|
إنما الصبر عند الصدمة الأولى بقلم الشيخ عليوة الشافعي
- عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي صلي الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: (اتقي الله واصبري).
- قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلي الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلي الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولي) متفق عليه.
- ابتسمت لها الحياة، فقد وضعت وليدها بعد طول العناء مع مشقة الحمل، وكم كانت تنتظر تلك اللحظة السعيدة التي تري فيها ولدها الذي سيملأ عليها حياتها، نظرت حولها إذا بكل شئ يضحك لها، إذا بكل شئ يرقص من أجلها ويغرد الأناشيد فرحاً وطرباً بصغيرها، وكم كان فرحها وهي تراه يكبر بين يديها يوما بعد يوم، ابتهجت به يروح أمام عينيها ويغدو، أمتلئ قلبها سروراً تراه بجوارها يلعب ويلهو، أنست به بضجيجية وصخبه بصراخة بصوته، لقد ملأ عليها فعلاً حياتها، فرحت به ملأ عيونها أحبته ملأ قلبها هامت به ملأ روحها.
- لقد أصبح اليوم قطعة منها وأضحي قلبها وأمسي روحها فلذة كبدها، لا تتصور أبدأ أن تستغني عنه لحظة ولا حتى عن شعره منه وبينما هي كذلك الحب وذاك الهيام، إذ بالصغير تهمد قوته تسكن حركته يخفق صوته.. وسريعاً يرقد بين يديها، ينظر إليها يودعها، ثم انقطعت أنفاسه، شخصت العينان، خرست اللسان، سكنت اليدان، امتدت الرجلان، وضعت أذنها علي صدره لعله أن يكون فيه بقية حياة، كلا فقد توقف عن النبض قلبه، وبلغت إلي الترقي روحه، والتفت الساقة بالساقة، إلي ربك يومئذ المساق (كل من عليها فان ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام).. (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون).
- وحتى تلك اللحظة لم تصدق نفسها، يا أمة الله، إن ابنك قد مات، لقد كان عليها ذلك كالصاعقة، صرخت.. صاحت.. ولدي.. حبيبي.. عيني.. قلبي.. كبدي، إلي أين : تذهب وتتركني لا أتصور كيف تكون حياتي بعدك.. صرخت وولولت: لقد مات صغيري، لقد مات حبيبي، انفرطت في البكاء جاءوا ليغسلوه، جردوه من ثيابه، ثم غسلوه وكفنوه، ثم حملوه ووضعوه صوب القبلة وكبروا عليه أربعا، ثم وضعوه في القبر وها لوا عليه من التراب.
- وحتى هذه اللحظة لم تصدق الأم الثكلى أنها لن ترى صغيرها في هذه الدنيا مرة أخرى يمر بذهنها شريط الذكريات معه سريعاً تتذكر انه هنا كان يضحك، وهنا كان يبكي، وهنا كان يأكل، وهنا كان يشرب، وهنا كانت تمازحه، وهنا كانت تضاحكه، وهنا تداعبه، وتلاعبه، حزنت، تألمت، انفجرت في البكاء، خارت قواها فلم تحملها قدماها، افترشت تراب قبره، غطت وجهها بكفيها تكفكف دمعها واني لها ذلك وقد انفجرت انهار الدموع من عينيها.
- ومن فرط أساها وحزنها جزعت من هول مصابها، امتلكتها لحظات اليأس والقنوط، ترجم اللسان هذا اليأس وذلك القنوط بكلمات الاعتراض علي ما قدر الله وقضاه، وبعبارات يكرهها الله ورسوله صلي الله عليه وسلم، نسيت أن الصبر الحقيقي في تلك اللحظات وعند أول صدمة المصيبة غفلت أن أولادنا إنما هم ودائع عندنا يدعها الله في أيدينا كما يشاء بفضله ورحمته ويأخذها وقتما يشاء بعدله وحكمته، وما علينا إلا أن نتكلم بما يرضي ربنا سبحانه ونقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير، ليس علينا إلا أن نستسلم لما قدره الله ونذعن لما قضاه ونرضي بما ارتضاه.
