|
لا تحرموا دعوتكم من الخير بقلم الشيخ عليوة الشافعي
- عن جرير بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من يُحرم الرفق يُحرم الخير كله" رواه مسلم.
- في ست كلمات فقط يجمل لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هذا الأدب الراقي وذلك الخلق الحسن – خلق الرفق – يرسلها لنا الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عبر الزمان.. ليس لنحفظها فحسب.. وإنما أيضاً لتكون لنا منهاج حياة نحيا من خلالها.
- إنه النبي المصطفى والرسول المجتبى محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أوتي جوامع الكلم.. وبإمكانه أن يصطفي لنا البحر الدافق بالمعاني الغزيرة الفياضة.. فيجمله في جدول صغير أو نهر من الحكمة العذبة والمنطق الجميل الرقراق، فينهل من نبعه الصافي وتشرب من معانيه قلوب صالحة التربة.. فينبت فيها سنابل خير وأشجار بر.. فتثمر أخلاقاً طيبة ومعاملات رائعة.. يستفيد منها كل قريب أو بعيد.. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
- إنه (صلى الله عليه وسلم) صاحب الكلام الحلو والمنطق العذب والحديث الرقراق، يتأثر بحديثه كل واحد وإن لم يكن على دينه.. متى تخلص من أغلاله وفتح قلبه وألقى السمع وهو شهيد.
- ومن هذا الحديث يبين لنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أي إنسانًحرم من الرفق فهو محروم من الخير الكثير والكثير، لماذا؟.. لأن هذا الإنسان بفظاظته وغلظته وبشدته وعنفه قد حرم حب الناس له واحترامهم وعطفهم عليه.. فصاروا يكرهونه ويكرهون مجلسه، وإنه بالإضافة إلى حرمانه من حب الناس حتى أقرب الأقربين إليه.. فقد باء بسخط الله وغضبه وحرم ثوابه.. لأن الله سبحانه رفيق يحب الرفق ويحب أهله.
- إنه (صلى الله عليه وسلم) يأمرنا بالرفق في كل شئ.. لأن الرفق لا يكون في شئ إلا زينه وجمله.. ولا ينزع من شئ إلا شانه وقبحه، ولكن ما هو الرفق إذن؟
- يقال رفق بالشئ: أي ألان له جانبه بالقول والفعل ..وحسن صنيعه معه وهو ضد العنف، كما أنه ثمرة من ثمرات الرحمة.
- وإذا ما نظرنا إلى حياة أفضل الخلق محمد (صلى الله عليه وسلم) لوجدناه يطبق كل معنى من معاني الرفق على أروع ما يكون، فلقد كان نموذجاً حياً لكل من أراد أن يتخلق بهذا الخلق.. ومثالاً فريداً لمن أراد أن يعالج الأمور بمودة وحكمة ودون عجلة أو تسرع ..فيكثر خطأه وتتعدد اعتذاراته.
- بأبي هو وأمي.. ما أرفقه يوم أن رفق بالأعرابي الذي بال في مسجده جهلاً منه.
- وبحكم أنه أعرابي يعيش في الصحراء تغلب عليه عوائده البدوية، فقد تعود إذا ما أراد أن يقضي حاجته ذهب إلى أي جهة من الفضاء – أي الخلاء - فقضاها، فعذره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بجهله ومنع أي أحد من أصحابه أن يتعرض له بشئ يسوءه، وعالج الموقف في رفق وبكل بساطة يقول: "دعوه وأهريقوا على بوله ذنوباً – أو سجلاً- من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين".
- ولقد قال الإمام ابن حجر رحمه الله في ذلك: (وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف.. إذ لم يكن منه ذلك عناداً).
- فداه نفسي وروحي (صلى الله عليه وسلم) ما أحلمه يوم أتاه أعرابي غليظ الطباع.. فجذبه من ردائه جذبة شديدة عنيفة.. حتى أثرت في صفحة عاتقه الشريف (صلى الله عليه وسلم) .. وهو وقتها رئيس الدولة المسلمة.. وفي وسط جنوده ومحبيه، ولم يكتف الأعرابي بذلك.. ولكنه يقول له في غلظة الأعراب وفظاظتهم: (يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك).. فيلتفت إليه (صلى الله عليه وسلم) فيضحك ثم يأمر له بعطاء.
