماذا بعد؟ بعد ذلك يكون البيت كما وصفه (ول ديورانت) أشبه بفندق يلتقي فيه الزوج والزوجة اللذان يقوم كل منهما بدوره في الزواج كأنه وظيفة، الرجل في وظيفة الزوج، والمرأة في وظيفة الزوجة ويبرد البيت ويظلم ويبدو في حسيهما كأنه سجن مغلق؛ فتشرد الزوجة، ويشرد الزوج، ويتشرد الأولاد.
*ولا يعود في البيت ذلك السكن وتلك السكينة التي جعلها الله آية من آياته وتضيع المودة والرحمة بين الزوجين؛ فكل منهما يري أن الآخر غير مقدر لجهوده ومتاعبه، فالزوجة ترى أن الزوج أناني لا يقدر متاعبها خارج المنزل وها هو يحملها أعباءً أخري داخل المنزل، والزوج يرى في زوجته التقصير في حقه وحق المنزل والأولاد، ويصير البيت ساحة للشجار والنزاع، وتدهم أطرافه الأمراض النفسية وتتبدل مشاعر الحب إلي غيرها، ومن ثم يصبح الطريق ممهداً للانفصال ويكون الطلاق على الأبواب، وفي ظل هذا الجو يكون مفهوماً وإن كان غير مقبول أن يجد الزوج ضالته في زميلة له في العمل يبث إليها همومه ويبحث لديها عن السكن الذي افتقده لدى زوجته وربما يحدث هذا مع مربية الأولاد في غفلة من الزوجة() التي تكتشف الحقيقة لاحقاً وتعض أصابع الندم لكن بعد فوات الأوان.
*وكثيراً ما تصدمنا مطالبة زوجة عامله بالطلاق من زوجها بإلحاح؛ ثم سرعان ما نكتشف السر وأن وراء ذلك نشوء علاقة حب بينها وبين زميل في العمل، استغل سوء العلاقة بينها وبين زوجها وأسمعها الكلام المعسول والذي لا تجده لدى زوجها ومن ثم كان قرار الانفصال، هذه هي الصورة عندما تتخلــــي المرأة عن دورها كزوجة وكسكن، أما إذا آثرت هذا الدور الجميل المتوافق مع طبيعتها ووظيفتها، فهنا ترفرف المودة والمحبة والرحمة على عش الزوجية السعيد والتي يتولد منها علاقة مودة عميقة وطيدة تصمد لعاديات الأيام وتبقي بعد وفاة أحدهما لتضرب أروع أمثلة الوفاء .
*وحسبنا أن نذكر في ذلك ما روته السيدة عائشة معبرة عن عمق العلاقة بين النبي صلي الله عليه وسلم والسيدة خديجة فقالت "كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من الثناء عليها، واستغفار لها، فذكرها يوماً، فحملتني الغيرة، وقلت لقد عوّضك الله من كبيرة السن قالت: فرأيته غضب غضباً أسُقطت في جلدي وقلت في نفسي (اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء فلما رأي النبي صلي الله عليه وسلم ما لقيتُ، قال كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس وآوتني إذ رفضني الناس وُرزقت منها الولد وحرمتموه مني، قالت: فغدا وراح علىّ بها شهراً"، ولنر كيف يكون أثر المودة على العلاقة بين زوجين.
*فهذه أم الدرداء جاءت إلي زوجها أبي الدرداء فقالت له(): "إنك خطبتني إلي أبويّ في الدنيا فأنكحوك، وأنا أخطبك إلي نفسي في الآخرة قال لا تنكحين بعدي إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا فلما توفي أبو الدرداء خطبها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فأبت وفاءً لزوجها رغم أن الشريعة ترخص في ذلك ولا تمنعه،
*وأخيراً() انظر إلي ما جمع بين فاطمة بنت عبد الملك بن مروان وهي ابنة خليفة وأخت خليفتين وزوجها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقد أخذ برضاها مجوهراتها وأودعها بيت مال المسلمين فلما توفي رضي الله عنه لم يترك لزوجته أو أولاده مالاً فجاءها أمين بيت المال وقال لها إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي وإني أعتبرها أمانة لك وحفظتها لذلك اليوم، وقد جئت أستأذنك في إحضارها، فأجابت فاطمة بنت عبد الملك (إني وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، وما كنت لأطيعه حياً وأعصيه ميتاً)
ونستكمل الحديث عن أدوار المرأة خارج بيتها وخدمة مجتمعها في مقال قادم إن شاء الله
وإلي لقاء.
[9] هذا ما أوردته أحدي الغربيات وهي أنّا فرويد في كتابها أطفال بلا أسر، راجع في ذلك منهج التربية الإسلامية م.س ص313
[10] في تصريح للدكتور محمد زكي أبو عامر وزير الدولة للتنمية الإدارية الأسبق لجريدة الأهرام 20/11/1999م
[11] راجع مزيداً لهذه النماذج ومزيد عنها في عودة الحجاب م.س ج2 ص175
[19] أخرجه البيهقى راجع عودة الحجاب م.س ج2 ص535 بالهامش وقول أبي الدرداء لزوجته يشير إلي حديث للنبي صلي الله عليه وسلم في نفس المعنى وصححه الألباني.
عودة الى الأسرة المسلمة
|