لقاء د. عصام دربالة مع أ.أحمد موسى فى أهرام السبت 26/8 .
هي المرة الأولي التي يتحدث فيها هذا الرجل منذ دخوله السجن عام81 في قضية اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات. يوصف بأنه منظر الجماعة الإسلامية وأحدي القيادات المهمة من الرعيل الأول, وصاحب رأي ورؤية, وله بصمات في المراجعات التاريخية التي صدرت عن هؤلاء القادة من داخل السجون, هو الذي كتب المرافعة التي ألقاها د.عمر عبدالرحمن في قضية الجهاد81, ويوصف بأنه صاحب شأن بين جميع الصفوف بالجماعة, وهو صاحب كتاب استراتيجية القاعدة الآثار والأخطاء.عصام درباله وكما يوصف بـالشيخ تحدث من داخل السجن في حوار مطول لـالأهرام سينشر علي جزءين, كشف فيه الكثير من المفاجآت والأسرار عن مستقبل الجماعة وأعداد المعتقلين, والخلاف مع تنظيم القاعدة, وأبعاد مبادرة وقف العنف, وما حققته للجماعة وعناصرها, وحقيقة ما أعلنه الظواهري عن انضمام قيادات من الجماعة إلي القاعدة, ومن هو محمد الحكايمة الذي تحدث باسم الجماعة الإسلامية؟! وأجاب عصام دربالة عن التساؤلات عبر محاميه والذي نقل من خلاله هذا الحوار الساخن.
بعدما نفت الجماعة الإسلامية ما أعلنه الدكتور أيمن الظواهري بشأن انضمام عدد من قياداتها إلي تنظيم القاعدة.. فماهو الهدف من وراء إعلان الظواهري؟
في رأيي أن الدكتور أيمن الظواهري أراد من خلال إعلانه هذا تحقيق أكثر من هدف علي أكثر من صعيد, فهو أراد إحداث انشقاق واسع في الجماعة, مستهدفا إضعاف رؤية الجماعة الإسلامية المخالفة لرؤية تنظيم القاعدة وأراد إعطاء تنظيمه زخما إضافيا بات يحتاج إليه اليوم بصورة أكبر مما مضي فضلا عن خلط الأوراق علي صعيد حرب الاستخبارات الدائرة مع تنظيم القاعدة عبر العالم, فقد استهدف الظواهري حدوث انشقاق واسع بالجماعة الإسلامية, وذلك من خلال تضخيمه لأمر بسيط في انضمام محمد الحكايمة إلي تنظيم القاعدة, وحتي يصبح له تأثير كبير تعمد الإيهام بانضمام شخصيات لها ثقل كبير داخل الجماعة وخارجها إلي تنظيم القاعدة أمثال د.عمر عبد الرحمن ورفاعي طه ومحمد مصطفي المقري وعبد الآخر حماد, وهو ما تبين عدم صحته بعد ذلك.
كما استهدف دكتور أيمن الظواهري إضعاف رؤية الجماعة الإسلامية التي طالبت فيها تنظيم القاعدة بترشيد استراتيجيته لتقتصر علي جهاد المحتلين في دول العالم الإسلامي بعيدا عن توسيع رقعة الصراع إلي كل دول العالم وبعيدا عن التفجيرات التي يقوم بها تنظيم القاعدة في دول العالم الإسلامي وهدف الظواهري هذا لم يكن من الممكن أن يتحقق إلا عبر الادعاء بأن د.عمر عبد الرحمن وعددا كبيرا من القيادات الفعالة بالجماعة يقفون موقف الرفض والمعارضة لموقف الجماعة في هذا الصدد وهذا يدل علي قلق د.أيمن من انتشار التأييد لرؤية الجماعة في أوساط عديدة بما فيها الأوساط الجهادية في مصر وخارجها, ومن ثم ازدياد رؤية الرفض لأعمال القاعدة من قطاعات عريضة في العالم الإسلامي والتي عانت من تفجيرات القاعدة علي أراضيها.
