الخميس 22 ذو القعدة 1429     20 نوفمبر 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلمركز دراسات بريطانى يقول ان سلمان رشدى والكثير من زملائه المتحررين , يتعرضون لضغوط
خبر وتعليق

انهيار الحوار الفلسطينى فى القاهرة مسئولية
حركة حماس
حركة فتح
كل الاطراف
اقتراعات سابقة

حوار مع أصغر وأصلب أم

الاخ سيد عبد الحميد مع لفيف من رفاقهحاورها وقدم لها د. ناجح إبراهيم

أم إسراء نموذج فذ في التضحية والإيثار وتحمل المسؤولية منذ صغرها.. لقد ماتت أمها وهى في السنة الأولى الإعدادية وكان عمرها وقتئذ ثلاثة عشر عاماً..

فإذا بهذه التلميذة الصغيرة التي يدلل أمثالها.. إذا بها تنتفض همة ويمتلئ قلبها الصغير بتحمل المسؤولية لتحل بدلاً من المرحومة والدتها في كل شيء.. فتحتضن أشقاءها وتقوم على خدمتهم ورعايتهم.. فتذهب إلى المدرسة صباحاً ثم تأتي لتكنس البيت وتطبخ وتغسل وترعي والدها مع رعايتها لأشقائها..

وهكذا حتى أكملت تعليمها المتوسط رغم ذكائها وتفوقها وقدرتها على دخول الجامعة.. لكن أسرتها ووالدها وأشقائها أهم.

ثم يأتي الخُطّاب يتقدمون طالبين يدها.. واحداً بعد الآخر.. وفي كل مرة تفشل خطبتها عندما يصر زوج المستقبل على تركها لأشقائها ووالدها.. والتفرغ له دون سواه.. وهى ترفض أن تتخلى عنهم.. وهكذا حتى رزقها الله بزوج كريم رضي أن تقوم بواجبها نحو أشقائها ولا تتخلى عن أسرتها.. وعلم أن هذه المرأة التي لا تعرف إلا الوفاء ستكون وفية له أيضاً.

ولكن يأبي السرور أن يستمر في حياتها.. فإذا بشقيقها سيد عبد الحميد وشهرته "سيد سكر" يقبض عليه.. ويعتقل ثلاث سنوات ثم يقدم للمحكمة العسكرية.. ويظل في السجن ثلاثة عشر عاماً كاملة آخرها هذه الأيام.

وإذا بها تعتبر نفسها المسئولة الأولى والأخيرة عن شقيقها المعتقل أيضاً.. فالأب قد بلغ من الكبر عتيا.. والأم في ذمة الله.. والأشقاء إما صغاراً أو يشغلهم الكسب.

وقبل أن تكمل رسالتها نحو شقيقها المعتقل إذا بها تفجع في شقيقها الشاب المتزوج حيث يموت فجأة بجلطة في القلب لأنه كان مصاباً من قبل بروماتيزم في القلب.. فتتجدد الأحزان مرة أخرى.. ثم يلتئم الجرح تدريجياً..

وتستعد الأسرة لخروج ابنها السجين بعد عدة أشهر.. وفي غمرة الاستعدادات إذا بالفرحة تنطفئ فجأة بموت الأب الحاج سيد عبد الحميد الذي ظل يكافح الحياة ويرفض الزواج لقرابة ثلاثين عاماً من أجل أولاده..

كل ذلك يحدث لهذه الأسرة الصغيرة لتتحمل جل هذه المصائب والمسئوليات تلك المرأة التي أعجبني صبرها وثباتها ووفائها أشد الإعجاب..

لقد تعرفت على السيدة أمنية عبد الحميد المعروفة ب"أم إسراء" شقيقة الأخ سيد عبد الحميد الشهير ب"سيد سكر".. حينما أتت إلى عيادتي بوالدها المريض.. ثم حدثتني عن أزمة شقيقها المعتقل سيد سكر.. ثم جاءتني بزوج أختها الذي أصيب في حادث في عينه اليسرى.. وقامت بالجهد الأكبر في علاجه رغم يأسه وقنوطه.. ثم تصدت بشجاعة لعلاج قدم زوجها التي أصيبت أثناء عمله في ورشته الميكانيكية.

وهكذا تنتقل من تضحية لأخرى.. ومن بذل إلى بذل.. فقلت في نفسي: هذه السيدة تساوي- والله - ألف رجل عزيمة وإصرارا وهمة.

وعزمت في نفس أن أجرى معها هذا الحوار الذي تحتاجه كل امرأة مسلمة.

