السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وتحية من عند الله مباركة طيبة وسلاماً عاطراً أرق من نسيم الصباح.. وبعد.،
لقد تزوجت زوجك منذ 15 عاما ً وكان مبتور إحدى القدمين.. وواجهت بعزيمتك الصعاب ورفض أسرتك ونظرة مجتمعك الذي يرفض ارتباط مثلك بشاب معوق بمثل هذه الإعاقة الصعبة.. وقد ذلل هذه الصعوبات عليك شعورك بحبه الدافق لك.. وإيمانك بالله.. ورغبتك الجارفة في مساعدته والوقوف إلي جواره والإحسان إليه..
إذاً أنت تزوجتيه من البداية بدافع من دينك وأخلاقك وإحسانك إلي الآخرين.. وتفريجاً لكربته ومساعدته في الحياة.. وهذا شيء محمود حثت عليه الشريعة الإسلامية الغراء.. فقد قال " صلي الله عليه وسلم " " من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا.. فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ".
كما أن زواجك من زوجك المعوق يعتبر من باب الستر علي عيوبه فهذه الشريحة من الناس لا تحب الإطلاع علي أسرار حياتها ومعيشتها .. " ومن ستر مسلما ً ستره الله في الدنيا والآخرة "
وقد سعدت بحياتك معه رغم إعاقته حتى حدث متغيران أساسيان هما :-
إعاقته الحركية شبه الكاملة بعد حادث السيارة وعدم قدرته علي العمل والإنفاق..
عدم قدرته كذلك علي القيام بحقوقه الزوجية كما كان من قبل..
وكل ذلك لم يكن موجوداً عنده من قبل ولكنه تطور مفاجئ بعد حادث السيارة..
وقوامة الزوج في الإسلام إنما تبني علي عدة أمور من أهمها : مسؤوليته عن الإنفاق علي الأسرة.. وكذلك قدرته علي تلبيات رغبات زوجته العاطفية والإنسانية المشروعة..
وغياب هذه الأمور مجتمعة يبيح فسخ زواجك وطلاقك عند أكثر الفقهاء القدامى والمعاصرين.. فقد نص أكثر فقهاء المذاهب علي أن العِنة ( وهي عدم القدرة علي الانتصاب والجماع ).. يبيح التطليق للضرر.. حيث أنه يخل بمقصود الزواج.. ويهدم ركناً أساسياً من أركانه وهو الإعفاف والاستمتاع..
فإذا أضيف إلي ذلك عدم القدرة علي الإنفاق وهو يبيح أيضاً للقاضي التطليق للضرر وذلك عند كثير من فقهاء المذاهب الأربعة ومعظم الفقهاء المعاصرين باستثناء الإمام أبو حنيفة النعمان وتلامذته..
وبناءً علي ما سبق يجوز لك شرعاً طلب الطلاق.. ولا يحرم في حقك الانفصال عن زوجك..
أما ما ذكرتيه من أن السبب في رغبتك في الطلاق هو عدم دفاعه عنك أمام أسرته.. فالحقيقة أن هذا الأمر قد يكون سبباً ولكنه سبب ثانوي.. أما الأسباب الرئيسية فهي عدم قدرته علي الإنفاق وكذلك عدم قدرته علي أداء حقك الزوجي..
ويعد السبب الذي ذكرتيه بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير فقط.. فالبعير قد انقسم ظهره من البداية وكان ينتظر فقط هذه القشة.. أو أن نار الفرقة واستحالة العشرة بينكما كانت تنتظر فقط هذه الشرارة..
ولعلي أنتهز هذه الفرصة لأشرح لك وللقراء الأعزاء ما غمض عليهم من فهم نفسية المعاق حركياً إعاقة شديدة.. فغالبية الناس لا يدركون ولا يسبرون أغوار نفسية كثير من المعاقين.. ويعتقد كثير من الأزواج أنهم يستطيعون تحمل المعاق كزوج دون أن يتسلحوا بالصبر الجميل والحلم الطويل والذكاء الاجتماعي الكافي..
وقد جرب أحد الدعاة الأفاضل أن يتزوج من امرأة كفيفة ليكرمها ويحسن إليها وينقذها من العنوسة.. وكان متزوجاً من قريبة له صالحة وطيبة وقنوعة.. وظن أن زوجته الكفيفة الثانية ستحفظ له الجميل أبد الدهر وستكون سهلة مطواعة.. ولكن خاب ظنه بعد أن حولت حياته إلي جحيم بظنونها السيئة وقسوتها وشدتها وغيرتها الفظيعة..
فالمعاق وخاصة المشلول الذي لا يستطيع الحركة.. يريد أن يشعر كل من حوله ويعرفهم أنه يستطيع الاستغناء عنهم وأنه قادر علي العيش بدونهم.. وهذا مخالف للحقيقة.. كما أنه لا يريد أن يشعر أحداً بضعفه ونقصه.. ولذلك يشتد علي من حوله ويقسو عليهم رغم أنهم هم الذين يخدمونه ليل نهار ويتفانون في خدمته..