ويستكمل عضو مجلس شوري الجماعة حديثه قائلا: هناك قطاعات عريضة في العالم الإسلامي باتت ترفض أعمال القاعدة علي خلفية عدم القبول بالتفجيرات التي يقوم بها التنظيم في العالم الإسلامي أو لاكتشاف خطأ رؤية القاعدة وإستراتيجيتها وظهور النتائج السلبية لها, ويأتي الإعلان عن انضمام طائفة كبيرة من قيادات الجماعة الإسلامية للقاعدة كي يعيد الزخم الشعبي لها ويعطي دفعة معنوية لمقاتلي القاعدة وبما يسمح بتجنيد المزيد من العناصر للعمل معها, كما أن إدخال الجماعة الإسلامية كطرف في مواجهة الأمريكان واليهود والصليبيين لابد أن يثير ارتباكا لدي الأجهزة الأمنية علي مستوي العالم خاصة لو تبع هذا الإعلان تنفيذ أي عملية كبيرة حتي لو لم يكن أي من منفذيها ينتمي للجماعة الإسلامية.
هل تقصد أن المخطط الذي تم الإعلان عنه في بريطانيا أخيرا والذي استهدف محاولة تفجير أكثر من20 طائرة كان جزءا من السيناريو الهادف إلي توريط الجماعة الإسلامية في الصراع مع الغرب والذي بدأ بإعلان الظواهري انضمام قيادات من الجماعة إلي تنظيم القاعدة؟
ليس لدي معلومات في هذا الصدد تؤكد أو تنفي ذلك لكن هناك واقعة سابقة خلال عام1998 تشير إلي إمكان حدوث ذلك.
ما تفاصيل هذه الواقعة؟ وهل كان فيها إعلان عن موقف لم ترتضه الجماعة أو توافق عليه؟
في فبراير1998 تم الإعلان عن قيام الجبهة العالمية لجهاد اليهود والصليبيين وفوجئنا بإعلان يفيد أن الجماعة الإسلامية ضمن أعضاء هذه الجبهة ممثلة في رفاعي طه وعندما أرسلنا له للاستفسار منه عن حقيقة الأمر ومطالبته بالانسحاب من هذه الجبهة إذا كان بالفعل قد انضم إليها فرد علينا بأنه لم يوقع علي ميثاق هذه الجبهة ولم يعلم عنها شيئا, وأكد أن ما وافق عليه هو التوقيع علي بيان يدعو لنصرة الشعب العراقي الذي يعاني من الحصار الأمريكي آنذاك, ثم أعلن رفاعي طه في وسائل الإعلام عدم انضمام الجماعة الإسلامية للجبهة ثم بعد عدة أيام وقعت تفجيرات كينيا وتنزانيا التي استهدفت فيها القاعدة سفارتي أمريكا بنيروبي ودار السلام.
الخروج من المأزق
هناك بعض الأقاويل التي تشير إلي وقوع الجماعة الإسلامية في مأزق بانضمام محمد الحكايمة إلي تنظيم القاعدة.. فما ردك؟ الحقيقة أن الجماعة الإسلامية اليوم تخرج من المأزق الذي عاشته عقب سنوات الصدام القاسي مع الدولة طوال عقد التسعينيات, وعندما نقول إنه لم يبق في السجون المصرية من أبناء الجماعة سوي عدة مئات بعد أن كانوا أكثر من12 ألف معتقل وهذا يدل علي أن الجماعة كادت أن تخرج من المأزق وعندما تطل الجماعة علي مصر والعالم عبر موقعها الإلكتروني الذي يترجم رؤيتها الشاملة للإسلام لابد أن نقول إن الجماعة خرجت من المأزق وعندما تتأهب الجماعة لمواصلة رسالتها الدعوية والتربوية والاجتماعية والسياسية لابد أن يكون المأزق الماضي قد انتهي, أما أن خروج أحد أو بعض الأعضاء مهما علت مكانتهم يمثل مأزقا فهذا معناه أن كل الدول والحركات والأحزاب والجماعات في العالم جميعها تعيش في مأزق لأن ظاهرة الانتقالات البينية من اتجاه لآخر ظاهرة يومية لا تمثل مأزقا إلا إذا صارت اتجاها عاما وأغلبية ساحقة وهو مالا يتصور حدوثه في حالة الأخ محمد الحكايمة الذي لم يشغل يوما موقعا قياديا داخل الجماعة, ثم كيف يتصور أن يمثل الأخ محمد الحكايمة مأزقا للجماعة وهو يعلن أنه يوافق علي رؤيتنا بشأن إيقاف العمليات القتالية في مصر, ويطالب الجماعة بدعم جهاد الصليبيين واليهود رغم أنه من المعلوم للجميع أن الجماعة تدعم المقاومة في كل بلد إسلامي وقع تحت الاستعمار لكن بعيدا عن استراتيجية القاعدة ووسائلها التي نختلف معها اختلافا عميقا, ودعني أقول لك إن الذي يعاني مأزقا حقيقيا هو تنظيم القاعدة الذي دخل في مواجهة مع كل العالم فأضاع دولة أفغانستان المسلمة وقاعدته الآمنة بها وصار هناك رفض شديد لأساليب القاعدة في العديد من بلدان العالم الإسلامي التي عانت من تفجيرات.
