من أجل عقلية إسلامية مبدعة .. بقلم د. أسامة عبد العظيم
- من المفترض أن تكون أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس : تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتقود الأمم إلى طريق الله سبحانه وتعالى .. ولكن هذا الدور الريادى المنوط بالأمة قد تضاءل منذ زمن طويل لأسباب عديدة .. واحتلت أمة الإسلام موقف رد الفعل بدلا من المبادأة أو المبادرة .. وصار من الغريب بالنسبة لنا أن نأخذ بزمام الأمور ، أو نوجه دفة الأحداث .. وماذاك إلا لتخلى الأمة عن عناصر خيريتها ، ورموز قوتها .. وعلى رأس هذه العناصر والرموز _ بعد الإيمان بالله عز وجل _ العقلية الإسلامية المبدعة ، صاحبة التفكير الابتكارى ، والرؤية الريادية الشامخة .
- وإذا كنا اليوم نسعى لإستعادة مجد هذه الأمة ، واسترجاع خيريتها الغائبة بين الأمم ، فلا مناص لنا من أن نولى مهمة إنشاء جيل إسلامى مبدع أهمية فائقة .. وأن نوفر المناخ الملائم لتفجير طاقات الإبداع الكامن فى نفوس أبنائنا .. وقبل ذلك ، أن ندرك أهمية الإبداع فى تطوير العقلية الإسلامية ، وفي استعادة أمة الإسلام مكانتها الرائدة من حيث كونها خير أمة أخرجت للناس .
- إن اهتمامنا بتنمية الإبداع فى عقول ونفوس أبنائنا ليس أمرا مستغربا .. فنحن نعيش الإبداع فى كل لحظة من لحظات حياتنا .. أوليس خلق السموات والأرض ، وخلق أنفسنا هو أعظم وأجل إبداع أبدعه الخالق سبحانه وتعالى ؟! .. هذا الإبداع يحيط بنا من كل جانب ممثلا فى هذا الكون الرحيب بما فيه من عجائب المخلوقات : ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) .. بل هو متغلغل فى أعماق نفوسنا ، إذ نحن جزء من إبداع المولى عز وجل .. فلا عجب إذن أن نهتم بالإبداع ، وأن نربى عليه أطفالنا منذ الصغر .
- ولعل من فضل الله علينا أن الإبداع ليس موهبة فطرية يفطر الإنسان عليها .. فإذا لم يكن موهوبا منذ الصغر ، فلا أمل فى أن يكون مبدعا .. وإنما هو طاقة تغرس وتنمى ، وعادات يتعود عليها ، وأعمال يتم التدريب عليها .. ومن ثم يصبح الإنسان مبدعا بشرط أن يملك أولا الحد الأدنى من الذكاء الفطرى الذى يصلح أن يكون قاعدة ينبنى عليها الإبداع ، ثم يتوفر له ثانيا المناخ المناسب لتنمية هذا الإبداع .. وينبغى أن تكون نظرة الآباء والمربين للإبداع على أنه حاجة لازمة لكل طفل ، وليس مجرد ميزة يتميز بها بعض الأذكياء دون غيرهم .
- وحتى يتسنى لنا تكوين عقلية مبدعة ، فينبغى أن تكون البداية من مرحلة الطفولة المبكرة .. فإن للمحضن الأول الذى يتكون فيه الطفل دورا محوريا فى تكوين الإبداع .. فالطفل ينظر إلى من حوله كالأب أو الأم أو غيرهما ويلاحظ حركاتهم ، فتتولد داخل نفسه طاقة فوارة من الانفعالات والمشاعر والأحاسيس .. هذه الانفعالات تحتاج إلى من يوجهها لتنطلق نحو الإتجاه الصحيح ، وإلا كانت طاقة هدامة مدمرة .. وكما قال أحد المتخصصين فى تربية الطفل : ( إن عقل الطفل ابن الخامسة يشبه بركانا له فوهتان : واحدة هدامة ، والأخرى مبدعة .. وبقدر ما نوسع مدى الفوهة المبدعة ، نوقف نمو الفوهة الهدامة ) .. ولهذا الكلام معنى خطير .. إذ إن عدم اهتمامنا بمن يمتلكون طاقات إبداعية من أبنائنا لا يحرمنا من رؤية هذه الطاقات فحسب .. وإنما يوجهها نحو الاتجاه العكسى الذى يحمل فى طياته قدرا من الهدم والتخريب .
- ولعل أول خطوة في طريق الإبداع هي تشجيع الطفل منذ نعومة أظافره ، وبث الثقة في نفسه ، وتحفيزه بكلمات المدح والثناء .. وإن كان بعض المربين يتخوفون من الإفراط في مثل هذه الكلمات حتي لا يصاب الطفل بالكبر أو الغرور – وتلك مخاوف مشروعة – ولكنها لا ينبغي أن تكون حاجزا عن التشجيع المقرون بالحث علي التفوق ، والتحلي بقيمة التواضع مع الآخرين .