- مر بها رسول الله صلي الله عليه وسلم فسمع منها ما يكره كما جاء في أحد روايات الحديث فنهانا عن ذلك ونصحنا فقال لها (اتق الله واصبري) وكأنها من فرط حزنها لم تنظر إلي من يتحدث إليها بل لو نظرت إليه لن يتغير موقفها لأنها لم تعرفه وما كان منها إلا أن أغلظت في ردها فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي أي: ابتعد عني فإنك لم تجرح مثل جرحي، ولم تذق حر ناري التي تحرق قلبي وروحي وأنا الأم المكلومة الثكلى محروقة الفؤاد.
- وأخطأت الأم الثكلى في ردها فلم تكن تعرف أن الذي يحدثها أنما هو رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي جرح ولم يجرح أحد، وذاق حر النار ولم يذق أحد، وابتلي وأصيب بمحن وبلاءات ما لو أصيبت بها الجبال لتفتت، وما لو تحملتها السموات انشققت، ومع كل ذلك كان صابراً محتسباً بل كان أمام الصابرين المحتسبين وقدوة الراضين المستسلمين ورغم غلظة رد فعلها مع رسول الله فقد قدر حالها وضعفها وراعي ثورتها وغضبها فلم يزد علي ما هي فيه حتى لا تقع في منكر اكبر مما هي فيه فانصرف عنها.
- فقيل لها: أما تعرفين من تحدثين، وعلي من تردين، إنه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) الذي هو عزيز عليه جزعك، الحريص عليك أن يغضب الله باعتراضك، لأنه بك وبالمؤمنين رءوف رحيم، فارتعدت وخافت وأصابها مثل الموت، لأنه كان يحظي بحبها واحترامها خافت أن تكون أغضبت رسول الله صلي الله عليه وسلم لأنه بغضبه يغضب الله سبحانه.
- فقيل لها: لا تراعي، لا تخافي، لا تفزعي أذهبيي إليه فاعتذري إنه كريم الطباع سمح الخصال يعفو ويصفح، فأسرعت المسكينة نحو بيته وستشرق لأول مرة بزيارة بيته وقفت أمام بابه، فعجبت إذ لم تجد عند الباب بواباً ولا دون رسول الله صلي الله عليه وسلم حاجبا كما كان يفعل الملوك لأنه (صلي الله عليه وسلم) كان متواضعاً مع الناس قريباً من رعيته.
- فاطمأنت شيئا فشيئاً نادمة منكسرة وراحت تعتذر تقول: يا رسول الله لم أعرفك، أعذرني علي غلطتي في جوابي وجفوتي في ردي، ورسول الله صلي الله عليه وسلم صاحب أجمل خصال عرفتها البشرية لم يعنف ولم يؤنب، بل يسكن من روعها وخوفها: "يا أمة الله لا عليك فقد عذرتك لأني اقدر موقفك سامحتك علي رد فعلك في حقي وإنما كان حزني عليك أن تجزعي أو تعترضي فيغضب الله عليك"، فروي أنها قالت وقتها : (أنا أصبر، أنا أصبر) فقال لها رسول الله (صلي الله عليه وسلم): "ليس ذلك هو الصبر الذي به يكمل الإيمان، لأن الصبر الذي به يكتمل الأيمان يكون عند الصدمة الأولي للمصيبة، عند مفاجئة المصيبة وعلامته أن يقول المرء عندها )إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها)".
- نعم المعلم أنت يا رسول الله، سيد المتواضعين أنت يا حبيب الله، خير الناصحين أنت يا خير خلق الله، أمام الراحمين أنت يا خاتم رسل الله، وصدق الله إذا يقول: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)
- إذن، لو سأل سائل فقال : لم عاتب رسول الله صلي الله عليه وسلم تلك المرآة لبكائها عند قبر ولدها وقد رأيناه يبكي علي ولده إبراهيم، وعلي حمزة يوم أحد، وعلي زوجة خديجة، و..........و.........و........
