عمى أيوب انتحر.. للشاعر هشام فتحي تقديم/هشام النجار
لا أجد ما أقدم بها قصيدة أبي خلاد (عمى أيوب انتحر) أفضل وأنسب مما قاله شاعر العامية الكبير عبد الرحمن الأبنودي قبل سنوات؛ قال: "عار على الشعر أن يناطح ما ثبت شرفه.. وأن يصمت حين تتضح الصور ويتأكد واقع الحال.. سوف نصبح كلنا صغارا إذا لم ننم هذا الميراث المدهش ونزوده بمدهشات جديدة.. وإذا لم نسحب عباءته على الواقع الجديد..".
هشام فتحي يعمل باقتدار على إنقاذنا من هذا المصير البئيس الذي تنبأ به الأبنودي؛ فهو يصر على انتشالنا من واقع الأدب النمطي الرتيب.. ويزودنا بين الحين والآخر بمدهشة جديدة من مدهشاته.
فحين يغنى غيره لواقع غير واقعنا.. ويبكي على مآس ليست مآسينا.. ويستخدم أدوات مستوردة غريبة على أسماعنا صادمة لأذواقنا.. يبقى أبو خلاد ساحبا عباءة شعره الرحبة على واقعنا، مستمدا أدواته من تفاصيل حياتنا وأحداثها ومفرداتها.
وأرى أن هشام في (عمى أيوب انتحر) يسير بخطى ثابتة واثقة على طريق إنقاذنا من مصير (الصغار) وذلك بتنمية ميراثنا من شعر العامية على وجه الخصوص.. ذلك أن تنمية هذا الميراث يكون بالانتماء إليه أولا وبالاعتزاز به.. ثم بالتحرر من أسر تقليد رموزه وكبرائه.
وأبو خلاد في هذه القصيدة التي بين أيدينا يثبت لنا أنه شاعر جيد.. وهو في الوقت نفسه غير تقليدي وغير نمطي وغير عادي.. له صوته الخاص به، ولا يقلد أحدا، ولا يكرر ما أثاره غيره من رؤى وأفكار وما صاغوه من تراكيب.
وبعيدا عن القصيدة، فشعر هشام فتحي يبهرني دائما بصوره المزدحمة وأخيلته المبتكرة ومعانيه المتتابعة المتلاحقة، وكلماته قوية الوقع شديدة الجرس.
وهو – مع ذلك – واصف بليغ يمتلك قلما مميزا وأسلوبا متفردا.. يجعل موضوعه وفكرته وقصيدته ذات جو خاص بها نادرا ما تتذوقه وتحسه وتجده مع شاعر آخر.
وشيء آخر يميز شاعرنا عن غيره – وأجد هذا الأمر بالذات واضحا ثابتا في كل ما قرأته له – وهو أنه لا يهتم كثيرا بمستوى المتلقي ولا يلقى بالا لذوق الجمهور ورغباته وطلباته؛ فيتساهل مرة في الصياغة أو يخفف من وطأة الأخيلة وقوة الأداء وعمق الرمز.. بل يأبى أبو خلاد دائما إلا أن يحلق في سماء الإبداع السامقة.. ويرفض حتى أن يتدانى منا ويهبط لمستوانا.. بل يجبرنا في كل مرة على التسامي والارتقاء والارتفاع إليه، لنعيش معه أجواء الإبداع الحقيقي.. ولنتخفف من التبعية والنمطية، ولنتحرر من أسر المعاني المستهلكة والأفكار المهترئة.
أما عن (عمى أيوب انتحر)؛ فهذه القصيدة تحتاج إلى دراسة مطولة يقوم بها ناقد حقيقي.
ولكنى هنا أريد لفت الأنظار سريعا إلى نقطتين فقط:
الأولى : رمزية القصيدة؛ فالقصة بعناصرها وأشخاصها وأدواتها ومفرداتها (الحاكي – الطباخ – الجوعي– الجزرة – عباس – أولاد الحارة – أولاد البلد – خيمة العرب – المزاد .. الخ) كل ذلك وغيره استخدمه الشاعر كأدوات ورموز، واستطاع بخياله الخصب تحويل القضايا المصيرية التي تعيشها أمتنا إلى صور وشخوص ناطقة نابضة بالحياة.. تحكى لنا بعفوية وحميمية تفاصيل واقعنا المرير.
وأظن أن قراءة عادية للقصيدة، باعتبارها مجرد قصة من قصص البؤس والظلم والقهر اليومية، دون التحليق مع خيال أبي خلاد الخصب، سوف تفقد القصيدة أهميتها.. وسوف تمحو عنها لمستها الجمالية.. وسوف تخرجنا في النهاية من بوابتها الخلفية على عجل بدون الوصول إلى الغاية الحقيقية التي من أجلها كتب الشاعر قصيدته.
النقطة الثانية: ذلك الجمال المبهر الذي خرجت به القصيدة من بين يدي هذا الفنان.. وسر الجمال يكمن في دقة التشبيه وروعة الأخيلة.. وفى مناسبتها لموضوع القصيدة وهدفها وغايتها؛ تأمل مثلا كيف (النار بتاكل في الحطب)، وكيف (بطونا دابت)، ثم كيف (الطباخ يرفع بيده الملعقة) و (يغرف عرقنا ويهز ايد الهون ويطحن حلمنا).. تأمل كيف كان الشعور و(الحلم) يطحن بايد الهون.
