الأخت الفاضلة /م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وتحية من عند الله مباركة طيبة وسلاماً عاطراً أرق من نسيم الصباح ودعاءً من القلب أن تكوني على خير حال يحبه الله ويرضاه.. وبعد.. أشكر لك ثقتك فينا وفي موقعنا.. كما أشكر لك إشراكنا إياك في مشكلتك.. حيث أن طرح مشكلتك علي ذوي الرأي والخبرة هو جزء من حل مشكلتك كما يقول علماء النفس.. كتابتها يحل جزءً منها.. حكايتها لوالديك.. أو لصديقة لك.. كل ذلك ينفث عنك بعض همك ويزيل عنك بعض غمك..
واعلمي يا ابنتي الغالية أن قرابة 2.% من الشعب المصري يعانون من نفس الأعراض.. مع اختلاف حدتها من شخص لآخر.. وذلك حسب الإحصائيات الرسمية التي أوردها الأستاذ الدكتور/ أحمد عكاشة أستاذ أساتذة الطب النفسي في الشرق الأوسط كله..
وأكبر شريحة تعاني هذه الأغراض هي النساء عموماً.. إذا أن نسبة إصابتهم بهذه الأعراض أكثر من غيرهم.. وقد تزداد الأعراض حدة أثناء الدورة الشهرية.. وكذلك أثناء الحمل.. وفي فترة النفاس.. وفي كبار السن عامة.
وللوراثة دور في انتقال هذه الأغراض من جيل إلي جيل..
والإنسان مكون من جسد وروح.. أو بدن ونفس.. والشعب المصري لا يعير آلام الروح والنفس أي اعتبار أو اهتمام.. في الوقت الذي يولي الاهتمام بآلام البدن اهتماماً خاصاً شديداً.. فإذا شعر بمغص أو إسهال أو ترجيع.. أو صداع أو آلام في العظام أو المفاصل ذهب إلي الطبيب مباشرة..
أما إذا تألمت روحه ونفسه.. فلم يشعر للحياة بطعم.. أو ظل يبكي طويلاً أو شعر بالحزن العميق معظم الوقت.. أو افتقد السعادة في الحياة.. أو شعر بالخوف الشديد دونما مبرر لهذا الخوف.. أو لم يستطع التكيف الإنساني مع من حوله.. إذا شعر بكل هذه الأعراض أو بعضها لم يفكر في علاجها ولم يسع إلي أهل الاختصاص لمساعدته في حل المشكلة..
إن مشكلتك بدأت بعدما تزوجت شقيقتك الكبرى وأصبحت وحيدة فريدة بعد زواجها.. فلم تجدي صدراً حنوناً تتحدثين معه أو يشاركك همك.. أو يعيش معك علي السراء والضراء..
قد يقول البعض: وأين الأم؟ فأقول إن الأخت الكبرى بالنسبة للصغرى تمثل في كثير من الأسر كل شيء بالنسبة لشقيقتها الصغرى.. فهي التي كانت تنام معها بالليل.. وتحكي لها قبل النوم وهي صغيرة.. ويتجاذبان الحديث وهي كبيرة.. وفي غالب الأسر المصرية تكون الأخت الكبرى بمثابة الأم والأخت والصديقة وكل شيء بالنسبة للصغرى.. وخاصة إذا لم يكن في الأسرة بنات سواهما.. أو إذا كانت هذه الأسرة لا تختلط بأحد مثل كثير من الأسر المصرية الآن الذين لا يعرفون حتى اسم الجار أو يفضلون عدم الاختلاط مع الأقارب والجيران.
لقد فقدت الصديقة والأخت والرفيقة والأنيسة وأصبحت وحيدة في غرفتك في وقت تحتاجين فيه أشد الاحتياج لبديل لها.. يملأ عليك حياتك.. ويسد الفراغ الذي تركته شقيقتك.
إن الأعراض التي تتحدثين عنها هي أعراض معروفة لمرض الاكتئاب مثل البكاء المستمر – الخوف المتواصل – الشعور بأن شيئاً مكروهاً سوف يصيبك – وعدم الفرحة أو السعادة لشيء مهما كانت سعيدة لمثلك.. وقد تزداد هذه الأعراض حدة عند البعض فيشعر أن الحياة لا قيمة لها بل قد يرغب في الانتحار والتخلص من حياته ويقول بعض هؤلاء المرضى لولا أن الدين حرم الانتحار لانتحرت.. وبين هذه الأعراض وتلك درجة متوسطة من فقد الشهية أو زيادتها في بعض الحالات بطريقة مرضية.. أو نقص أو زيادة النوم.. الخ هذه الأعراض المعروفة لهذا المرض.
وعلاج حالتك يتمثل في عدة نقاط أهمها:ـ
أولاً : الارتباط بالله :ـ
أنت في حاجة لسند قوي تستندين إليه.. وركن ركين تركنين إليه.. أنت بحاجة إلي القوي سبحانه لتقوي عزيمتك.. وإلي العزيز سبحانه لترتفع روحك المعنوية.. أنت بحاجة إلي تناول جرعات مركزة نقية صافية من مكونات الإيمان والتقوى..