- ويقول بن حجر في ذلك: فيه بيان حلمه (صلى الله عليه وسلم) وصبره على الأذى في النفس والمال ..والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام.. وليتأسى به الولاة بعدة في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن.
- وما أرأفه (صلى الله عليه وسلم) يوم أن جاءه شاب يستأذنه أن يرخص له في الفاحشة، فأقبل عليه الصحابة فزجروه إلا أنه النبي (صلى الله عليه وسلم) أدناه منه وقربه وقرره بخطورة هذا الإثم العظيم.
- وبصيغة السؤال والجواب يقرره أنه إذا كان لا يرضاه لأمه ولا لإبنته ولا لأخته ولا لعمته ولا لخالته.. فكذلك الناس لا يرضونه لأحد من هؤلاء، وبرفق ورحمة وضع يده الشريفة (صلى الله عليه وسلم) على صدر ذلك الشاب ودعا له: "اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه".. حتى صار هذا الذنب الفاحش أبغض شئ إلى ذلك الشاب.
- ولكن: ماذا لو عنفه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وزجره ووبخه وأغلظ له القول، ربما لأزداد في غيه وأصر على معصيته.. ولكنه الرفق الذي تلين له القلوب القاسية.. وتفتح له الأبواب المغلقة.
- لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رفيقاً مع كل الناس .. ولكنه قبل ذلك كان رفيقاً حتى مع نفسه، فكان يصوم حيناً ويفطر حيناً.. ويقوم الليل وينام أيضاً.. كما أنه تزوج النساء ولم يتبتل.. يفعل كل ذلك مراعاة لبشريته.. ولما فطره الله عليه وجبله.
- إنه الرفق بالنفس والوسطية والاعتدال، إنه الحق المبين وهدي سيد المرسلين (صلى الله عليه وسلم) – فطر وصيام وقيام وزوجة يرتاح إليها وتشاركه همه الذي يعيش من أجله – وبعد ذلك يقول (صلى الله عليه وسلم): "هذه سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
- كما كان (صلى الله عليه وسلم) رفيقاً مع أهله وأبنائه، يلاطفهم ويمازحهم، يلاعب الصغير ويضاحك الكبير، يقبل الحسن والحسين الطفلين الصغريين ، ويحملهما ويحني ظهره الشريف لهما ليمتطياه ثم يضاحكهما ويقول: "نعم الجمل جملكما".
- وكان ينادي على الواحدة من زوجاته يلاطفها.. فينادي على عائشة قائلاً: "يا عائش".. وينادي علياً "قم يا أبا تراب".
- ثم تراه فى مهنة أهله يحلب الشاة ويخصف النعل ويرقع الثوب، يصبح مع أهله فيسألهم عن طعام فلا يجد فيقول.. بكل رفق:- "نويت الصيام" ..فلم يغلظ القول ولم يعنف.
- يفعل كل ذلك وهو يحمل هم تبليغ أعظم رسالة.. ويؤدي أعظم أمانة لكل العاملين
- فماذا فعلت أنت أيها المسلم؟ وما هي تلك الأهداف الجسام التي تعيش لها ومن أجلها؟ والتي تشغلك عن أهلك وأولادك؟ فإذا ما حدثتهم فبغلظة.. وإذا عاملتهم فبجفوة.. وإذا خاطبتهم فبعنف وشدة.
- وانظر منذ كم يوم.. بل منذ كم من الشهور.. لاطفت زوجتك بكلمة طيبة أو بهدية بسيطة تدخل السرور عليها؟
- ومنذ متى قبلت ابنك أو ابنتك فأذبت بتلك القبلة جبالاً من الجليد تراكمت بفعل مشاعرك الجامدة وأحاسيسك الباردة.. فكانت حاجزاً بينك وبينهم
- أما تستصغر نفسك وتستقل أهدافك الصغيرة أمام أهداف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الجسام.. والتي لم تمنعه يوماً أن يكون رفيقاً بأهله يسأل عنهم ويتعاهدهم ويلاطفهم ويؤانسهم.
