البلاغة في القرآن.. الجزء الثالث. - زيادة المبني يدل على زيادة المعنى -
· صرح علماء البيان أن زيادة مبني الكلمة أي حروفها يدل على زيادة مقابلة في المعنى.. فلو قلت (غَلَقَ زيد الباب) كان المعنى دون: (غَلَّق زيد الباب) فإن التشديد في اللام جعل الإغلاق أشد وأحكم من الأولى, ولا يكون زيادة المبني دالاً على زيادة المعنى إلا في نقل صيغة إلى صيغة أكثر منها كنقل الثلاثي إلى الرباعي مثل (قَتَلَ) إلى (قَتَّلَ) فإن (قَتَلَ) يدل على القتل المجرد أما (قَتَّلَ) يدل على أن القتل وجد منه كثيراً وهذه الصيغة الرباعية بعينها لو وردت من غير نقل لم تكن دالة على التكثير كقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً), فإن (كَلَّم) على وزن (قَتَّلَ) ولم يرد به التكثير بل أريد به أنه خاطبه سواء كان خطابه إياه طويلاً أو قصيراً وهذه اللفظة (كَلَّم) رباعية وليس لها ثلاثي نقلت عنه إلى الرباعي.
لكن لو كانت (كَلَّم) بمعنى (جَرَّح) لكانت للمبالغة لأن لها ثلاثي هو كَلَمَ مخففاً أي جَرَحَ, كذلك قوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلا), فإن لفظ (رَتِّل) على وزن (قَتِّل) ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة إنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى الرباعي إنما هى رباعية موضوعة لهذه الهيئة المخصوصة من القراءة.
وعلى هذا لا تدل زيادة المبني على زيادة المعنى إلا بالنقل من وزن إلى وزن أعلى منه والزيادة في المبني لا تدل على زيادة في المعنى إلا في الفعل أو ما فيه معنى الفعل كاسم الفاعل أو اسم المفعول.. ولذا يخرج من هذا الباب الزيادة في التصغير لأنها تدل على النقص في المعنى لا الزيادة فيه كقولك: (قنديل) فإذا صغرته قلت (قٌنَيْدِيل) فالزيادة وردت ها هنا فنقصت من المعنى وهذا ليس من الباب الذي نحن بصدده لأنه عارٍ عن معنى الفعلية لأن الأسماء التي لا معنى للفعل فيها إذا زيدت تغير معناها.
· يقال: أَعْشَبَ المكان, فإذا أرادوا كثرة العشب فيه, قالوا: إعْشَوْشَبَ المكان ومنه خشن واخشوشن.
1. قال تعالى: (وراودته الَّتِي هو فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ), فالفعل (غَلَّقَت) معناه أحكمت غلق الأبواب وبالغت في إحكام غلقه لأن (غَلَّقَ) محول عن غَلَقَ فلما زيد في مبنى الكلمة زيد في معناها لأن الألفاظ أدلة على المعانى وأمثلة للإبانة عنها فإذا زيد في اللفظ أو جبت القسمة زيادة المعنى وهذا لا نزاع فيه, لبيانه, وهذا النوع لا يستعمل إلا في مقام المبالغة.
2. قال تعالى: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ), يدل التضعيف في (مقَرَّنين) على متانة هذه الأصفاد وإحكام التقييد والتنكيل..وذلك لأن الفعل انتقل في المبني فزاد بالتالي في المعنى لأن (قَرَّن) أبلغ وأشد في الإحكام من (قَرَنَ).
3. قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ), فمقتدر أبلغ من قادر, إنما عدل إليه للدلالة على تفخيم الأمر وشدة الأخذ الذي لا يصدر إلا عن قوة الغضب, أو للدلالة على بسط القدرة فإن (المقتدر) أبلغ في البسط من (القادر) وذلك أن (مقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) و(قادر) اسم فاعل من (قدر) ولا شك أن افتعل ابلغ من فعل.
4. قال تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً), فإن (غفارا) أبلغ في المغفرة من (غافر) لأن (فعَّال) يدل على كثرة صدور الفعل و(فاعل) لا يدل على الكثرة.
5. قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ), فالتواب هو الذي تتكرر فيه التوبة مرة بعد مرة وهو (فعَّال) وذلك أبلغ من (التائب) الذي هو (فاعل), فالتائب اسم فاعل من تابَ يتوبُ فهو تائب أي صدرت منه التوبة مرة واحدة فإذا قيل (تواب) كان صدور التوبة منه مراراً كثيرة.
6. قال تعالى: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوونَ), فإن معنى (كُبكِبوا) من الكب وهو القلب إلا أنه مكرر المعنى وإنما استعمل في الآية دلالة على شدة العقاب وأنهم لا يكبون مرة واحدة بل على دفعات.. قال تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا), وقال: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ), وفي اللفظ (كُبكِبوا) تحضير لهم كأنهم شيء كريه كُبَّ من إناء.
7. قال تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً), صعود السد أسهل من نقبه لأنه مصنوع من الحديد والنحاس لذا استخدم في الصعود (اسطاعوا) قليلة المبني لتدل على قلة المعنى لتقابل الأسهل من العملين.. ونقب السد كان في غاية الصعود به لذا استخدم له (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً), لتناسب الصعود به في نقب هذا السد ولتبين المحاولات العديدة والشاقة لنقبه, فإن كلمة (استطاعوا) تزيد على (اسطاعوا) بالتاء.
8. قال تعالى: (سَأُنَبِّئُكَ بِتَأو يلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً), ثم قال: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأويلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً), لما لم يكن قد أخبر الخضر موسى عليه السلام بتفسير هذه الحوادث التي حدثت لهما كان الفعل (تستطع) زائد المبني ليدل على شدة المعاناة التي كابدها موسى عليه السلام في عدم الصبر والاستطاعة.. فلما أخبر الخضر موسى عليه السلام بالعلل وبّين له سبب أفعاله السابقة سهل الأمر على موسى فجاء الفعل (تسطع) قليل المبني ليدل على قلة المعنى وقلة المعاناة التي كابدها موسى لأنه إذا عرف السبب بطل العجب.
9. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ), إن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجماً أي في ثلاثة وعشرين عاماً نزل على الحوادث أما الكتب السابقة فقد نزلت مرة واحدة ولذلك ناسب نزول القرآن لفظة (نَزَّلَ) والكتب السابقة (أَنْزَلَ) فالتشديد في كلمة (نَزَّلَ) زيادة في المبني على زيادة في المعنى.
10. قال تعالى: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هو خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ), في قوله تعالى: (فَقَطَّعَ) التضعيف في هذا الفعل يدل على شدة التقطيع والتمزيق وهو ما لا يؤديه الفعل بدون تضعيف.
- التعريض في القرآن -
· التعريض: هو اللفظ الدال على الشيء عن طريق المفهوم لا بالوضع الحقيقى ولا بالمجازي.
· أو هو : المعنى المدلول عليه بالقرينة دون اللفظ... أو هو : المعنى الحاصل عند اللفظ لا به.. أو هو : لفظ استعمل في معناه للتلويح بغيره.. فإنك لو قلت لمن تتوقع صلته وعطاءه بغير طلب: والله إني لمحتاج وليس في يدي شيء, وأنا عريان والبرد قد آذاني, فهذا وأشباهه تعريض بالطلب وليس هذا اللفظ موضوعاً في مقابلة الطلب لا حقيقةً ولا مجازاً.
· التعريض أخفى من الكناية, لأن دلالة الكناية لفظية وضعية ودلالة التعريض من جهة المفهوم لا بالوضع الحقيقى ولا المجازي.
· والكناية تشمل لفظ المفرد والجملة, أما التعريض فلا يكون إلا في الجمل لأنه لا يفهم المعنى فيه من جهة الحقيقة ولا من جهة المجاز إنما يفهم من جهة التلويح والإشارة وذلك لا يستقل به اللفظ المفرد ولكن يحتاج في الدلالة عليه إلى اللفظ المركب.
· أمثلة من التعريض في القرآن الكريم..