لكن الظواهري يري أن النصر للقاعدة وطالبان في أفغانستان أصبح قاب قوسين أو أدني فماذا تري؟
نحن نتمني تحرير أفغانستان اليوم قبل غد, لكن عفوا لا يسمي انتصارا إنما يسمي تصحيحا لخطأ فادح تسببت القاعدة فيه عندما أدت استراتيجيتها إلي سقوط دولة طالبان الإسلامية بأفغانستان في عام2002.
أوجه الخلاف مع القاعدة
تذكرون دائما أن الخلاف بينكم والقاعدة هو خلاف عميق.. فما هي أوجه هذا الخلاف؟
بالفعل الخلاف بين الجماعة الإسلامية وتنظيم القاعدة عميق وقديم فقبل عام1996 كان تنظيم القاعدة يقوم بدور جيد في دعم المقاومة الأفغانية ضد الاستعمار الروسي, وتوطدت العلاقة بينه وحركة طالبان التي وضعت نهاية لاختلاف جماعات المجاهدين الأفغان حول السلطة بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وسيطرت علي90% من الأراضي الأفغانية, وإلي هنا كان لا يوجد خلاف مع تنظيم القاعدة لكن بدأ الخلاف عقب تأسيس القاعدة للجبهة العالمية لجهاد اليهود والصليبيين والتي رفضت الجماعة الإسلامية الانضمام إليها ثم بلغ الخلاف قمته بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبرعام2001.
أذن ماهي أوجه الخلاف تحديدا بين الجماعة الإسلامية والقاعدة؟
يمكن القول إن هناك خلافا مع تنظيم القاعدة علي مستويات عدة فهناك خلاف علي مستوي الهدف المراد تحقيقه وكذلك علي مستوي قراءة الواقع وأيضا علي مستوي تحديد الإستراتيجية المناسبة كما يوجد خلاف علي مستوي تحديد الأولويات وتقييم القدرات وفهم المنهج الإسلامي وتحديد أدوات التعامل المشروعة مع الواقع وعلي مستوي أحكام الجهاد وتنزيلها علي الواقع وخلاف علي مستوي الموقف من الغرب وفتوي قتل الأمريكان المدنيين في كل مكان كما يوجد خلاف علي مستوي الالتزام بالعهد والوفاء بالبيعة.
ولكن اسمح لي قبل أن نفصل القول في هذه النقاط أن أذكر منطلقين أساسيين يحكمان تناولنا لأي قضية تمس القاعدة أولهما أن اختلافنا الجوهري مع تنظيم القاعدة سواء علي مستوي الفهم أو الممارسة للجهاد لا يعني التشكيك في نياتهم أو حبهم للإسلام, فلاشك في كونهم يحبون الدين, ولكن لاشك أيضا في أنهم قد أخطأوا الطريق والاختيار, أما المنطلق الثاني فإن تخطئتنا لإستراتيجية تنظيم القاعدة لا تعني إغفال الأسباب التي دفعتها لانتهاج هذه الإستراتيجية لأن الوقوف علي هذه الأسباب يمثل المقدمات المهمة لتحديد سبل العلاج فلا يصح في هذا المقام إغفال دور السياسات الأمريكية الظالمة تجاه قضايا العالم الإسلامي عامة وفلسطين خاصة في توليد مثل هذه الأعمال وظهور مثل هذه الاستراتيجيات.