وقد جربنا ذلك كثيراً في السجون والمعتقلات.. فقد كان أشد الناس وأغلظهم وأقساهم هم الذين يعانون من إعاقات شديدة وخاصة مرضي الشلل الذين أصيبوا به قريباً وخاصة في السجن.. وأنا أعذرهم في ذلك فمن يدري لو كان أحدنا مكانهم.. فقد اجتمع عليهم سجن الحياة وسجن الإعاقة.. والأخير والله أفظع وأشد.. ونسأل الله العافية.
وكان الإخوة يتفانون في خدمتهم حتى أنهم كانوا يخصصون لأحدهم ستة إخوة يخدمونه.. هذا يغسل ملابسه.. وهذا يساعده في الاستحمام.. وهذا يطعمه.. وهذا وغيره يطهرون له قرح الفراش مرتين يومياً.. وهذا يحمل كيس البول والآخر يدخله الحمام ليقضي حاجته.. ثم يقوم الستة بحمله ونقله من مكان لآخر.. ولكنهم لا يجدون منه في المقابل سوي الغلظة والشدة والقسوة والتسخط.. والتهديد لهم كل يوم أنه لا يريد من أحد أن يخدمه.. فهو يستطيع خدمة نفسه.. ولكنهم يشفقون عليه ويتوسلون إليه أن يرجع في قراره..
وهكذا تبدلت المواقع.. فبدلا ً من أن يحسن إليهم ويشكرهم ويرفق بهم.. إذا بهم هم الذين يفعلون ذلك.. وبدلا ً من أن يشكو هو من قسوتهم وإهمالهم وشدتهم.. إذا بهم يشكون من قسوته وشدته..
وقد خبرت ذلك سنوات طويلة في مستشفيات السجون والمعتقلات.. ولما شكا لي الكثير ممن يخدمون هؤلاء المرضي قلت لهم: إن المعوق غالبا ما يصاب باكتئاب شديد.. وتزداد حدته مع زيادة حدة الإعاقة.. فالحركة جزء من الحياة والفطرة السليمة.. والشلل والإعاقة جزء من سجن كبير أكبر من السجون التي يعرفها الناس.. وبعض المعوقين تجتاحهم رغبة جامحة في إعلام أحبائهم ومن يخدمونهم ويرحمونهم أنهم لا يحتاجون إليهم وأنهم يستطيعون الحياة بدونهم.. مع أن هذا عكس الواقع تماماً..
فإذا أضيف إلي الإعاقة الحركية في مشكلة زوجك الإعاقة المالية.. والإعاقة الجنسية مع الغلظة والقسوة اكتملت المأساة وأصبحت الحياة لا تطاق مع هذا الزوج..
وما ذكرته عن نفسية المعاقين إعاقات شديدة شائع معروف ولا يستثني منه سوي فلتات صبرت علي الإعاقة الجسيمة وقابلتها بالرضا عن الله وعن القدر وعن الناس.. وبالشكر لكل من يخدمه ويحسن إليه.. وتحويل الإعاقة من أمر سلبي إلي طاقة إيجابية تفيده وتنفع أسرته ومجتمعه.
وخلاصة الأمر أن فقه العدل يبيح لك الانفصال والطلاق وهذا لا يعيبك ولا يشينك في شيء.. ولا ينقص قدرك عند الله ولا عند الناس إن شاء الله.
أما فقه الإحسان والفضل.. وهو درجة أعلي وأسمي وأرفع من العدل - وكلاهما موجود في شريعة الإسلام - فيدعوك إلي الصبر عليه والاستمرار معه والإنفاق عليه وعلي أولادك.. ليس طمعاً في شكره وامتنانه.. فهذا عزيز بين الناس عامة.. ولكن عملا ً بالآية العظيمة " لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * ً إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ".
فأحسني إليه رغم صعوبة ذلك.. لعل الله أن يحسن إليك.. وأكرميه بالاستمرار معه عسي الله أن يكرمك في يوم تحتاجين فيه لأصغر حسنة..
والفضل والإحسان لا يقضي به بين الناس.. ولا يلزم به إلا الخواص من صالحي الصالحين وأئمة المتقين..
كما خاطب الله أبا بكر الصديق قائلا ً في كتابه " وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ " ..
فما كان من أبي بكر إلا أن ردد مباشرة بقلبه وجوارحه ولسانه "بلي أحب أن يغفر الله لي.. بلي أحب أن يغفر الله لي ".. وأعاد النفقة والإحسان مرة أخري إلي مسطح بن أثاثة رغم سابق إساءته لابنته وزوج النبي الكريمة السيدة عائشة "رضي الله عنها"..
وكل خيار منهما له تبعاته وجوائزه ..
فخيار العدل تتبعه الراحة في الدنيا.. والحرمان من جوائز الآخرة.. وخيار الإحسان.. تتبعه المشقة في الدنيا.. والسعادة والإحسان من الله المحسن في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يلهمك الصواب والخير والبر والإحسان.. وأرجو أن تعيشي بقلبك وجوارحك مع قوله تعالي " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ". |