كيف بدأت قصة كفاحك في الحياة؟

بعد أن امتحنت الترم الأول وأنا في السنة الأول الإعدادية وعمري لا يزيد عن 13 سنة توفيت والدتي فجأة  في يوم مولد النبي ص.. وكنت أكبر أشقائي وشقيقاتي.. فعلمت من يومها أنني المسئولة عن أبى وإخوتي.

ولقد أعرض أبى من يومها عن الزواج وظل متبتلا ً من أجلنا وراعياً لنا لقرابة ثلاثين عاماً حتى مات منذ عدة أسابيع.. ذاكرت أولى إعدادي.. كنت أذهب إلى المدرسة نهاراً وأعود لأطبخ وأغسل وأكنس وأذاكر مع إخوتي في الوقت نفسه.. حتى كبر إخوتي وشبوا عن الطوق.

لقد اعتبروني إماً لهم.. وحتى الآن وبعد أن كبروا وتزوجوا جميعاً يتفاءلون بي.. فلا يذهب أحدهم للتقديم في وظيفة إلا إذا كنت معه.. ويقولون لي: إن مصالحنا لا تقضى إلا إذا كنت معنا.. لقد تعودنا على رعايتك لأمورنا.. وذلك رغم كفاءتهم الحياتية في إنجاز أمورهم.

وعندما قبض علي أخي سيد تحملت مسؤوليته في السجن من زيارات وحوالات وكتب ومحامين ونحوها لمدة 13سنة كاملة.

ورغم أن والدي كان رجلا ً كبيراً مسناً علي المعاش يوم القبض عليه.. وهو رجل فقير على باب الله.. وشقيقي سيد لم يكن له مرتب ولا معاش ينفق منه.. ورغم ذلك لم أجعله يحتاج إلي شيء أو يمد يده لأحد على الإطلاق.. وساعدني في ذلك زوجي أكرمه الله وأحسن إليه.. فهو لم يعترض عليَّ أبداً وأنا أساند وأساعد أسرتي بعد زواجي.. ولكنه كان سنداً لي في ذلك.

إذاً أنتم كنتم في مأساة بعد وفاة والدتك؟ فكيف تحولت المأساة إلي كارثة بعد القبض علي شقيقك الأخ سيد الشهير بسيد سكر؟

لقد قبض علي أخي سيد وهو شاب صغير جداً.. في أولي ثانوي يوم ما أخذوه كان يوم خميس بالليل.. جاءت عربات أمن لا حصر لها.. وكان الجيران يقولون لوالدي أذهب أنت إلي المعتقل بدلاً من ابنك فهو صغير السن لا يتحمل هذا البلاء.. فيقول والدي لهم: يا ريت اذهب مكانه ويخرج لقد عرضت عليهم ذلك فرفضوا.

ثم تعتبر وتبكي أم إسراء في حزن وأسي وتقول:-

بعد القبض علي أخي سيد ضاع سندنا في الحياة.. لقد ذهب إلي سجن العقرب وكانت الزيارة ممنوعة فيه في التسعينات فترة طويلة.. وكنت أقف بالطعام أمام البوابات الخارجية للسجن مع الأهالي ونحن لا نكف عن البكاء.. وكنا نريد فقط أن يصل الطعام إلي أولادنا المعتقلين حتى يطمئنوا على أهلهم.

لقد كنت أبكي أمام السجن وكأني أقف على قبره.

ألم تكونوا ترونه في عربة الترحيلات أثناء ذهابه وعودته من المحكمة؟

لقد كان أخي سيد قصيراً نسبياً فكان لا يدرك برأسه كغيره شباك عربة الترحيلات.. فكان يشير بيده ولا نري غير يده.. وكنت أذهب إلي المحكمة وأنا أحمل ابنتي الكبرى إسراء وحامل في آية.. وزوجي يجري ورائي ونقطع المسافة من رمسيس حتى الهايكستب (مقر المحكمة العسكرية) في ساعتين لمجرد رؤيتهم..

لقد كانت المحكمة تتأخر أحياناً حتى التاسعة والعاشرة مساءً.. فنرجع إلي بيت بعض الأقارب في القاهرة فنصله الساعة الواحدة صباحاً.. ثم نتركه الخامسة بعد الفجر للحاق بالمحكمة الساعة الثامنة صباحاً.. وهكذا لمدة 3شهور كاملة.

لقد منعت الزيارة في السجون بعد المحكمة لعدة سنوات.. ويكفي أن تعلم أنني لم أتمكن من احتضان شقيقي سيد إلا بعد خمس سنوات كاملة من سجنه.. وعقب تفعيل المبادرة.. فالزيارات قبلها كانت ممنوعة نهائياً في سجن العقرب بطرة ومن وراء سلكين بينهما متر ونصف في السجون الأخرى..

