|
سبحان الله .. إن المؤمن لا ينجس بقلم الشيخ عليوة الشافعي
روى البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانسحبت منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال: " أين كنت يا أبا هريرة ؟ ".. قال: كنت جنبا ً فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: "سبحان الله!!.. إن المؤمن لا ينجس".
الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.. ثم الحمد لله على أن منَّ الله علينا وتفضل بأن جعل قدوتنا وأسوتنا وإمامنا محمدا ً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) .. هو دليلنا إليه ومرشدنا إلى عبادته وطاعته سبحانه وتعالى، فكم من أناس يعيشون ويموتون وما شعروا بما نشعر به نحن المسلمين من لذة ونحن نسير خلف الهادي البشير والسراج المنير سيـدنا ونبيا ً محمد (صلى الله عليه وسلم) ونقتفي أثره .. ونمحص ونفتش في تاريخنا الأبهى وتراثنا الأسمى عن كل حركة كان يتحركها أو قول كان يتحدث به ومتى كان يغضب وكيف كان يفرح فنقتدي به.
* بل والله لو علمنا كيف كان يتنفس لرتبنا أنفاسنا على أنفاسه حتى تكون تبعا ً لها لأننا نحبه ولأننا نجله ونعرف له قدره ومكانته.
* ولم لا ؟.. ونحن نرى الذين تاهوا في غياهب الحياة من حولنا والذين تنكبوا الطريق إلى الله وهم يأتمون بسفهاء الناس وأراذل الأمم .
فهذا إمامه المغني الفلاني .. وذاك قدوته لاعب الكرة العلاني.. وثالث مثله الأعلى صاحب فكر منحرف أو صاحب نظرية معوجة.
* أما نحن فنشرف ونفخر وتعلو هاماتنا شامخة في السماء عندما يكون محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو قدوتنا ومثلنا الأعلى فداءً له أرواحنا ومهجنا وكل ما نملك ولو يعلو الملوك وأبناء الملوك قدر هذه النعمة وما نحن فيه لجالدونا عليها بالسيوف .
* نعم إننا نحبه ويتمنى أحدنا أن لو جاءه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في منامه فدله على خيرا ً أو نهاه عن شر فينشرح لذلك صدره وتعلو همته وهو يسير في طريق إلى الله .
نعم نحن نحبه ثم إننا لم نكن أشد له حبا ً من أصحابه الذين رأته عيونهم وأحبته قلوبهم وجالسته جوارحهم وإن أحدهم ليقطع له المسافات الطوال ويسلك إليه أوعر الطرق حتى يصل إليه فيقرأ عليهم آية نزلت أو يقول لهم قول صدق وكلمة خير تقربهم من الله أكثر وأكثر .
* ولقد كان من الذين صاحبوه وجالسوه وانتفعوا بقوله وهدية أبي هريرة (رضي الله عنه) أبو هريرة الذي كان يصبر على نار الجوع في سبيل أن يكثر من مجالسته (صلى الله عليه وسلم) ليحفظ عنه كل ما يسمع حتى إنه كان أكثر أصحابه رواية عنه (صلى الله عليه وسلم) .
* ولنا أن نتصور أنه (رضي الله عنه) كان يقع مرات ومرات فاقد الوعي من شدة الجوع كل ذلك لأنه أوقف وقته وجُل عمره في صحبة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى إنه قال يوما ً: "إن إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أرضيهم، وإن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وكنت ألـّزم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ملئ بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا.. إلخ".
* وهكذا كان أبو هريرة (رضي الله عنه) يحب النبي (صلى الله عليه وسلم) حبا ً جما ً وينتظر اللحظات التي يجالسوه فيها بأحر من الجمر هذا كان حاله.
* ولكن في هذه المرة إنه يلحظ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يأتي من بعيد في بعض طرقات المدينة فينزوي وينخس منه ويختص حتى يراه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما الخبر؟ وما هذا؟ ثم ذهب فترة من الزمن ليست بالطويلة.. ثم أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على استحياء منه والرسول (صلى الله عليه وسلم) فيسأله حين أتاه أين كنت يا أبا هريرة؟ وقد رأيتك في الطريق فاختفيت لا أدري أين ذهبت وماذا فعلت؟.. نعم إنه (صلى الله عليه وسلم) بتصرف مع أصحابه كالأب الذي يحنو عليهم ويريد أن يطمئن على كل أحوالهم.
* ويجيبه أبو هريرة في صراحة ووضوح دون.. مواراة أو مداراة.. ودون كذب في القول أو تورية في الحديث.. ودون خلق المعاذير الكاذبة أو العلل الواهية.. ليضرب لنا أروع المثل في تعامل الجندي العامل لدينه مع قائده.. وطالب العلم مع أستاذه ومربيه يجيبه : " يا رسول الله.. تعلم أنك أحب شئ إلى قلبي وأتمنى اللحظة التي أراك فيها.. وأنتظر الوقت الذي أجالسك فيه .. إلا أنني في هذه المرة كنت جنبا ً.. وقد خرجت لمصلحة أقضيها ففاجأتني رؤيتك البهية.. فكرهت أن التقى معك فتصافحني وتمسح على جسمي وأنا جنب.. حتى أغتسل وأتطهر ثم آتيك وهذا عذري ولعلك أن تقبله مني وإلا فأنا تحت أمرك ورهن إشارتك".