- كما أن تنمية الإبداع وتحفيزه يتطلب من المربين أن يشجعوا طلابهم علي التساؤل ، ويثيروا في نفوسهم الفضول العلمي والمعرفي .. ويتطلب كذلك أن تكون إجابات المربين علي هذه التساؤلات إجابات محفزة للطالب علي مزيد من التساؤل والتعلم .. ولا يصح أن يضيق المربي بكثرة الأسئلة ، فإن الخوض في التفاصيل ومحاولة إدراك الجزئيات هو علامة علي الحيوية الذهنية ، وإشارة إلي عقل مبدع بعيد عن الجمود والسطحية .
- إن المرونة الذهنية والعقلية هي المقدمة الحقيقية للإبداع والابتكار .. لأن الإبداع يتطلب النظر إلي الأمور من زوايا مختلفة ، وتحديد إيجابياتها وسلبياتها ، وتحليل مقدماتها ونتائجها .. كما يحتاج إلي التخلي أحيانا عن أطروحاته القديمة ، ومراجعة مواقفه السابقة .. ومستحيل أن يفعل ذلك كله صاحب عقل جامد ، أو فكر متصلب .
- وإذا أردت أن تعرف حجم مأساتنا الفكرية اليوم ، ومدي غياب النظرة الابتكارية المبدعة عن واقع حياتنا .. فتأمل ردود أفعال بعض نخبنا الثقافية والدينية حول المراجعات الرائدة التي قامت بها الجماعة الإسلامية وغيرها من الجماعات التي انتهجت سبيل الصدام مع الحكومات أواخر القرن الماضي .. هذه المراجعات التي أوجدت حلولا إبداعية لأزمات معقدة راح ضحيتها الآلاف من الطرفين .. وبدلا من أن تلقي تلك الجماعات نوعا من الدعم والتشجيع لانتصارها علي نفسها ، وجرأتها في الاعتراف بأخطائها ، إذا بها لا تلقي غير الطعن والتشكيك واتهام النوايا .. وهو ما ينبئ عن خلل عميق في بنيتنا الفكرية والثقافية .
- وهناك عدد من المحاذير التربوية التي تقتل ملكة الإبداع في نفس الطفل .. ومن ذلك : التخويف والتهديد ، فمحال أن ينمو الإبداع في جو ملئ بالقهر والتخويف .. ومنه أيضا : السخرية والتحقير ، فهذا الأسلوب بالذات يترك في نفس الطفل ندوبا عميقة لا تندمل بمرور الزمن ، وتزلزل ثقته بنفسه ، وتقتل بداخله أية بادرة للنهوض والارتقاء .
- إلا أن أعظم ما يقضي علي ملكة الإبداع هو التعليم التلقيني ، ذلك اللون من التعليم الذي يجلس فيه الطالب أمام معلمه في صمت رهيب ، ويستمع لما يلقي إليه دون حوار أو مناقشة .. ومثل هذا التعليم كفيل بوأد كل المهارات الذهنية والعقلية لدي الطلاب ، وتكوين عقلية جامدة لاعلاقة لها بالتفكير الإبداعي من قريب أو من بعيد .. وعلينا – لو أردنا تقوية حس الإبداع لدي أبنائنا – أن نوفر لهم مناخا تعليميا أكثر انفتاحا ، يكون فيه مجال التحاور والنقاش أكبر من تلقين المعلومات وحفظها عن ظهر قلب .
- إننا اليوم في حاجة ماسة لأن نراجع أهدافنا ووسائلنا التربوية ، وأن نركز اهتمامنا علي إنشاء جيل جديد من أبناء المسلمين نقي السريرة ، راسخ العقيدة ، متوقد العزيمة ، شامخ الأخلاق ، صاحب عقلية إسلامية مبدعة راشدة .. ومالم ننجح في إخراج هذا الجيل الذي تاقت لرؤيته البشرية الحيري ، فلسوف نبقي نراوح مكاننا حتي يقضي الله أمرا كان مفعولاً.
| الإسم | واحد من القراء |
| عنوان التعليق | صدقت ولكن....... |
| بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته دكتور اسامه اعجبي مقالك كثيرا وجزاكم الله خير الجزاء علي ما قدمت ونفع به المسلمين واجزل لكم المثوبة لكن سؤال خطر ببالي اوليس من يرفض مراجعات الجماعة لديه نفس المنطق في التفكير ؟ اقصد انه ينظر اليك-اليكم -نفس نظرتك اليه؟ويعتقد انه هو الصواب او صاحب التفكير السليم وغيره علي خطاء ونرجع في دائرة مغلقة فما الضابط اذا؟؟؟ وفي الختام اسأل الله تعالي لك ولمن ساهم معك في توصيل دعوة الله الي الخلق ان يثيبكم خيرا ويثبت اقدامنا علي الحق الي ان نلقاه وجزاكم الله خيرا. |
عودة الى الأسرة المسلمة
|