لقد كان أولادي الصغار حينما يذهبون معي لزيارة شقيقي في سجن دمنهور السياسي قبل المبادرة ويرون هذه الأسلاك ومناظر الإخوة خلفها وما يصاحب الزيارة من قهر وإذلال كانوا يعودون في رعب وهلع وخوف.. ويقومون مفزوعين مصروعين بالليل.

أما بعد المبادرة فأصبحت زيارة أولادي لخالهم في السجن عبارة عن فسحة ومتعة لهم.. وبعض الأهالي يقولون لأولادهم تعالوا نذهب في رحلة لنزور والدكم في عمله ليسعدوا أكثر وأكثر.

لقد عاشت الأسرة كلها 13سنة ذاقت فيها كل أنواع المرار في الدنيا.. التي لم نعرف عنها شيئاً من قبل.. لقد انفض عنا جميع الناس والأحبة.. وخاف منا كل الناس وخاصة في فترة التسعينات الصعبة جداً.

وماذا عن شقيقك الشيخ سيد سكر؟

كان أخي سيد منذ بداية حياته طيباً.. وكان خجولا ً مؤدباً منذ بداية شبابه.. كان لا يعاكس فتاة.. ولا يقف علي ناصية شارع.. ولا يدخن سيجارة.. ولا يؤذى أحداً.. وكان براً بأسرته.. وكان نساجاً ماهراً في شركة ستيا المشهورة للأصواف.. وكان مواظباً علي الصلاة حتى في العمل.

وأذكر مرة أن رئيسه في العمل وكان مهندساً مسيحياً متعصباً قال له: لا تصلي.. ولكنه صمم علي الصلاة في وقتها.. فضربه هذا المهندس وشج رأسه.. وكان معظم أقاربنا يعملون في الشركة فهاجوا وماجوا وثاروا علي هذا المهندس المتعصب الذي تراجع عن موقفه.. ولكن أخي سيد كان قد كره العمل في المصنع.. وتركه إلي غير رجعة.. وذهب إلي عمل آخر أقل أجراً ولكنه استراح فيه نفسياً ودينياً..

وكان أخي سيد أبيض القلب نظيف السريرة.. وكان وفياً لأصحابه أو كما يقول الناس في مصر "صاحب صاحبه".

لقد كان ملتزماً بالدين والإسلام حتى قبل أن يتعرف علي الإخوة أو يعيش مع الإسلاميين.. وكان براً بأسرته.. وكان لا يحمل في قلبه حقداً لأحد.. وإذا قال له أحد إن فلانا سيئ أو فيه كذا وكذا من الصفات السيئة.. فيقول: ما دمت لم أشهد عليه أو أرى فيه شيئاً فهو عندي حسن.

فلماذا قبض عليه وقدم للمحكمة العسكرية؟

لقد ظلم الكثير والكثير من الإخوة في هذه المحاكم العجيبة العسكرية ومحاكم الطوارئ كذلك.. ولم يكن لأخي تهمة محددة ولكن يعرفه بعض المتهمين.

وحينما سألنا عن تهمة سيد ومن معه؟

قال لنا بعض الضباط: البؤرة..؟ ما هي البؤرة؟ وبؤرة إيه هذه؟

دا أكبر واحد في القضية بتاعتهم والذي أخذ 25سنة لم يكن معه سوي سلاح أبيض.. بؤرة إيه؟ وهل هذه أحكام؟.. إننا في يوم النطق بالحكم في المحكمة لم تسمح المحكمة بدخول الأهالي وسمحت بدخول الصحفيين فقط.

وكان هناك إخوة معروف أنهم سيحصلون علي براءة فدخلت أسرهم إلي المحكمة بعد خروجها من القاعة وسألوا عن أحكامهم وخرجوا يبكون ويتمرغون في التراب من هول صدمة الأحكام.. فقلت في نفسي لا أسأل عن حكم شقيقي إذا كان هذا هو حال الذين انتظروا البراءة.

لقد كانت مأساة بكل المقاييس.. كانت محاكمات بلا ضابط ولا رابط ولا قاعدة ولا أساس.. لقد كانت الأحكام تكال للناس كيلا ً بغير حساب.

وماذا عن الدفاع والمحامين في المحكمة؟

والله لقد تعبنا من بعض المحامين.. لقد تاجر بنا بعضهم وباعوا واشتروا فينا.. فبعد اعتقال أخي مباشرة قال لنا: محامي متدين معروف "اجمعوا من كل واحد منكم 1500جنية مقدم أو هاتوا عشرة آلاف جنيه مقدم من العشرة متهمين.. ثم نري الأمور كيف تسير".. كل ذلك من أجل تظلمات لا تكلف شيئاً.. وكنا لا نفهم شيئاً في هذه الأمور.. وأسرنا فقيرة جداً فذهبت إلي الدكتور عبد الله حسين رحمه الله المحامي الشهير في الإسكندرية فقال: أنا حاصل علي شهادات كثيرة ودكتوراه في حقوق الإنسان.. هذا مجرد معتقل.. هل هو قاتل حتى يطلبوا هذا المبلغ.