فلنبدأ بالخلاف علي مستوي الأهداف؟
عندما أعلن عن قيام الجبهة العالمية لجهاد اليهود والصليبيين كانت حركة طالبان كما ذكرت سابقا تسيطر علي90% من الأراضي الأفغانية ولم يتبق سوي10% منها تحت سيطرة تحالف المعارضة الشمالية بقيادة أحمد شاه مسعود ومن ثم كنا نري أن الهدف الذي يجب حشد الجهود لتحقيقه هو اتمام السيطرة علي أفغانستان ومن ثم بناء دولة إسلامية قوية علي أسس عصرية, أما تنظيم القاعدة فقد حدد أهدافا بعيدة عن ذلك الهدف المهم وأعلن الجهاد علي اليهود والصليبيين والأمريكان مستهدفا طرد الأمريكان من الخليج والسعودية, واليهود من فلسطين ودعم ثوار كشمير والشيشان في الحصول علي الاستقلال وهذه الأهداف من وجهة نظرنا لا تملك القاعدة القدرة علي تحقيقها ومحاولات تحقيقها ستقود ليس إلي ضياع الهدف الممكن. وهو بناء أفغانستان فحسب بل ستؤدي إلي ضياع الدولة الإسلامية الوليدة في أفغانستان وهو ما حدث بعد ذلك في عام2002.
لكن قد يري تنظيم القاعدة أن أمريكا كانت متربصة بإمارة طالبان الإسلامية وتسعي لاسقاطها في أسرع وقت فما ردك؟ هذا بالفعل ما يردده أقطاب تنظيم القاعدة وهو يمثل خطأ كبيرا في قراءة الواقع آنذاك وهو يمثل في الوقت نفسه أحد أوجه الخلاف بين الجماعة وتنظيم القاعدة. فالواقع آنذاك كان يتيح فرصة كبيرة لطالبان للدخول مع أمريكا في توافق استراتيجي يقوم علي احترام الهوية الإسلامية ويحقق المصالح المشتركة للطرفين وذلك في إطار الرغبة الأمريكية في وجود حليف قوي في وسط آسيا لدعم باكستان ويعادل الخطر الشيعي الإيراني ويكون قاعدة متقدمة في وجه الصين العدو المستقبلي لأمريكا ويسهم في حصار روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي السابق وكان التحالف مع طالبان يحقق كل ذلك بامتياز, لكن طالبان رفضت ذلك ورفضت إبعاد تنظيم القاعدة عن أراضيها مما صعد المواجهة مع أمريكا إلي أن وقعت أحداث11 سبتمبر عام2001 وقام تنظيم القاعدة بضرب برجي التجارة بنيويورك فكانت نهاية إمارة طالبان.
ومن ناحيةأخري, ارتكزت القاعدة علي مقولة أخري روجت لها في أن هناك حربا صليبية قائمة علي قدم وساق اقتضت تكوين الجبهة العالمية لجهاد الصليبيين واليهود في عام1998 وهذا الافتراض بدوره لم يكن صحيحا خاصة في أفغانستان التي شهدت دعما أمريكيا لفصائل المجاهدين طوال عقد الثمانينيات لتحقيق الانتصار علي الاتحاد السوفيتي إبان احتلاله لأفغانستان مما يدل علي أن المصالح وليس الدين هي الموجه الأساسي للسياسة الأمريكية.