وأظنك لست بحاجة – أختي الفاضلة – لمن يدلك علي الأجزخانة المتخصصة في هذا الصنف من الدواء.. توجهي مباشرة إلي الله سبحانه.. وربنا سبحانه وتعالي ليس له وسطاء في الأرض.. ولا سكرتارية.. ولا حجاب.. ولا حراس يحولون بينه وبين عباده.. " وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" فبمجرد أن تقولي يا رب فإن "الله يسمعك.. اقتربي منه سبحانه شبرا يقترب منك ذراعاً.. أقبلي عليه يقبل عليك.. – أحبيه سبحانه يحبك سبحانه.. اسجدي له كثيراً وخاصة في الثلث الأخير من الليل.. أكثري من صلاة النوافل ومن قيام الليل.. أكثري من الدعاء في سجودك أن يذهب الله عنك الهم والحزن.. وكرري الدعاء الجميل الذي كان يدعو به رسول الله ص "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.." وأكثري من ذكر الله.. وليكن لك ورد يومي مع أذكار الصباح والمساء المعروفة.. فإذا عشت بقلبك وجوارحك مع قوله تعالي "أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" أطمأن قلبك وسكنت جوارحك وزال خوفك وقل حزنك.. غير أن هذه العبادة لن يكون لها الأثر الإيجابي المطلوب إلا إذا عشت في الصلاة والذكر بقلبك ومشاعرك وأحاسيسك.. أما إذا قمتي بهذه العبادات بجسدك ولسانك فقط فلن تؤثر فيك التأثير المطلوب.
ثانيا: قراءة القرآن الكريم بتدبر : -
فلولا القرآن ما زال هم المهمومين وكرب المكروبين.. ولا قويت عزائمهم ولا استطاعوا أن يجتازوا المحنة تلو الأخرى.. ولولا القرآن ما صبر مريض مزمن علي مرضه.. ولا قعيد علي شلل أطرافه – ولا سجين أو معتقل علي سجنه واعتقاله حتى أن أكبر الشخصيات التي سجنت قالت في كل الأحاديث الصحفية بعد خروجها.. لولا القرآن ما تحملنا هذه المحنة الشديدة.
وكتاب الله هو أفضل من يعينك في محنتك هذه.. ويحمي من توابعها ومضاعفاتها.. فاقرئيه بتدبر وخشوع.. فان مللت من قراءته فاسمعيه من إذاعة القرآن الكريم مجودا ومرتلا.. وتدبري في آياته وأحكامه.
ثالثا : تناول بعض العقاقير الضرورية :ـ
فالعقاقير ضرورية جدا في تجاوزك لهذه المحنة.. وهي التي ستساعدك علي الاستفادة من الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن.
وبعض المرضي يقول هل يمكننا الاستغناء عن العقاقير؟..
فأقول: كلا إنها هامة جداً.. وهي تضبط هرمون السيروتونين في المخ.. وتساعد علي استعادة السعادة وضياع الخوف والرهاب الاجتماعي وذهاب الأرق.
وهي أدوية مشهورة جدا وآمنه جدا ولا تحدث أي إدمان كما يتصور البعض ممن لا يعرفون عن هذه الأدوية شيئا..
ومن أهم هذه الأدوية سيرترالين.. فلوكستين.. وغيرهما..
وقد يصل بعض المرضى لدرجة من الحزن والاكتئاب يكره فيها الصلاة.. وقد يترك الصلاة تماما رغم تدينه الشديد.. وكذلك قراءة القرآن.
وقد جاءتني سيدة في العيادة تعاني من اكتئاب شديد جدا.. وظلت تبكي لأنها كانت مواظبة علي الصلاة أما الآن فهي تكرهها كما قالت لي.. فطمأنتها أن ذلك لا علاقة له بالإيمان.. وأن ذلك من أعراض المرض الذي جعلها لا تكره الحياة أو زوجها وأولادها فقط ولكن تكره الصلاة أيضا.. وبعد فترة من العلاج عادت إلي الصلاة والعبادة والسعادة وحب الحياة أيضاً.
إن الأدوية هامة جدا ليس في علاج المرض فحسب لكنها هامة أيضا في جعل العلاجات الأخرى تثمر ثمرتها وتؤتي أكلها..
رابعاً: أن تكون لك صحبة صالحة:-
فلا بد أن تبحثي عن صحبة بديلة عن صحبة شقيقتك التي تزوجت.. فمثلاً جربي أن تجلسي مع والديك كثيراً.. أو مع بعض أشقائك.. أو ذاكري في بيتك مع صديقه لك.. وأفضل من سيعوضك عن هذا الفراغ هو زوج المستقبل الصالح..
