|
ولهم فيها منافع
بقلم أ. حمادة نصار
• القرآن هو كلمة الله الأخيرة إلى عباده منذ أن نزل على قلب المعصوم صلى الله عليه وسلم.. وسيبقى كذلك مادامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك.. وعلى ذلك ستظل عطاءاته تتجلى للعالمين دون انقطاع حتى يرث الله الأرض ومن عليها .
• وستقف الأجيال المتعاقبة على جملة من الأسرار الكونية المكتنزة في آيات القرآن العظيم يفتح الله بها على من يشاء من عباده , دونما أن يكون لهم فيها سلف يذكر.. بل ودونما أن يتعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه بنوع من البيان.
• أولا: لأنها لا تتعلق بشأن التكاليف الشرعية الإيمانية التي هي مطلوب الله من عباده.. إذ أن علم التكاليف الشرعية افعل أو لا تفعل.. علم وضحت معالمه جلية على يد صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ولا مزيد.. إذ يستوي فيه من الناس من شهد عصر النبوة ومن قامت عليه القيامة لأنه متعلق بالثواب والعقاب.
• ثانياً: وهذا بخلاف علم أسرار الكون الذي لا يرتبط بقضية الثواب والعقاب ولا تتعلق به شيء من ذلك البتة ولذا لم يتعرض صاحب الرسالة صلى الله علية وسلم له.. مراعاة للعقول التي يمكن أن لا تستوعب هذا الأمر بشكل صحيح.. بل ربما يفتح على الناس باباَ من الجدل.. يشغلهم عن ما هم مطالبون فيه بتكاليف شرعية آنذاك.
• بينما ترك هذا الجانب يتجلى للناس تبعاً لتطور العقول البشرية ولأنه كما قلنا كلمة الله الأخيرة إلى الناس جميعاً.. فلابد أن يكون معجزا في كل شيء.. يتحدى كل قوم في جنس ما برعوا فيه .
• أي لا يقف إعجازه على اللغة كما زعم قوم.. إذ لو كان كذلك لما كان معجزا بالنسبة للأعاجم الناطقين بغير لغة الضاد.. ولكان تحديه لهم في هذا الشأن من جنس تحدي الرجل الصحيح المعافى لرجل من ذوي الاحتياجات الخاصة في مسابقة للعدو السريع.. أومن جنس تحدى أحد أبطال الملاكمة لمن لا يعرف عن أصول اللعبة شيئا.. وهذا عبث نزه كلام الله تعالى عنه .
• كانت هذه المقدمة توطئه ضرورية للإشارة إلى شيء من أسرار القرآن التي ذكرها الله تعالى في معرض امتنانه على عباده يقول الله تعالى "أولم يرو أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون "
• لاحظ أن لفظتي منافع ومشارب المذكورتين في الآية غير معرفتين.. والنكرة تفيد العموم وتدل على الكثرة- كما يقول علماء البيان-
• فمن المنافع المستخلصة من الأنعام حديثا سوى- ما هو معروف من الاستفادة من لحومها وألبانها في الطعام والشراب ومن أوبارها وأشعارها وأصوافها في الصناعة ومن أرواثها في شكل سماد بلدي في الزراعة والاستفادة منها في الحمل والتنقل.
• ولها منافع طبية عديدة ،منها مثلا استخراج بعض الهرمونات كالأنسولين المستخرج من الأبقار والذي لا يستغني عنه كثير من مرضى السكر.. وبعض الخمائر والإنزيمات كالأنفحه المستخرجة من أمعاء العجول الصغير التي ترضع اللبن وبعض المصول واللقاحات المستخدمة للوقاية أو للعلاج من كثير من الأمراض وتستخرج عادة من الخيل والأبقار والمنافع تترى مع كل كشف علمي جديد
• يا إلهي كيف جاءت هذه اللفظة (منافع) في سياقها موجزة معجزة.. بحيث تصلح أصلا تندرج تحته ما اكتشف في عالم الأنعام.. وما لم يكتشف منها بعد.. وما سيكتشف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
• وكيف جاءت بليغة وهي تراعي في بيانها مقتضى الحال.. فلا تستغربها عقول من نزلت فيهم منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان.. ولا تنكرها عقول أهل هذا العصر , عصر الذرة والنت والفضائيات المفتوحة ,والالكترونيات التي تفحص كل شيء.!!!.
• إن العربي البسيط الذي خاطبه القرآن عند نزوله بهذا البيان لم يكن بحاجه إلى معرفة الأنسولين أو المصول أو اللقاحات.. إذ أنها لم تكن من جملة اهتماماته أو معارفه في ذلك الحين.
• وإنما يكفيه من ذلك كله إن تشير الآية إلى جملة المنافع المباشرة بالنسبة له.. التي لا يمكنه أن يستغني عنها بحال.. وخاصة وهي تحمل أثقالهم إلى بلدٍ لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.
• فضلا عن أنها كانت أصل نشاطهم اليومي الذي لا يعرفون غيره.. فهي مصدر الغذاء والكساء الذي لم يكن العربي يوم ذاك يتصور الحياة بدونها.
• أما في عصر الطائرات التي فاقت سرعة بعضها سرعة الصوت ,عصر الاتصالات التي جعلت من العالم كله قرية صغيره.. لا تكتفي الآية مع ساكني هذا العصر بذكر ما قنع به العربي البسيط في زمن نزولها.. بل تقرعه بوحي التجربة لتؤكد له وحي القرآن وعندها لا يملك إلا أن يقول : سبحان من لا يأتي كلامه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
عودة الى قبس من نور
|