ثم كيف (الناس بترسم بالرماد خيمة عرب.. تفطر بلقمة من الشقى.. تتغدى.. تتعشى بتعب)، وكيف (ولاد بلدنا في غربتي من تربتي سرقوا الحجر)، ثم كيف (نبنى في المكان فرن وطاحونة)، ثم كيف (قتلتوا عمي أيوب وكلتوه النهاردة).
وكيف (الدود في تربة عمى أيوب انتحر)، وكيف (صرخ ما فيش فايدة).
والآن – وعلى طريقة الأديب والكاتب حمادة نصار – إليكم بكائية هشام فتحي كاملة وعليكم السباحة في الأقاصي البعيدة للقصيدة....
"عمى أيوب انتحر"
عمي أيوب انتحر
النار بتاكل في الحطب
والوجبه طابتْ
كل اللي جاعوا
بيسألوا الطباخ لامته ننتظر
دا بطونا دابتْ
يرفع بايده المعلقه
يغرف عرقنا
ويهز ايد الهون
ويطحن حلمنا
ويقول خلاص : هانتْ
يصرخ ضنايا
أسكته بحتة جزر
وامسح بأيدي دمعته
يا عم يا طباخ
قلبي انفطر
يا عم يا طباخ حرام
خلص الجزر
ابني الوحيد في البرد نام
من غير غطا
من غير عشا
دهره انكسر
أنت فاكر عمي أيوب
اللي بات من غير عشا
قالوا انتحر
يا ما كان بيوعظنا
كتير تحت الشجر
ماسك في أيده سبحته
يا سلام على لون شملته
يا ما كان بيغسلها بمطر
أنا لسه فاكر لما قال للناس
كفايه عمركم ده مش هدر
لامته يا عباس تنام
وتقوم تقول حكمه وقدر
تتغطى مرة بشملتك
وتنام مريض باقي الشهر
يا عم يا طباخ
النار بتاكل بعضها
خلص الحطبْ
لو كنت خايف ع الضنا
ارميها بالكرسي الخشبْ
لو كنت خايف تنكسر
قوللي السببْ
من غير سبب
بصيت لقيت الناس
بترسم بالرماد خيمة عربْ
تفطر بلقمة من الشقى
تتغدى
تتعشى بتعبْ
علشان يعيشوا بارضنا
لازم يبيعوا
الهدمه والشمله ف مزادْ
مين يشتري ......
هدمه ومصبوغة بسوادْ
مين يشتري شمله
ومقوله بحدادْ
مين يشتري خيمة عرب
خضره ومرسومه برمادْ
فاضل مع المسكين
طاقيه بتستره
وكمان رغيف
تمن العقالْ
وحلف عليه جسمه النحيف
لازم يجاوب عن سؤالْ
مين للعيال؟
يصرخ يقول أنا مش ضعيف
يا ناس يا أهلي في المزاد
ردوا عليا هدمتي
هاتوا العقال
مش عار علينا ينتحر أيوب
ويتعذب بلال
......
فاكرين ضنايا
لما غسلته ...
وكفنته .... وداريته بحجر
شفته ف منام
ويقولي فين يا والدي
راح برج الحمامْ
فين عمي صابر
وابن عمي الواد حسامْ
دا ولاد بلدنا ف غربتي
من تربتي
سرقوا الحجر
وعليا وعليك السلام
...
يا ولاد بلدنا
عمي ايوب اللي مات
قبره اتنبش
يا ولاد حارتنا
قالوا هنبني في المكان
فرن وطاحونه
علشان نوفر للفقير
لقمة هَنا ....
عيشة هَنا....
عمره اللي ضاع..
ما فضلش فيه غير كام سنه
يا بيه حرام تزرع مكان الورد حنضل
ما تقولش إن الحي أبدى
ما زمان قتلتوا عمي أيوب
وكلتوه النهاردا
الدود ف تربة عمي أيوب انتحر
وصرخ (ما فيش فايده)
| الإسم | ابو خلاد |
| عنوان التعليق | التقدمة ابلغ من القصيدة |
| التقدمة اجمل بكثير من القصيدة لذا اشكر الاخ الاستاذ هشام على هديته هذه ولعل ذلك يكون بداية طيبة للتقارب والتواصل وانا بجهز اخرى بعنوان (عمي ايوب انتصر )
حفظكم الله ورعاكم
محبكم من الرياض |
| الإسم | |
| عنوان التعليق | أيوب يقطع شرايينه |
| قد غزلت الصبر ثوبا وارتديته
ومشيت في درب الذئاب مسالما
ليت أني ما مشيته
قد ملئت كل كؤسي دما يكيته
قد ذاب ثوب الصبر يا وطني
ليت أني ما غزلته |
| الإسم | عمك فرج |
| عنوان التعليق | شبه عمي فرج |
| هذه القصيدة تشبه قصيدة عمي فرج للشاعر فاروق جويدة |
| الإسم | أحمد إبراهيم جاد |
| عنوان التعليق | مشتاقون يا عم ايوب |
| من نحن وماذا سنضيف الا إنهاتسجيل للذات او لخطرات ترحل وهذه بداية تواصل معكم غير ان الاعرج ليس كالخيل النجيب .
|
عودة الى ديوان الشعر
|