لقد احترنا حيرة كبيرة وكنا نظن أن الإفراج القضائي سيخرجه من السجن نهائياً كما أوهمنا بعض المحامين.. ولم نعلم أنه لا قيمة له علي الإطلاق.. رغم أنه حكم من محكمة أمن الدولة ولكنه في الواقع حبر علي ورق.

ولولا أن الله أكرمنا بالأستاذ/ محمد عبد الحليم الذي باع ذهب خطيبته من أجل مساعدتنا ما تمكنا من عبور هذه المحنة.

لقد عاد الأستاذ محمد عبد الحليم المحامي إلي المحاماة مرة أخرى من أجل أخي سيد لأنه صديق له ولأسرتنا وتربطنا به إلي اليوم علاقة إيمانية قوية.

ولا أنسي أبداً فضل د/ عبد الحليم مندور وأولاده الأفاضل وعلي رأسهم أ/ كامل مندور فقد عطفوا علينا ورحموا حالنا وتطوعوا للدفاع عن شقيقي سيد دون أن يقبضوا مليماً واحداً.

هذا الرجل ( د/ عبد الحليم مندور ) له حسنات كثيرة علي الإخوة وكان يتخذ من مهنة المحاماة كرسالة إنسانية.. إنها دفاع عن المظلوم حتى إن كان لا يملك شيئاً.

أذكر أن أحد المحامين في هذه القضية العسكرية قالوا له: هناك أخ فقير لا يجد من يترافع عنه ونريدك أن تترافع عنه.. فقال: لا أدخل القاعة حتى تدفعوا لي الإتعاب.. فقالوا له: ليس له أهل أو أقارب وأسرته لا تزوره ولا تعرف عنه شيئاً فقال: آسف.. لن أترافع عنه وذلك بالرغم من أن هذا المحامي غني جداً وكل ثروته من قضايا الإخوة واعتقالاتهم  ومحاكماتهم..

وهكذا تعلمنا من الحياة الكثير والكثير ورأينا فيها العجب العجاب..

هل تزوجتي مبكراً وما هي قصة زواجك؟

لا لم أتزوج مبكراً ولكني تأخرت في زواجي بسبب إصراري وتمسكي بأشقائي وعدم التخلي عنهم.. لأن كل من يريد أن يتزوجني كان يريد مني أن أتخلي عن أشقائي.

لقد خطبت ثلاث مرات وفي كل مرة أخطب فيها يتم فسخ الخطبة قبل الزفاف مباشرة وذلك لإصرار كل خطيب علي انفصالي عن أشقائي وأن أكون له وحده.

وكنت أدعو الله أن يرزقني بزوج يحب أشقائي مثل حبه لي.. والحمد لله لقد رزقني الله بزوج يحب أشقائي مثل حبه لي.. والحمد لله لقد رزقني الله بزوج طيب كان يقول لي لا تشاوريني في شيء يحتاجه شقيقك المعتقل سيد.. وما يحتاجه أهم مما نحتاجه أنا والأولاد.

لقد أكرم زوجي أولادي كرماً كبيراً.. وتعرض لصعوبات في حياته من أجلى ومن أجل أشقائي.

ما هي الصعوبات التي تعرض لها زوجك نتيجة زواجه منك؟

لقد كنا نعيش قبل ذلك في مرسي مطروح وقبض علي زوجي بعد اعتقال شقيقي سيد.. ومكث عند الأمن ثمانية أيام.. فقلت في نفسي:- هذا الرجل ضحي من أجلنا ولا بد أن نضحي من أجله فهو لا ذنب له ولا جريرة.

ولم يكن هناك سبب للقبض عليه سوي أنه زوجي فقط.. فذهبت إلي مفتش الأمن في مرسي مطروح وقلت له: يا باشا أخرجه إلي أمه فهو وحيد أمه.. وكذلك لكي يرعي أولاده.. وإذا أراد أن يطلقني فأنا مستعدة لطلاقي الآن أمامك.. ولكني لن أتخلي عن أخي المعتقل.. فليس له بعد الله سواي.. والحمد لله أطلقوا سراحه.. ولم يتخل عني وعن أشقائي.. وأنا فقط أحفظ له هذا الجميل.. ولا أتخلي عنه مهما كان..