- نقول نعم، لقد بكي رسول الله صلي الله عليه وسلم علي هؤلاء الأحباب وغيرهم وحزن عليهم حزناً شديداً ولكنه البكاء الفطري والحزن الفطري علي فقد الأهل والأحباب، والذي لم يصاحبهما كلمة تبرم أو عبارة تسخط أو اعتراض علي قضاء الله عز وجل وقدرة وحاشا لرسول الله صلي الله عليه وسلم أن يصدر منه ذلك، ولذلك عبر صلي الله عليه وسلم عن تلك الدموع بقوله : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عبادة، وإنما يرحم الله من عبادة الرحماء ) متفق عليه.
- وقال أيضا باكيا ابنه إبراهيم : (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) أخرجه البخاري.
- وقال لأصحابه ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم ) وأشار إلي لسانه صلي الله عليه وسلم متفق عليه.
- إذن اعتراض رسول الله صلي الله عليه وسلم ليس اعتراضاً علي بكائها أو حزن قلبها وإنما علي ما تلفظت به مما يكرهه الله ورسوله صلي الله عليه وسلم بما يشعر اعتراضها علي أقدار الله سبحانه.
- كما نتعلم من الحديث أنه علي المرء المسلم أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر مراعياً ضوابطه اقتداء برسول الله صلي الله عليه وسلم ومراعياً المدعو.
- فإن رآه ثائراً معترضاً كف عنه وليتحين فرصة أخري يراه فيها أكثر هدوءاً واستعداداً وتقبلاً للنصيحة وحتى لا يؤدي إلحاح الداعي عليه إلي إصراره وتماديه في المعصية.. بل ربما ارتكب منكراً أشد مما هو عليه وهذا عين ما فعله صلي الله عليه وسلم مع تلك المرآة مراعياً حالتها ونفسيتها بما جعلها تأتي إليه مستجيبة معتذرة لله ورسوله صلي الله عليه وسلم.
- فنعم الداعي هو رسول الله ويا لفهمه الراقي لأحوال الناس، وبخبرته العالية بطبيعة النفوس ومعالجته لدوائها بأفضل ما يعالج الطبيب الحاذق مرضاه مع تحديد الدواء المناسب لكل داء.
- فإن قال قائل : إذا كان رسول الله قد مر بالمرآة وهي تبكي عند القبر فنهاها عن ما سمعه منها مما يغضب الله ورسوله ولم ينهها عن زيارة القبور، فهل زيارة القبور للنساء جائزة؟
- قلنا : اتفق العلماء علي أن زيارة القبور للرجال جائزة – كما قال الأمام النووي رحمه الله لقوله صلي الله عليه وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم وزاد بعضهم (لأنها تذكر الآخرة).
- واختلف في النساء: فقيل دخلن في الأذن بشرط أمن الفتنة والرسول لم ينكر علي المرآة جلوسها عند القبر وتقريره حجة، ولما رواه الحاكم عن عبد الله بن أبي مليكه أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها : يا أم المؤمنين من أين أقبلت، قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها : أليس كان رسول الله نهي عن زيارة القبور؟ قالت نعم، كان قد نهي ثم أمر بزيارتها.
- وقال جمهور أهل العلم : إن نهى النساء نهى تنزيه (نقله القرطبي) ومال مالك إلى الجواز.
- وقال القرطبي: أن المقصود بقول أبى هريرة رضي الله عنه: لعن رسول الله زوارات القبور، أن هذا اللعن للمكثرات من الزيارة، بما يفضى إلى تضييع حق الزوج والتبرج، وما يرتكبنه من صياح ونحوه.
لمزيد من المواضيع طالع المؤمن كالنخلة.. أصلها ثابت وفرعها في السماء
عودة الى حديث وشرحه
|