- إذا كنت نسيت ذلك فإياك أن تنسى أبداً أنك ستقف حتما أمام رب العالمين يسألك عنهم.. وقد تعلقوا فى رقبتك لأنك لم ترع يوماً شئونهم ..ولم تذكرهم ساعة بالله.. ولم تسألهم مرة عن طاعة أو صلاة.
- إن الرفق إذا ما صار خلقاً حياً فى وجدان صاحبة.. وطبعاً راسخاً فى نفسه.. أنتج ثمرات طيبة فى أخلاقه ومعاملاته مع الناس.
- فمن تلك الثمرات:-
- شفقة يجدها فى قلبه لكل أحد حتى للكافر الذي هو على غير ملته، يشفق عليه من النار.. ويتألم من أجله.. متمثلاً في ذلك خلق النبي (صلى الله عليه وسلم).. الذي قال الله تعالى في حقه: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين".
- إن المسلمين عامة.. والدعاة إلى الله خاصة ينبغي أن ينظروا إلى الناس من مشكاة الرفق والرحمة بهم والحرص عليهم.. لأن الشر الذي يوجد في الكثير فهو ليس شراً محضا ..ً إذ لا بد أن يكون فيهم شيئاً من الخير.. فتكون أرضية مشتركة بين المسلم - أو الداعي إلى الله – وبينهم.
- لقد أعجبني في ذلك قول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: "إن الشر ليس عميقاً في النفس الإنسانية إلى الحد الذي نتصوره أحياناً، إنه في تلك القشرة الصلبة التي يواجهون بها كفاح الحياة للبقاء.. فإذا أمنوا تكشفت تلك القشرة الصلبة عن ثمرة حلوة شهية، هذه الثمرة الحلوة إنما تتكشف لمن يستطيع أن يُشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم وعلى أخطائهم وعلى حماقاتهم كذلك، وشئ من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله".. نعم شئ من الرفق قد يحول العدو إلى ولي، والشقي إلى تقي.
- كذلك من ثمرات الرفق التيسير على الناس وعدم التعسير عليهم، وإن الفؤاد ليتفطر حزناً وكمداً من أناس غلاظ في معاملاتهم.. شداد في كلامهم.. جفاة في طباعهم وأخلاقهم.. إذا تعاملت مع الواحد منهم وجدته صعباً غليظاً، فهذا موظف – مثلاً- في وظيفة ما، مكلف بأداء عمل معين مقابل أجر يتقاضاه – رضي بذلك الأجر أم لم يرض – وقد تحتم عليه وظيفته أن يتعامل مع جمهور الناس، فمثل هذا من المفروض عليه – شرعاً وعقلاً – أن ييسر على من يتعامل معهم.. ويرفق بهم ولا يعنف، إذا تكلم فبالكلمة الطيبة.. وإذا ما خاطبهم فبالخلق الجميل، يؤدي مصالحهم ويقوم على خدمتهم، هكذا يفرض عليه دينه، ويقتضيه الشرف والمروءة
- ولكن العكس يحدث في غالب الأحيان.. إذا تكلم فبغلظة وإذا تعامل فبجفوة وشدة، ولا تراه إلا معطلاُ لمصالح الناس، ساعياً في إتعابهم وإشقائهم، نسى هؤلاء أنهم واقفون – لا محالة – بين يدي الله سبحانه.. فيسألهم عن تلك الأمانة التي وضعت في أعناقهم؟
- أو لم تؤرقهم ليلة دعوة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتقض مضجعهم حين قال: "اللهم من ولى من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به، ومن ولى من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فأشق عليه".
- إنه من يحرم الرفق يحرم الخير، ومن يؤت الرفق فقد أوتي خيراً كثيراً، ولو لم يكن للرفق مزية سوى أنك تتخلق بصفة من صفات الله.. ويكن لك نصيب من اسمه الرفيق.. لكفاك بذلك فخراً وعزاً.
- إن إنساناً وقف موقفاً يتعين عليه فيه أن يرفق فلم يرفق إلا كان أبعد ما يكون عن الله وعن رحمة الله سبحانه وتعالى لماذا؟
- لأن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.. وما لا يعطي على ما سواه كما علمنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
عودة الى حديث وشرحه
|