هل هناك صعوبات أخري واجهتها الأسرة بعد اعتقال شقيقك سيد.. وخاصة في فترة التسعينات العصيبة التي مرت ثقيلة كئيبة علي الحركة الإسلامية في مصر؟

نعم لقد قبض علي شقيقي الصغير أيمن لفترة بسيطة ثم أطلق سراحه.. وكذلك قبض علي شقيقي الأصغر أحمد وشهرته (سكر) من أمام المحكمة العسكرية أثناء متابعتنا لجلساتها.. ولكني أخفيت ذلك عن شقيقي سيد حتى خرج بعد أسبوع احتجز فيها للاشتباه وكان وقتها لا يجاوز عمره 17 سنة.. وقد قابله الإخوة في حجز الأمن بالترحاب.. وأعطوه ملابس جديدة وطعاماً وطمأنوه وهدءوا من روعه.. ولما خرج أرسل معهم علبة حلوي لشقيقي سيد في المعتقل.. وكان لا يعرف شيئاً عن احتجازه..

لقد عشنا قبل المبادرة أياماً صعبة جداً.. تخلي فيها كل الناس عنا.. وانفض عنا كل الأقارب.. وابتعد عنا كل الأصدقاء.. ولكن الله صبرنا وثبتنا حتى تجاوزنا هذه المحنة الصعبة.. وقاربنا من نهايتها.. ولم يبق سوي شهرين فقط علي خروج شقيقي سيد من المعتقل.

لقد جاءت المبادرة ليتحسن كل شيء ويتغير كل شيء إلي الأفضل والأرقى تدريجياً حتى وصلنا إلي أن يأتي شقيقي سيد إلي البيت في زيارة منزلية للتعزية في وفاة والده.. لقد كان هذا حلما بعيد المنال..

وماذا عن هذه الزيارة المنزلية؟

لقد توفي شقيقي الصغير من قبل فجأة بجلطة في القلب.. حيث كان مريضاً من قبل بروماتيزم في القلب.. وكنا نتمنى أن يأتي شقيقي سيد ليحضر جنازة شقيقه.. ولكن هذا الأمر كان صعباً حيث الإجراءات والموافقات تحتاج إلي وقت.. وكانت وفاة شقيقنا صدمة كبيرة لأسرتنا.. فهو شاب.. وترك خلفه أطفالاً صغاراً..

ثم جاءت المصيبة الأخرى الكبرى في وفاة والدي حيث توفي فجأة بعد سنوات طويلة من المرض.. ولكن الحمد لله كانت وفاته وهو يستعد لصلاة الظهر.. ودون أن يرقد في السرير أو يتعب من حوله.. وقد كان والدي رجلاً صالحاً ملتحياً وكان دوماً يواظب علي صلاة الفجر في المسجد.. وبعد وفاته طلبنا من السلطات الأمنية الموافقة علي قيام شقيقي سيد بزيارة منزلية للتعزية في وفاة والده.. لقد أتبعت وزارة الداخلية تقليداً جديداً جيداً بعد المبادرة إذ وافقت علي مئات الزيارات المنزلية للمعتقلين..

وجاء شقيقي إلي بيته الجديد بعد 13عاماً كاملة لم ير فيها منزله.. ورأي كذلك شقته الجديدة التي ساهمنا جميعاً في بنائها له لكي يتزوج فيها بعد الخروج..

إنها لحظات نادرة.. لقد كنا نتمنى أن يجتمع شملنا قبل وفاة شقيقنا ووالدنا.. ولكنها إرادة الله.

لقد جاء شقيقي سيد وهو يلبس ملابس جميلة وفي هيئة جميلة.. وعومل معاملة راقية من ضباط الحراسة الذين تركوه يجلس معنا بمفردنا لعدة ساعات..

لقد جاء الجيران جميعاً وسلموا عليه.. وجاء عدد كبير من الإخوة وعلي رأسهم الشيخ رفعت محمد الذي لا يتأخر عن واجب أبداً.. للسلام علي شقيقي سيد.. وقاموا بالواجب نحوه.

ولم يمنع أحد من هؤلاء من السلام عليه أو الجلوس معه.. وتمت الزيارة كأحسن ما تكون في سعادة وفرحة بددت كثيراً من الحزن علي وفاة والدنا.

ما دامت الزيارة المنزلية كانت جميلة.. فما بالك حزينة بعدها؟

لقد كنا نود أن تكون زيارته للبيت نهائية ولا يعود مرة أخري إلي السجن وأن يحل هو محل والده المتوفى ويقوم بمسئوليته نحو أسرته والتي غاب عنها طويلا.

