بقلم الشيخ/ أسامة حافظ
الفتوى هي علاقة جدلية بين الواقعة محل الإفتاء وبين الحكم الشرعي الموجود في النصوص الشرعية.
وقد اهتممنا كثيراً بالشق الثاني من متطلبات الفتوى وتحدثنا عن العلوم التي ينبغي أن يدرسها المفتي والعلماء الذين ينبغي أن يأخذ عنهم ومجامع العلم التي ينبغي أن تحتويهم.
ولم نهتم كثيراً بشق الفتوى الآخر الخاص بفقه الواقع فنشأ عندنا كثير من العلماء المنعزلين عن واقعهم.. فهم يفتون في أبراجهم العاجية بما لا يلاءم واقعهم وزمانهم ومكانهم.. وقد وقفوا عند نصوص من كلام القدماء دون أن ينظروا جيداً في الوقائع موضع فتاواهم.. وهل هي نفس الوقائع التي ينزلون عليها تلك الفتوى في العصر الحديث أم أن الأمر اختلف.
والحق أن الفقه بالواقع وأحواله جزء أًصيل في الفتوى لا تقوم بغيره وأن تعلم هذا الواقع لا يقل أهمية عن تعلم العلوم الشرعية التي ستنزل علي هذا الواقع.
وفي هذا المعني يقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين "ولا يتمكن المفتي أو الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم".
أحدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علماً.
والنوع الثاني فهم الواجب في هذا الواقع.. وهو حكم الله الذي حكم به في كتابه أو علي لسان رسوله في هذا الواقع.. ثم يطبق أحدهما علي الآخر.
وقد أفرد العالم الكبير في كتابه الماتع فصولاً حول تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأشخاص وأفاض في بيان أثر الزمان والأعراف والعادات والأمكنة في الإفتاء.
وكان مما قاله من جميل كلامه "الفقيه من يطبق بين الواجب والواقع فلكل زمان حكم والناس أسكن بزمانهم منهم بآبائهم" وهو بالطبع لا يعني أن يفرض الزمان والمكان والأعراف أنفسهم علي النصوص ويجعلونك تتجاهلها بحجتهم وإنما يقصد أن نعرف أي النصوص ألصق بواقعة الفتوى لنختار لها ما يناسبها شرعاً من أحكام فننزلها عليها وهو ما يسميه أهل الأصول "تحقيق المناط" أي معرفة الحكم الواجب المناسب لواقعة الفتوى.
وقد أوضح الخطيب البغدادي في كتابه الرائع الفقيه والمتفقه ما يحتاجه الفقيه من علوم الواقع بصورة أكثر وضوحاً فقال :" الفقيه يحتاج أن يتعلق بطرف من معرفة كل شيء من أمور الدنيا والآخرة ومن معرفة الجد والهزل والخلاف والضد والنفع والضر وأمور الناس الجارية بينهم والعادات المعروفة منهم فمن شرط المفتي النظر في جميع ما ذكرناه ولن يدرك ذلك إلا بملاقاة الرجال والاجتماع مع أهل النحل والمقالات المختلفة ومساءلتهم وكثرة المذاكرة لهم...".
هو بالقطع لا يقصد حصر احتياجات المفتي فيما ذكر .. وإنما يشير إلي أن كل ما يحتاجه المفتي من علوم عصره ينبغي أن يسعي في تحصيله لتتسع مداركه ويدق نظره وقد اختصر إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ذلك بقوله "أحب أن يتعلم الرجل كل ما تكلم فيه الناس".
وهو أمر قد يكون شاقاً ولكن يمكن تكملة ما ينقص منه باستشارة أهل الفن فيما غمض عليه فيه أو جهله .. أو اللجوء إلي مصادر تعلمه من كتب ومراجع وكمبيوتر وخلافه.
ولذلك فإنه لمن الخطأ أن يدرس المرء فتوى المفتين دون أن يعرف ملابسات الفتوى بالتفصيل وحيثياتها.. فإن العالم ليفتي في المسألة الواحدة بأقوال مختلفة اختلاف الأشخاص والأعراف والأزمان.
كمثل ما روي عن ابن العباس أن رجلاً سأله عن حكم قتل المؤمن وهل للقاتل من توبة فأجابه بأنه لا توبة له هو في النار فاستغرب مريدوه وتلاميذه فتواه وقد كان يقول لهم غير ذلك فقال لهم "احسبه مغضباً يريد أن يقتل مؤمنا ً" فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك.
وقد استغرب الناس بعض الفتاوى من علماء أجلاء واستنكروا علهم لأنهم لم يتأملوا في ملابسات الفتوى وأسبابها.
مثلما أفتي بعض علماء تونس بكفر من يتجنس بجنسية المحتل الفرنسي لبلادهم مستأنسين بتبرؤ النبي صلي الله عليه وسلم ممن يقيم بين ظهراني المشركين.. وقد أدركوا أن عملية التجنيس هذه هي عملية إضفاء للهوية الفرنسية الكاثوليكية علي المجتمع التونسي المسلم.
ومثل فتوى علماء تركيا بأن من يلبس القبعة بناء علي أوامر أتاتورك يكون كافراً مستأنسين بالحديث في النهي عن التشبه بالمشركين.. وقد أدركوا أن منع أتاتورك للشعب التركي من لبس العمامة وإجبارهم علي لبس القبعة إنما هو تفريغ لهوية الشعب التركي المسلم من هذه الهوية.
ومثل فتوى العلامة القرضاوي بأن من تجنس من العراقيين بالجنسية الأمريكية إنما هو آثم وعاص.. وقد أدرك أن الاحتلال الأمريكي يسعي لتفريغ العراق من عقوله وعلمائه فقتلوا من لا يحتاجون إليه منهم ويسعون للاستيلاء علي من يحتاجونه.. ولو صدقوا لجنسوا الفقراء والمشردين الذين يعيشون في معسكرات الإيواء بالأردن وسوريا ودول الجوار.
وهكذا فإن الناظر إلي مثل هذه الفتاوى مجردة عن ملابساتها وظروفها لن يستطيع أن يدرك مسوغات هذه الفتوى لجهله بحقيقة الواقعة محل الفتوى بصورة واضحة.
ولأن سعة أفق الفقيه وإدراكه للواقع المحيط به هو الذي وجهه إلي مثل هذه الفتوى ولو وقف عند حدود ما في الكتب لضيع مصالح الفرد والأمة.
ولا يخفي أن سلفنا الصالح كان مدركاً لهذا المعني عظيم الإدراك.. ولا يخلو كتاب تعرض لصفات المفتي والفتوى من حديث عن أهمية أن يدرك المفتي الواقع إدراكاً جيداً قبل أن يتصدي للفتوى.. وأن القصور في هذا العلم لابد أن ينتج قصوراً في الفتوى وخللاً فيها.
أما أن يعيش المفتي في برج عاجي بمعزل عن الناس لا يعرف غير كتب العلم والفقه.. فإنه لا يصلح لإفتاء الناس والتصدي بالحلول لمشاكلهم لأن الفتوى فرع عن تصور واقع المفتي فيه. |