1. قال تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ), لقد تضمنت مقولة سيدنا نوح عليه السلام في تلك الآية ثلاث جمل خبرية: إن ابني من أهلي, وإن وعدك الحق, وأنت أحكم الحاكمين.. وغني عن القول أنه عليه السلام لم يرد بتلك الجمل مجرد الإخبار بحقائق مضامينها, إذ هو يعلم حق العلم أنه يخاطب بها من لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء فما هو الغرض الذي حفزه إذن لسوق تلك المقولة؟.. لقد توجه الأمر الإلهي إلى نوح عليه السلام في آية تسبق هذه الآية بآيات بأن يحمل أهله معه في السفينة: (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ), وبعد آية واحدة يوجهنا هذا الحوار اللاهث بين الأب عليه السلام وابنه: (وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ), ومغزى ذلك أن نوحاً عليه السلام حين ساق مقولته تلك كان يعرض السؤال أو مطلوب ما, يتوجه به إلى المولى جل شأنه.. أي أن هذه الجمل الثلاث التي تضمنتها تلك المقولة هى خبرية من حيث لفظها أو قالبها النحوي طلبية من حيث المعنى الذي تعرّض به.. هذا المعنى الذي آثرت الآية الكريمة التعريض به على التصريح (السؤال أو الطلب), هو ما عوقب نوح عليه السلام في الآية التالية لها من أجله ونهاه ربه سبحانه وتعالى صراحة عن التشبث به أو تكراره: (قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ), وهو ما بادر عليه السلام في الآية اللاحقة لتلك الآية إلى الاستعاذة بالله من التعلق به: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ), ما حقيقة هذا السؤال؟, ولماذا أوثر التعريض به على التصريح في الآية الكريمة؟, والكلام كان تعريضاً بالسؤال عن السر في إغراق ابنه.
يقول الزمخشرى في ذلك عند تفسير قوله عز وجل: (وإن وعدك الحق), : إن كل وعد تعده فهو الحق الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به وقد وعدتني أن تنجي أهلي فما بال ولدي وأنت أحكم الحاكمين, ويقول ابن كثير عن تفسير قوله سبحانه وتعالى: (قال رب إن ابني من اهلى) : أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الذي لا يُخلف فكيف غرق ولدى وأنت أحكم الحاكمين؟, أما سر إيثار التعريض على التصريح في الآية الكريمة فهو الإشعار بمدى تأدب نوح عليه السلام ولطف توسله إلى خالقه.. فرغم تأجج عاطفة الإشفاق الأبوي على ابنه بين حناياه منعه حياؤه من التصريح بمطلبه أو بسؤاله من أجله وإنه لا يليق في الخطاب مع المولى عز وجل أن يقول (لماذا أغرقت ولدي وقد وعدتني قبل ذلك بنجاة أهلي؟) فمثل هذا الكلام لا يُتحدث به مع الملوك فكيف برب العالمين؟, من أجل ذلك حسن التعريض هاهنا.
2. قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ), لقد كان نبي الله أيوب عليه السلام مضرب المثل في الصبر على البلاء, وكانت قصته فيما نزل به وصبر عليه أروع قصص الابتلاء فهو إذ ينادي ربه في أولي هاتين الآيتين لا يجأر بالشكوى إلى ربه مما نزل له من ضر بل إنه ليستحي أن يسأله سبحانه صراحة كشف هذا الضر وإزاحته عن كاهله ومن ثم سلك إلى هذا السؤال مسلكاً تعريضياً يجسد أروع تجسيد جميل صبره ولطف توسله وعظيم تأدبه مع خالقه, إنه عليه السلام بهذا النداء يطلب عون خالقه ويستمطر سحائب رحمته.. ولكنه حياءً منه وتأدباً لا يصرح بهذا المطلوب بل يعرّض به عن طريق ذكر ربه بغاية الرحمة وذكر نفسه بما يوجبها فكأنه من خلال هذا النداء يقول: أنت يا خالقي.. أهل لأن ترحم وأيوب أهل لأن يُرحَم.