فهو وحده الذي يستطيع أن يسد فراغ حياتك.. ويكون سندا لك ومخففاً لحزنك.. ومزيلاً لهمك.. وسوف تجدي فيه السلوى عن كل أحد.
فإذا جاءكم شاب صالح يخطبك فلا تترددي فأنت في حاجة إليه كزوج وصديق.
وأهم صفات الزوج الذي يناسبك أن يكون رقيقاً ودوداً صبوراً شهماً كريماً.. وأن يكون لسانه طيباً.. فأنت لا تتحملين الفظ أو الغليظ أو البخيل.. أو من لا صبر له.. أنت تحتاجين إلي من يحتويك بعطفه وحنانه ويملأ حياتك بالرحمة والحب.
وحتى يأتي هذا الزوج الصالح ابحثي عن صديقة صالحة في الكلية أو في المسجد وتعرفي عليها.. وتحابا في الله واجتمعا علي طاعته أو علي أي عبادة أخرى.. واعلمي أن العبادات الجماعية أفضل لك وأيسر عليك من العبادات الفردية والعبادة في المسجد أفضل لك من البيت.. إذ أنها تجمع بين تشجيع المجموع لك علي الطاعة مع تغيير المكان.. وهذا مهم جداً لعلاج هذا المرض.
خامساً: اسعدي الناس تسعدي:ـ
لقد وضع علماء الطب قاعدة معروفة لعلاج الحزن والاكتئاب وهي أسعد غيرك تسعد نفسك وهذه القاعدة وصفها رسول الله ص قبلهم بخمسة عشر قرناً حيث قال: "من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .....الخ الحديث" ويمكنك تطبيق هذا الحديث عملياً في واقعك بالآتي على سبيل المثال لا الحصر.. ساعدي الفقراء.. اذهبي إلي الأيتام في دور الأيتام وعيشي معهم يوماً كل أسبوع.. تطوعي في الجمعيات الخيرية.. وساهمي في مساعدة الآخرين.. اقتربي من الفقراء واستمعي إلي همومهم وحاولي قدر استطاعتك مساعدتهم.. وهكذا.
سادساً:ـ التوازن العضلي العصبي:ـ
لماذا لا يصاب الرياضيون بالاكتئاب؟
وهل يصيب الفلاح الذي يعمل طوال النهار في حقله قلق أو أرق.. كلا!
وهل يصيب العامل في المعمار أو المصنع ما أصابك.. كلا!
ولكن لماذا؟
لأنه يوازن بين عمل العضلات والفكر والنفس.. فهذه الموازنة بين عمل العضلات والنفس هو دليل السلامة النفسية.. فعليك بممارسة أية رياضة.. أو المشي كل يوم ساعة علي الأقل.. أو الذهاب والعودة من كليتك مشياً علي الأقدام بدلاً من ركوب المواصلات.. أو تنظيف الشقة.. الخ هذه الأمثلة.
أما إذا جلست وحدك منفردة.. تفكرين أو تبكين بالساعات فإن النتيجة هي مزيد من الألم والحزن والضيق والاكتئاب.
سابعاً: الإحلال:
وهو ماعرفه جيمس بندر بأنه الشجاعة والقدرة علي إحلال نشاط إيجابي محل النشاط السلبي "كمن منعه مرض قدمية من رياضة الجري والتسلق فأحل السباحة محلها حتى أصبح من أشهر السباحين.. إذاً يمكنك تناسى مشكلاتك والتغلب عليها بأن تجدي نفسك في نشاط آخر تحبينه وتبرعين وتبدعين فيه.
ثامناً : قراءة كتاب لا تحزن للشيخ عائض القرني:
وقد ألف هذا الكتاب في السجن وبيع منه حتى الآن أكثر من مليون نسخة.. وكذلك كتاب ((دع القلق وابدأ الحياة)) للكاتب الأمريكي ديل كارنيجي.. وقد بيع منه أيضاً ما يقارب هذا العدد وترجم إلي معظم لغات العالم..
تاسعاً : عدم جلد الذات:-
إذ أن هذا المرض يدفع صاحبه إلي جلده لذاته بطريقة مريرة فيها ظلم للنفس وهضم لها وإنكار لحسناتها ودفن لإيجابياتها.. وإذا كان الله قد نهانا عن ظلم الآخرين فقد نهانا من باب أولي ألا نظلم أنفسنا.. وأن نبحث عن إيجابياتها كما بحثنا عن سلبياتها وأن نسعد بجوانب الخير فينا كما نحزن لجوانب الشر.. وأن نقدم التفاؤل لإصلاح أنفسنا علي التشاؤم.. وأن نسعى لتطوير أنفسنا إلي الأفضل والأحسن.
وظلم النفس لا يقل إثماً عن ظلم الغير..
وفقنا الله وإياكم للخير وعافاك الله من كل مكروه وسوء ولك في الختام تحياتي ودعواتي. |