وماذا عن الخلاف مع تنظيم القاعدة علي مستوي الاستراتيجية المتبناة؟
انتهج تنظيم القاعدة استراتيجية إيجاد وتجبيه الأعداء وذلك عندما أعلن عن قيام الجبهة العالمية لجهاد الصليبيين واليهود وهؤلاء يمثلون نصف عدد سكان العالم وكي نستشعر مدي التوحد بين دول العالم الذي صنعته القاعدة ضدها وسوف أشير إلي قائمة الدول التي أدخلتها القاعدة في الصراع ضدها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر منها الولايات المتحدة الأمريكية وهي قوي عظمي نووية وتحت مسمي الصليبيين سيتم إدخال كل العالم المسيحي بأوروبا والأمريكتين وآسيا وإفريقيا وكذلك اليهود أيضا وروسيا الاتحادية علي خلفية دعم ثوار الشيشان وداغستان وهي قوة نووية عظمي أيضا أبقي الهند علي خلفية الدعم للثوار المسلمين الكشميريين وهي قوة نووية آسيوية كبري وكذلك فرنسا علي خلفية تحركات بعض الخلايا النشطة التابعة للقاعدة وضرب ناقلة البترول الفرنسية قرب السواحل اليمنية بالإضافة إلي كينيا وتنزانيا علي خلفية تفجير السفارتين الأمريكيتين واستراليا علي خلفية قتل رعاياها في تفجير بالي بإندونيسيا وكذلك الفلبين علي خلفية الدعم المقدم لجماعة أبو سياف في جزيرة مورو هذا بخلاف مجموعة الدول العربية والإسلامية التي كانت مسرحا لعمليات القاعدة مثل السعودية واليمن والكويت والجزائر والمغرب وإندونيسيا وباكستان وطاجكستان هذا بالإضافة إلي إيران علي خلفية الخلاف مع حركة طالبان والتحالف الشمالي الأفغاني المعارض بقيادة برهان الدين رباني ونحن كنا نري أن الاستراتيجية المطلوبة كان ينبغي أن تسير في اتجاه تحييد الأعداء وحصر دائرة الصراع في اتجاه تحالف المعارضة الشمالية في أفغانستان والدخول في توافق استراتيجي مع أمريكا والغرب يمكن من دعم دولة أفغانستان الوليدة.
وماذا عن خلافكم مع القاعدة علي مستوي ترتيب الأولويات وتقييم القدرات؟!
لابد أن تعكس الاستراتيجية المتبناه ترتيبا صحيحا لأولويات العمل والأداء ومتي توفر ذلك فالفرصة تصبح مهيأة أمام هذه الإستراتيجية لتحقيق نجاحات علي أكثر من صعيد ولذلك عندما حدد رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ إستراتيجية في التعامل مع الأوضاع المحيطة في لحظة وصوله إلي المدينة وعند تأسيس دولة الإسلام الأولي كانت تعكس الإستراتيجية ترتيبا صحيحا للأولويات وتقديرا سليما للقدرات فالدولة الوليدة لا قدرة لها علي مواجهة كل الأعداء ومنهم المتربص ومن هو كامن ومترقب ومنهم من هو منشغل بصراعات مع آخرين والحكمة تقتضي تحديدا للأولويات في ظل ضآلة القدرات وكثرة التحديات, ومن هنا كان ترتيب الأولويات الذي عكسته استراتيجية تحييد الأعداء متمثلة في عدة نقاط
أولاها الحفاظ علي جبهة داخلية متماسكة تهيئ الأوضاع لبناء دولة قوية تتمتع بالمناعة الذاتية ضد أخطار الداخل والخارج, ولقد ترجم الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ذلك باتخاذ إجراءات عدة منها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وترك قتل المنافقين وعقد معاهدة مع اليهود بالمدينة علي التفصيل الذي أشرنا إليه سابقا.
ثانيا: تأمين المدينة من أي مخاطر تهددها من المحيط الملاصق لها ومن هنا كانت الموادعة التي قام بها الرسول مع بني ضمره بن مدلج.
ثالثا: الاستعداد لرد أي عدوان من قريش علي المدينة والعمل علي تحييد باقي الأعداء المتربصين وهذا الترتيب النبوي للأولويات هيأ الدولة المسلمة آنذاك لكسب الجولة في نهاية المطاف.
لكن ماذا عن استراتيجية القاعدة؟!