3. قال تعالى: (قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ), لقد وقع هذا الحوار بعد أن قام سيدنا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه بتحطيم أصنام قومه إلا كبيرها الذي تركه معلقاً الفأس في رأسه: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ), والتعريض هنا ماثل في قوله تعالى: (بل فعله كبيرهم), فسيدنا إبراهيم عليه السلام لم يرد بهذا القول نسبة فعل التحطيم حقيقة إلى كبير الأصنام إنما أراد أن ينسبه إلى نفسه على نحو تعريض يحقق به الغرض الذي يهدف إليه في هذا الموقف وهو السخرية من هؤلاء القوم والتهكم بعقولهم الضالة ومعتقداتهم الزائفة التي زينت لهم أن يعبدوا من دون الله تلك الأصنام التي يعرفون يقيناً أن كبيرهم لا يستطيع أن يفعل شيئاً بل إنها جميعاً لا تستطيع أن تنطق فضلاً أن تنفع أو تضر.
قال جاد الله الزمخشرى في تفسيره ( الكشاف حـ 3/15 ) هذا من معاريض الكلام فإن قصد إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن أن ينسب الفعل الصادر عنه إلى الضم إنما قصد تقريره لنفسه وإثباته لها على أسلوب تعريض يبلغ فيه غرضه من إلزامهم الحجة وتبكيتهم وهذا كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتاباً بخط رشيق وأنت شهير بحسن الخط: أأنت كتبت هذا؟) وصاحبك أمي لا يحسن الخط ولا يقدر إلا على خرمشة فاسدة فقلت له: بل كتبته أنت.. كان قصدك بهذا الجواب تقريره لك مع الاستهزاء به لا نفيه عنك وإثباته للأمي أو المخرمش لأن إثباته – والأمر دائر بينكما – للعاجز منكما إستهزاءً به وإثبات للقادر.
4. قال تعالى: (أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ), فليس الغرض من هذه الآية أن يعلم السامعون ظاهر معناها ولكن أن يذم الكفار وأن يقال أنه من فرط الفساد ومن غلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل وإنكم أن طمعتم منهم في أن ينظروا ويتذكروا كنتم كمن طمع في ذلك من غير أولي الألباب, وكذلك قوله: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا), وقوله عز اسمه: (إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ), ثم إن العجب في هذا التعريض لا يحصل من دون (إنما) فلو قلت يتذكر (أولوا الألباب) لم يدل على ما دلت عليه الآية والسبب في ذلك أن هذا التعريض إنما وقع بأن كان من شأن (إنما) أن تضمن الكلام معنى النفي من بعد الإثبات.. والتصريح بامتناع التذكر ممن لا يعقل وإذا أُسقِطَت من الكلام فقيل: (يتذكر أولوا الألباب), كان مجرد وصف لأولي الألباب بأنهم يتذكرون ولم يكن فيه معنى نفي التذكر عمن ليس منهم.( دلائل الإعجاز ص 272 – 273 ), بتصرف يسير.
5. قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ), لقد وردت هذه الآية الكريمة في سياق المنظرة أو الحجاج الديني بين الرسول صلى الله عليه وسلم ومشركي قومه والمعنى الذي يراد بها هو وصف هؤلاء المشركين بالضلال غير أن الآية قد سلكت في تأدية هذا المعنى مسلكاً تعريضياً هو أقدر على الإقناع من مسلك التصريح أو التعبير المباشر هذا المسلك هو ما يتمثل في قوله سبحانه وتعالى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ), ولتوضيح هذا المسلك وتجلية قيمته الفنية نسوق هذا المثال التوضيحي:
لو كنت تعتقد صواب رأيك في قضية من القضايا وقلت لمن يخالفك في هذا الرأي أنت مخطئ فإن هذا القول دون شك سوف يغضبه, وربما يحفزه غضبه هذا إلى التمادي في الباطل ويجره إلى مزيد من الجدل والمراء الذي يسد نوافذ فكره ويطمس بصيرته ويعميه عن استبانة وجه الصواب أما إذا قلت له لا شك أن أحدنا مخطئ فإن هذا القول الذي لا يغضبه ولا يفتح أمامه سبل المراء سوف يدعوه إلى مزيد من التفكير والموازنة بين الرأيين ومن ثم يكون هذا القول الأخير أقدر من سابقه على إقناعه بصوابك وإلزامه أو إفحامه بحجتك.. ولعل هذا المثال يلقي بعض الضوء على المسلك التعريضي الذي آثرته الآية الكريمة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصرح بمن من الفريقين على هدى ومن منهما في ضلال مبين ولكن سوى بين الفريقين في ترديد حال كل منهما بين الهداية والضلال أي أنه جعل كل من الهداية والضلال بمثابة احتمال ليس أحد الفريقين بأحق به من الآخر, غير أن هذه التسوية بين الفريقين في الآية الكريمة (المعنى الظاهر) نقود مرتكزة على خزائن السياق إلى إدراك الفصل الحاسم بينهما والوقوف على أن المؤمنين – تحديداً – هم فريق الهداية وأن هؤلاء المشركين هم فريق الغواية والضلال (المعنى التعريضي) لقد أفصح السياق قبل هذه الآية عن سفه هؤلاء المشركين وزيف عقائدهم الضالة فقد عبدوا آلهة من دون الله لا تملك لنفسها شيئاً فضلاً من أن تملك لهم ضراً أو نفعاً.. بعد ذلك يتوجه السؤال على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء المشركين (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ), وهو سؤال تقريري غرضه حملهم على الإقرار بأن آلهتهم التي يعبدونها لا تملك مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه لا رازق لهم سوى الله عز وجل.
في ظل هذا السياق تتجه دلالة التعبير نحو المعنى التعريضي فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهؤلاء من خلال هذا التعبير إذا كنتم لا تملكون إزاء قضية الرزق الإقرار بما سلم به من نسبها إلى الخالق وحده عز وجل فلماذا عبدتم من دونه آلهة لا تضر ولا تنفع؟, ومن منا إذن على هدى؟, ومن منا في ضلال مبين؟, يقول الزمخشرى عند تفسير هذه الآية: وهذا الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موالٍ أو منافٍ قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك, وفي ذكر هذا التعبير بعد ما تقدمه من عناصر السياق دلالة غير خفية على من هو من الفريق على الهدى ومن هو في الضلال المبين, ولكن التعريض أفضل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم (الكشاف ص 3/259 بتصرف).
6. قال تعالى: (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ* إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ), فهذا الداعية الواعي استخدم أفضل الأساليب لكي يقنع هؤلاء المشركين بعقيدة التوحيد, حيث لم يقنعهم ولم يوجه لهم الخطأ مباشرة حتى لا يستثير غضبهم ولجاجهم.. ولكنه عرض بهم تعريضاً فوجه الكلام إلى نفسه (وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي), وهذا هو الكلام الظاهر ومعناه تعريضاً وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وقد ساق في كلامه الحجة والدليل والبرهان مع وجوب عبادته وهى الخلق, فمن خلق فهو الأجدر بالعبادة, ولذلك ساق لهم كلاماً متضمناً الحجة: ما الذي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني؟, هل يمنع ذلك عقل أو منطق؟, كلا والله بل العقل والمنطق يقول أن الذي خلق هو وحده المستحق للعبادة ثم استرسل هذا الداعية الناجح في تعريضه بهؤلاء المشركين: (أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ), ومعلوم للجميع من الذي يتخذ آلهة من دون الله لا تنفع ولا تضر ثم قال: (إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ), أي إن اتخذت آلهة من دون الله فإنني في ضلال مبين ومعلوم أيضاً للجميع أن المشركين هم الذين يتخذون آلهة من دون الله وأن هذا الداعية رجل موحد لا يعبد إلا الله, إذن ظهر المعنى التعريضي للجميع أن المشركين هم في ضلال مبين لكن هذا الداعية الواعي لم يصرح بنسبتهم إلى الضلال المبين لعدم إشعال غضبهم الذي يؤدى إلى شدة لجاجهم وسوء مرائهم وجدالهم وتفجر العناد في قلوبهم فيحملهم ذلك على رد الحق.
عودة الى دراسات أدبية ونقد
|