إن الزيارة المنزلية كانت جميله جداً ولكن.. وآه من لكن.. السلب بعد العطاء صعب.. والفراق بعد اللقاء أصعب.. والعودة مرة أخري إلي السجن من البيت يذكّر بيوم القبض عليه الأول.. إنها الفرحة والحزن حينما يمتزجان.. والشقاء حينما يعقب السعادة.

ولكن كثرة الحزن تعلم البكاء كما يقول المثل ولكن كله مع الصبر يهون.

إن أكثر ما يؤلم في هذا الأمر أن والده توفي قبل أن يخرج من السجن وكان يأمل أن يراه في البيت حراً طليقاً قبل أن يموت.. ولكن ليس كل ما يتمناه  المرء يدركه.

هل هناك مواقف في الحياة أثرت فيك.. وما زالت منطبعة في نفسك وضميرك؟

هناك موقف رأيته ولن أنساه أبدا ً ما حييت..

كنت عند المستشفي الجامعي بالإسكندرية.. كان هناك بائع متجول يبيع الكحك يربي بها أشقاءه الأيتام وأنا أعرفه.. فجاءت عربات الإزالة التابعة للحي وشرطة المرافق فأخذوا عربته لأنها بدون ترخيص كشأن كل الباعة الجائلين.. فقال لهم البائع: هذه العربة أنفق منها علي والدتي وأشقائي الأيتام.. ولا مورد لهم ولنا في الحياة سواها.. وظل يتوسل لهم.. ولكن دون جدوى.. فقد وضعوا عربته في عربات الإزالة التابعة لهم.. ولما بدئوا إدارة محرك سيارة الإزالة لم تتحرك.. فأنزلوا عربة البائع منها فتحركت .. ثم أعادوا وضعها فلم تتحرك ثانية.

وهكذا أربع مرات والبائع يتوسل إليهم مراراً وتكراراً.. حتى تجمع المارة.. وهم يقولون لموظفي الحي والشرطة:  دعوها فإنها عربة أيتام.. فما كان منهم إلا أن تركوا العربة وانصرفوا.. والعوام يهللون ويكبرون في فرح لعودة العربة إلي الأيتام مرة أخري.. ويقولوا: يا سيدي أتركه.. واذهب إلي تجار المخدرات..

وتردف السيدة أم إسراء في بساطة: فليتركوا هؤلاء رغم عدم وجود ترخيص معهم.. فهذا أفضل من لجوئهم إلي الحرام والمخدرات.. وعلي السلطات والشرطة أن تركز جهدها علي محاربة تجار المخدرات والحرامية..

لو ذهبت إلي الحضرة القبلية بجوارنا فإنك ستخاف أن تمشي فيها.. أو تمشي فيها ابنتك من تجار المخدرات والبلطجية فيها..

تخيل أن ابنتك وهي قادمة من العمل يعترضها بعض الشباب الصايع الضائع.. أو بلطجي فاسد..

الناس هنا تقول: الباطنية نامت.. والحضرة القبلية قامت (والباطنية هو حي في القاهرة كان مشهوراً بتجارة المخدرات في الثمانينات حتى قضي علي هذه التجارة المحرمة الوزير زكي بدر المشهور بقوته وشدته) والحضرة القبلية هو حي في الإسكندرية مجاور للحي الذي تعيش فيه السيدة "أم إسراء".

ومعني المثل: "أن الحضرة القبلية في الإسكندرية تفوقت في شهرتها اليوم علي حي الباطنية".

ما هي أول زيارة زرتيها لشقيقك؟

كان أخي سيد يذهب إلي نيابة أمن الدولة في مصر الجديدة.. وكنت أبيت الجزء الأخير من الليل بالشارع حتى يأتوا صباحاً إلي النيابة فنراه.. نحن من الإسكندرية ولا سبيل لنا لرؤيته في الصباح سوي ذلك.

وكان الأهالي يرون أولادهم وهم ذاهبون إلي النيابة من شباك سيارة الترحيلات.. ولكن شقيقي كان قصيراً.. وفي مرة من المرات أخرج يده للسلام علينا فأمسك بيده شقيقي أيمن ثم تحركت السيارة فتعلقت اليدان ببعضهما.. ولم يستطيع أحدهما ترك يد الآخر.. مما جعل الحراسة الأمنية للسيارة تتوجس خيفة.. حتى وجهت سلامها لشقيقي أيمن.. ولكن الأمر انتهي بسلام..

وفي إحدى المرات ذهبت إلي قصر النيابة في مصر الجديدة وقلت لأحد ضباط الحراسة هناك: إنني أريد أن أري شقيقي ونظري ضعيف.. ولا أستطيع رؤيته من بعيد.. فأبدي تعاطفاً معي.. وقال أفضل مكان آمن ترينه منه هو الحجز نفسه.. فأجلسي فيه وهو سيمر علي هذا المكان سواء نازلاً من النيابة أو صاعداً إليها.