إذا ما نظرنا إلي استراتيجية القاعدة لوجدناها سارت في اتجاه معاكس, فبدلا من مساعدة حركة طالبان علي حسم المعارضة الداخلية لها في الشمال, اندلعت في اقتحام صراعات ولدت مزيدا من الأعداء والضغوط عليها وعلي طالبان وبدلا من أن تدعم القاعدة مبدأ بناء دولة إسلامية قوية إذا بها تتحرك بعقلية التنظيم السري في أهدافها وأساليبها وبدلا من أن تحدد القاعدة أولويات المواجهة لديها إذا بها تدخل في صراع مع دول العالم مما خلق محيطا معاديا يحيط بها وبحركة طالبان وبدلا من أن تحصر القاعدة صراعها مع عدو واحد يمكن أن تمكنها قدرتها من تحقيق النصر عليه أصبحت وهي تنظيم سري تتعامل كأنها تمتلك قدرات دولة عظمي وتندفع صوب الدخول في مواجهات ضد أمريكا تصل إلي قمتها بضربها في عقر دارها ـ وهو مالم يجرؤ عليه الاتحاد السوفيتي من قبل إبان الحرب الباردة, كما انزلقت القاعدة في الدخول في صراعات مع دول أخري علي خلفية دعم الحركات الإسلامية في الشيشان وكشمير وداغستان والفلبين وغيرها والسؤال هنا أين الأولويات؟ وأين القدرات التي تسمح بكل هذا؟ ثم يأتي سعي القاعدة لاشعال حرب علي أساس ديني مع الصليبيين واليهود ليطرح سؤالا بالغ الأهمية وهو هل اشعال مثل هذه الحرب وفي هذا التوقيت يمثل أولوية؟ وهل هناك قدرة فعلية لتحقيق الانتصار فيها؟!
ذكرتم أن هناك خلافا علي مستوي المنهج وأدوات التعامل مع الواقع فلتوضح لنا هذا الخلاف؟
بالفعل هناك خلاف مع القاعدة علي مستوي فهم المنهج الإسلامي فنحن نفهم الإسلام كدين شامل نسعي لتطبيقه وتفعيله من خلال العمل الدعوي والتربوي والعلمي والاجتماعي والسياسي ونعتقد أن الإسلام وفر لاتباعه أدوات عديدة للتعامل مع الواقع بدءا من الدعوة والأمر بالمعروف ومرورا بخيار الصبر والهجرة وطلب النصرة والتحالف والتعايش والعزلة والحياد والصلح والردع والجهاد إلي غير ذلك بينما تنظيم القاعدة يتمحور في فهمه للإسلام حول الجهاد ويحصر أدوات تعامله مع الواقع في الجهاد فقط كخيار وحيد لا يتعداه.
أخطاء القاعدة
لكن ماذا عن خلافكم مع تنظيم القاعدة بشأن الجهاد وأحكامه؟
الخلاف مع تنظيم القاعدة بشأن الجهاد علي أكثر من صعيد,
فأولا: نحن نري أن الجهاد وسيلة من الوسائل التي يراد بها تحقيق الغايات الإسلامية النبيلة, بينما تري القاعدة أن الجهاد غاية في حد ذاته, هذا يعني أن الجهاد عندهم مستمر بمعزل عن حسابات المصالح والمفاسد, بينما نري نحن أن الجهاد يجب إيقافه إذا لم يحقق المصالح المرجوة من ورائه أو إذا لم تكتمل شروطه أو لم توجد أسبابه أو وجد أي من موانعه.