* وكأني برسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعجب به أيما إعجاب ويسر من تواضعه وصدق ومن أدبه وحيائه ورغم ذلك أجابه وصححا ً له فهما ً مغلوطا ً وفقها ً خاطئا ً.. إذ لا يجوز في حقه وهو الرسول المبلغ عن ربه – لا يجوز له تأخير البيان عن وقت الحاجة – أجابه:" سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ".
* ويا الله من هذا الأدب الجم من أبي هريرة وهذا الحياء الجميل إذ ينخس ويختفي حياء منه! .. ولا عجب في ذلك وقد تربى في مدرسة الرسول (صلى الله عليه وسلم) .. الذي كان أشد حياء من العذراء في خدرها.. لا غرابة أن يكون هذا خلقه وهو سمع مباشرة – بدون واسطة – من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قوله: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" وروى ذلك عنه لكل الأمة.
* وهو الذي تعلم على يديه صلوات ربي وتسليماته عليه قوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير".. وقوله: " إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فأصنع ما شئت ".
* فتعلم أبو هريرة ذلك الخلق الكريم على مائدة النبوة فاكتسبه خلقا ً حميداً فأضافة إلى حيائه الجبلي الفطري فازداد جمالا ً إلى جمال ونورا ً إلى نور فأدى به حياءه إلى الانخاس والاختفاء عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كراهية أن يراه أو يجالسه وهو على تلك الحالة – من وجهة نظره – وهو جنب (رضي الله عنه وأرضاه) .
* وما كان منه (صلى الله عليه وسلم) إلا أن قال له متعجبا ً: "سبحان الله!".. إذ كيف يغيب عنك مثل هذا الأمر يا أبا هريرة وأنت من أكثر أصحابي مجالسة لي وسماعا ً مني، فكنت أظن أنه لا يغيب عنك مثل هذا الأمر (سبحان الله!) ثم أبان له وأوضح أن الجنابة لا تكون أبدا ً سببا ً في نجاسة المؤمن لا حسيا ً ولا معنويا ً فقال: (إن المؤمن لا ينجس).. فالمؤمن التي تحققت فيه حقيقة الإيمان وصفا قلبه بتوحيد ربه وخالقه لم يكن أبدا ً من النخاسة في شئ لا قبل ولا بعد فهو بإيمانه طاهر القلب.. ذكي النفس.. نقي الجوارح.. ولذا كان هذا الحديث – كما قال علماؤنا – أصل عظيم في طهارة المسلم حيا ً وميتا ً.
* أما الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها هو طاهر.
أما الميت فالصحيح من أقوال العلماء أنه طاهر أيضا ً ولهذا أُمر بغسل الميت إذ لو كان نجس العين لم يؤثر فيه الغسل.
وإذا كان هذا في حق المسلم أنه طاهر – ظاهرا ً وباطنا ً – فإن الكافر فحكمه حكم المسلم عند الشافعية وجماهير العلماء من السلف والخلف أي إنه طاهر الجسد وكل ما تولد عنه فطاهر أيضا ً – من لعاب وعرق ودمع.. وغير ذلك
وأما قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس"
* فقالوا: أن المقصود بالنجاسة هنا النجاسة المعنوية أي نجاسة العقيدة حيث دنسوا عقائدهم بالإشراك مع الله غيره في العبادات التي يجب ألا تصرف لغير الله سبحانه وتعالى.
* كما أنه في عدم إنكار النبي (صلى الله عليه وسلم) على أبي هريرة تأخيره أمر الاغتسال دليل على أنه يجوز للجنب أن يقضي بعض حوائجه قبل أن يغتسل لا حرج في ذلك استدل بذلك الإمام البخاري وكذلك فيه استحباب أن يستأذن الجندي قائده وطالب العلم معلمه إذا أراد أن يتصرف عنه ليقضي بعض حاجته وهذا من باب الأدب والاحترام وذلك مما فقدنا في مدارسنا وكثير من مجالسنا ولهذا قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "أين كنت يا أبا هريرة".. أي لماذا انزويت دون أن تستأذني في ذلك، أشارة منه إلى أنه كان ينبغ بأن لا يفارق حتى يستأذنه.
* كما أننا نتعلم من حرص رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه إذ لم يمرر الموقف مرور الكرام دون أن يطمئن على حال أبي هريرة لماذا انزوي منه؟.. ثم إنه لما رأى أنه قد غاب عن فهمه ذلك الأمر أو أنه قد فهم فهما ً مغلوطا ً صحح له المفاهيم وأوضح له خفي عليه فيعلم ويعلم غيره بما علم عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وصدق الله إذ يقول: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم".
* فاللهم أحينا على سنته وأمتنا على ملته واحشرنا تحت لوائه وارزقنا شفاعته وأوردنا خوضه واسقنا بيده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدا ً.. آمين آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين
عودة الى حديث وشرحه
|