هل هناك قصة مؤثرة عايشتيها أثناء المحاكمات العسكرية لشقيقك سيد؟

كان هناك أخ في هذه القضية اسمه رمضان أحمد فرج.. وكان وحيد والديه.. وكان والده متوفى.. وكانت أمه تحبه حباً شديداً إذ أنه كان سندها في الحياة وليس لها في الدنيا سواه.. فلما قبض عليه اسودت الدنيا في عينيها وعين شقيقاته..

وكانت أم رمضان لا تدري شيئاً عن النيابات أو المحاكم أو القاهرة مثل كل الأهالي في بداية الأمر.. وفي أول مرة ذهبت لرؤية ابنها في نيابة أمن الدولة بمصر الجديدة.. حيث أن الزيارات كانت ممنوعة وقتها في السجون.. توسلت إلي حراس مبني النيابة أن يدخلوها لرؤية ابنها.. فأشفق الحراس لحالها وأدخلوها إلي المبني.. وحينما رآها ابنها لأول مرة انكب علي الأرض يقبل قدميها.. ويقول لها: قد أتعبتك وأجهدتك يا أمي.. ويعتذر لها عما أصابها من مكروه وألم وعنت لم يكن ليقصده..

وهي تخفف عنه وتقول له: يا بني هذا حظنا من الدنيا وأنا راضية.. وموش زعلانة.. وهذا قدر الله.. ولا بد أن نصبر عليه.. وأنت لا ذنب لك في كل ما حدث.

وكان هذا المنظر مؤثراً جداً جداً في كل من شاهده.. إذ أن أبناء الحركة الإسلامية في مصر متميزون بتقبيل أيدي أمهاتهم.. وبعضهم يضيف إلي ذلك تقبيل أقدامهن.

ومما يحضرني في قصة هذه المرأة وابنها في جلسة النطق بالحكم في المحكمة العسكرية.. أن ابنها كان ينظر طوال الوقت إلي عينيها ويراقب آثار هذه اللحظات الصعبة عليها.. وكان بناتها يقولون لها: لا تبكي لأن ابنك ينظر إليك.. ويتابع حركاتك وسكناتك.. فظلت الأم متماسكة حتى خرج ابنها وركب عربة الترحيلات إلي السجن.. ثم سقطت علي الأرض لارتفاع ضغطها بشدة مع نزيف من الأنف فقام بعض ضباط الجيش الذين كانوا يحرسون المحكمة بنقلها إلي مستشفي أحمد جلال بالقاهرة.

ومن المضحك المبكي أن أم الأخ رمضان سألت أحد الضباط عن الحكم الذي صدر علي ابنها.. فتردد الضابط قليلاً.. فأشرت إليه بألا يجيب.. فقال لها: نحن لا نعرف يا أمي الأحكام بالاسم.. نعرف بالرقم فقط..  

فقالت أم رمضان: لا أعرف رقمه..

فقالوا: إذا لا نعرف ما هو حكمه..

وهكذا أفلت الجميع من إخبارها بالحكم الذي صدر علي ابنها.. وهكذا مرت الأيام وامتصت الصدمات منذ فترة خروج ابنها رمضان من السجن بعد قرابة أكثر من عشر سنوات قضاها في المعتقل.

لقد خرج لتنتهي مأساته ومأساة أسرته وهذا درس لكل مسلم ومسلمة أن البلاء يبدأ كبيراً ثم يصغر.. عكس كل شيء.. وهذا من رحمة الله.. فالبلاء يحتاج إلي صبر عند الصدمة الأولي كما أوحي بذلك إلي رسول الله ص.. ويحتاج كذلك إلي صبر ممتد المفعول.. إذا طال البلاء.. وكلاهما هام جداً جداً..

هل عوضك الله عن بذلك وتضحياتك الكثيرة طوال شبابك؟

نعم لقد عوضني الله بالكثير والكثير من النعم.. وأكرمني وأسرتي كثيراً.. لقد كنا نعيش قبل ذلك في غرفة واحدة بدورة مياه.. ولما خرج أبي علي المعاش اشتري بمكافأة نهاية الخدمة قطعة أرض واشتركنا جميعاً في بنائها وأصبح لكل واحد منا شقة.. وبنينا شقة من البيت لأخي الشيخ سيد حتى إذا خرج من السجن لا يحتاج لأحد ولا يتسول أحداً..

لقد أكرمني الله كرماً كبيراً جداً وتنزلت عليَّ جوائز السماء المتتالية.. أكرمني الله بزوجي وأولادي وأسرتي وأشقائي.. فأنا محبوبة منهم جميعاً.. ويعتبروني أماًَ لهم جميعاً.. ويستشيرونني في كل صغيرة وكبيرة عن حب ووفاء..