ثانيا: تخطئ القاعدة في إباحة دماء المدنيين المسلمين في البلاد الإسلامية عبر التفجيرات العشوائية التي تقوم بها القاعدة اعتمادا علي تنزيل الأحكام الخاصة بجواز الرمي بالمنجنيق والتبييت والتترس علي هذه العمليات بينما هذه الأحكام لا تنطبق علي واقعنا اليوم, وبيان ذلك كالاتي:
لا يصح الاحتجاج بجواز ضرب المجنيق لإباحة تلك التفجيرات العشوائية, لأن رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ عندما نصب المنجنيق علي أهل الطائف كان ذلك في حرب قائمة بينه وبينهم وكانوا كفارا مميزين عن غيرهم من المسلمين أو ما يقاس عليه مشروطا بوجود حالة حرب قائمة هناك تميز بين من يستحق القتل من غيره وإلا صار لها حكم آخر فأين كل هذا في التفجيرات العشوائية التي تتم اليوم؟ فهي لا تستهدف صفا كافرا مميزا عن غيره ولا تستهدف من هو مباح الدم فقط وإنما في الحقيقة تستهدف ضحايا غير معروفين بأعينهم لكنهم علي كل الأحوال سيكونون من مسلمي هذه البلاد أو علي أحسن الفروض كثرة مسلمة مختلطة بآخرين ممن قد لا يجوز أيضا استهدافهم لعهد أو لذمة أو لكونهم من النساء أو الأطفال أو الرهبان إلي غير ذلك وكل هذا يبين خطأ تنزيل هذا الحكم علي واقع شعوبنا المسلمة اليوم.
إثارة السخط الشعبي
كما لا يصح الاحتجاج بجواز قتل المتترس به لإباحة قتل المدنيين المسلمين بتلك التفجيرات العشوائية وذلك لأنه لا يصح قياس حكم قتل المارة أو الموجودين في موقع الانفجار علي جواز قتل المسلم المتترس به وهو ما اتخذه الكفار درعا بشريا لمنع وصول جيش المسلمين إليهم, لأنه قياس مع الفارق حيث هؤلاء المارة لم يتترس بهم أحد ولم تكن هناك حالة حرب قائمة يدركونها ولم يكن وجودهم في موقع الانفجار رغما عنهم.
فأين هي المصلحة الكلية القطعية الضرورية علي حد تعبير الغزالي والقرطبي التي ستضيع إذا لم يتم القيام بهذه التفجيرات, بل الشاهد والواقع أن هذه التفجيرات تسبب اضرارا عديدة سواء من جراء قتل الأبرياء من المسلمين أو غيرهم, أو من اثارة السخط الشعبي العام علي من يقوم بها أو من جراء استغلال خصوم الفكرة الإسلامية لها لتشويه الإسلام ذاته, والتحريض علي أتباعه فلا مصلحة حقيقية ترجي من هذه التفجيرات ولا ضرر ساحق سوف تدفعه, ولا حرب قائمة يتوقف الظفر فيها علي القيام بها, ولا يوجد في الحقيقة ترس ولا متترس به فكيف بعد ذلك كله يقاس هذا إلي ذاك.
وكل هذا يبين خطأ القول بجواز التفجيرات العشوائية بدولنا الإسلامية استنادا علي القول بجواز الرمي بالمنجنيق ورمي المسلم المتترس به.
أيضا لا يصح الاحتجاج بجواز التبييت للقول بجواز التفجيرات العشوائية التي تقتل المدنيين وذلك لعدة أسباب منها أن المتأمل في حديث الصعب بن جثامه أو في إغارة النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ علي بني المصطلق سيدرك أن هذه الأدلة تساق في غير موضعها وبيان أن حديث الصعب بن جثامة عن تبييت أهل الدار من المشركين فمن أراد الاستدلال به علي جواز تبييت المسلمين أو تبييت أناس يختلط فيهم المؤمنون مع غير المؤمنين فقد أخطأ خطأ جسيما. وكذلك كان حال بني المصطلق الذين أغار عليهم النبي فقد كانوا قوما مشركين مميزين بدارهم عن غيرهم, فكيف يستدل بذلك علي جواز التفجيرات ببلاد الإسلام حيث أغلبية السكان من المسلمين وغيرهم أقلية بينهم. كما أن جيل العلماء أوضحوا أن تبييت المشركين جائز حتي إن أدي إلي سقوط بعض النساء والأطفال المشركين قتلي لكنهم اشترطوا لجواز ذلك ألا يقصد النساء والأطفال بالقتل.
وأخيرا فلا يجوز حال اختلاط المسلم بغيره من الكفار أن يقصد المسلم بالقتل بالتبييت أوغيره لقوله تعالي: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
عودة الى اللقاء الأسبوعي |