وأنا الحمد لله أمام كل الناس كبيرة بعطائي لهم وخدمتي المستمرة للجميع..

حتى الإخوة في السجن مع أخي سيد إذا أردوا شيئاً طلبوه مني.. وأي شيء يطلبونه أقضيه لهم وأحاول تدبيره لهم مهما كانت العوائق.

حتى أنني علي قدر فرحتي لقرب خروج شقيقي سيد من السجن علي قدر حزني علي بعض الإخوة معه الذين كنت أقضي لهم طلباتهم وأيسر لهم أمورهم مثل الأخ أحمد عبد الظاهر الذي تسكن أسرته في قنا علي بعد قرابة ألف كيلو متر من القاهرة ولا تستطيع زيارته بانتظام.. حتى أنه قال لي: إن كل الذين أعرفهم من القاهرة والإسكندرية ولذا فإنني سأحاول أن أعيش مع أخي سيد سكر بعد خروجي من السجن.

كما أنني أشكر الله سبحانه وتعالي علي أنني قمت بمسؤوليتي كاملة نحو والدي وأشقائي جميعاً حتى تزوجوا واستقروا في بيوتهم.. ونحو أخي سيد حتى شارف علي الخروج وأكمل تعليمه الجامعي.. وسيخرج من السجن قريباً جداً إن شاء الله وهو في أكمل صحة بدنية ونفسية وراض عن الله وعن قدر الله ويحب الناس جميعاً ولا يحمل حقداً لأحد أبداً.

وإلي هنا ينتهي حورانا الثري مع هذه المرأة المصرية المسلمة ذات الإرادة الفولاذية.

وأرجو الله سبحانه وتعالي أن يتقبل منها وأن يوفقها لإتمام رسالتها في الحياة.


الإسمواحد من الناس
عنوان التعليقكهول ..عجائز.. وقاصرات اللهم تقبَل
ذكرتنا وان كنا لم ننس ، بايام الشقاء وان شئت فقل الابتلاء وقت لم يكن لنا من الدنيا بمن فيها سوى اناس إمَا كهول او امهات عجائز او فيات ضعيفات في سن الزهور حملن اعبائنا ولم يكلَ لهم عاتق ولم تضجر لهم انفس . فعلا هذه الاخت من اعظم النماذج التي سمعت عنها وعايشتها بالنسبة لحال الاخوة المعتقلين فلم يكن لهم سوي الله عز وجل ثم هاتيك الضعفاء اللائي لا ارى ان الله قوَاهن الاَ انهن سندكم واخوانكم ايام المعتقلات . جزاها الله خير الجزاء .

الإسم
عنوان التعليقلسة الدنيا بخير
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" لا يزال الخير في أمتي الي يوم الدين" هذا تصديق لكلام الحبيب المصطفي.. ولا أجد تعليقاً مناسباً يليق بهذه المرأة المسلمة المصرية القوية. بارك الله لها وجعلها قدوة لكل المسلمين رجالاً ونساءاً

الإسمفاطمة عبد العزيز
عنوان التعليقالصبر من الآيمان
نشكر هذه الأخت والأم فى نفس الوقت علىصبرها كل هذه السنين على صبرها رغم موت امها ورغم حبس أخيها وأقول لك من عنده مشكلة الصبر مثل هذه الأخت الفاضلة ويجب ان تكون هذه الأخت مثال ونموذج لكل من عنده مشكلة أوغير مشكلة وشكر أيضا من حوارها وكتبها على هذا الموقع الجليل وشلرها لأنا لنتعلم منها الصبر \

الإسمعلي الساعاتي_المنيا
عنوان التعليقبل أنتم المعتقلون
نعم الصبر , ونعم ما قدمت أيتها الفاضلة ولتعلمي أننا جميعا _ نحن المعتقلين_كنا نعتقد جازمين أنكم أنتم المعتقلون فهنيئا لكم أجر الصبر و أجر السعي وهنيئا لنا أنكم لنا .

الإسمد" ريهام "القاهره"
عنوان التعليقاللهم اجزيك خيرا و ارزقك الجنه
يقول الله تعالى ,بسم الله الرحمن الرحيم(ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا)صدق الله العظيم ,وقد احسنت عملا يا ام اسراء فجزاك الله خيرا على عملك هذا وجعله ان شاء الله فى ميزان حسناتك واطمئنى فمن يتعب و يسعى فى الدنيا يرزقه الله الجنه ان شاء فى الاخره .


عودة الى اللقاء الأسبوعي

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._