أختي الفاضلة/
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وتحية من عند الله مباركة طيبة.. وأسأل الله أن يرزقك الزوج الصالح والذرية الطيبة.. ونشكرك على تواصلك مع موقعنا ..
وبعد..
لقد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد وكان عمره وقتها خمسة وعشرين عاما وعمرها أربعين عاما.. ونجح زواجهما نجاحا عظيما رغم فارق السن بينهما.
ولا يعني ذلك سوى شيء واحد هو إباحة هذا الأمر فقط.. ولا يعني ذلك ما يذهب إليه البعض من أن زواج الرجل بمن هي أكبر منه ينتج زواجا مستقرا أو ناجحا وصالحا في كل الأحوال والأزمان والبلاد.. كلا... لأن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم هو استثناء من القاعدة الاجتماعية المعروفة وهى أفضلية أن يكون الزوج أكبر سنا من الزوجة ببضع سنوات.
وكذلك الأمر زواجه صلى الله عليه وسلم وقد جاوز الخمسين من عمره من السيدة عائشة رضي الله عنها وهى في التاسعة من عمرها.. فلا ينبغي لأحد أن يقيس عليه أن يزوج الرجل ابنته في هذا العصر وهى في التاسعة أو نحوها.. حيث إن جسد ومدارك وعلم وبيئة هذا العصر تختلف عنها تماما في زمن السيدة عائشة التي أصبحت من أعظم فقهاء عصرها ومجتهديها في وقت كان يعج بعظام فقهاء الصحابة والتابعين.
كما أن شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم بما آتاه الله من الحكمة والعدل وسعة الأفق والرحمة واستيعاب الآخرين تصلح لهذين الزواجين المتفاوتين في كل شيء.. فقد استوعبت شخصيته العظيمة الزوجة ذات السن الكبيرة أو الأرملة أو المطلقة.. وكذلك الزوجة الصغيرة التي تحتاج للدلال وتدفق المشاعر والعواطف.
إن خطأ بعض الناس في الاستدلال بسنة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم هو عدم أخذهم لسيرته وسنته ككل.. ولكن تقطيعها وتمزيقها وتفريقها تفريقا مخلا إلى وحدات متناثرة غير مترابطة.. وكذلك عدم ربط سنته وسيرته بواقعنا المعاصر ربطا صحيحا سليما.
فإذا زوج رجل ابنته وهي في الخامسة عشر من عمرها لرجل في الخمسين من عمره ثم فشل زواجهما فشلا ذريعا فلا يكون العيب في الإسلام أو السنة أو السيرة حيث أن العيب فيه هو والخلل في فهمه للشريعة.
وإذا تزوج رجل في العشرين من عمره زوجة في الأربعين أغنى منه ثم فشل زواجه فلا يلومن السيرة ولكن عليه أن يلوم نفسه.. لأنه لم يفهم السيرة فهما صحيحا.
وإذا تزوجت فتاه رجلا متزوجا من أخرى ويكبرها في السن كثيرا ..ففشل زواجهما فعليها ألا تلوم إلا نفسها لسوء فهمها لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلينا أن نعلم أن هناك قواعد وأعراف اجتماعية صحيحة لا تخالف الإسلام ينبغي مراعاتها والاهتمام بها.. وهذه القواعد الاجتماعية الصحيحة هي نتاج خبرات العقلاء والحكماء لعشرات ومئات السنين.
وهناك فرق كبير بين ثلاث موضوعات أرجو عدم الخلط بينهما..
أولا:-هل زواجك من مديرك بالعمل صحيح وحلالا شرعا ؟
نعم هو حلال شرعا لاشك في ذلك فيجوز للمرأة أن تتزوج من هو أكبر منها ومن يساويها ومن هو أصغر منها سنا.
ثانيا:-هل زواجك منه مرشح للاستقرار والسعادة والدوام.. فالخبرات الاجتماعية والإنسانية المتراكمة لدى الشعب المصري تدل على عدة أمور ومنها على سبيل المثال لا الحصر:-
إن فروق السن لابد أن تكون معتبرة بين الزوجين.. وأن يكون الزوج أكبر سنا من الزوجة ولكن بقدر مناسب.. ويقدر العرف الاجتماعي هذه الفروق في حدود عشر سنوات تقريبا.. وخاصة إذا كان الزوج ومتقدما في عمره.. فيكون الفرق بينه وبين زوجته كبيرا فيحدث الخلاف والشقاق.
والفرق بينك وبين مديرك قد يجاوز العشرين أو الخمسة والعشرين عاما.. وهذا فرق كبير قد لا يساعد على استقرار واستمرار الزواج بينكما.. وخاصة أن له زوجة أخرى وأولادا من زوجته الأولى.. فإذا لم يستقر زواجكما لم يخسر شيئا وعاد إلى زوجته وأولاده.. وسوف تخسرين أنت في هذه الحالة كل شيء.
إن تجربة زواج البنت البكر من رجل متزوج وله أولاد هي تجربة محفوفة بالمخاطر.. إذ سرعان ما تشن الزوجة الأولى وأولادها حربا لا هوادة فيها على الزوج وزوجته الجديدة.. ويستخدمون فيها كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة.. وقد يصل الأمر إلى محاربته في وظيفته.. واقتصاده.. وتشويه سمعته بين أسرته وجرجرته في المحاكم بقضايا كثيرة.. أكثرها وهمي من اختراع وتأليف محامين لا ذمة لهم ولا ضمير.. يحبون التكسب ولو على حساب هدم البيوت العامرة.. وقد يصمد زوجك لهذه الحرب أو لا يصمد.
وقد رأيت نماذج فظيعة لمكر الزوجة الأولى وقدرتها على الكيد لزوجها وزوجته الجديدة بمشاركة أولادها ومباركة أسرة زوجها.. وتعتبر الزوجة الأولى هذه الحرب القذرة حربا مشروعة إذ هي تدافع عن بيتها وأولادها وزوجها ضد الغزاة الطامعين.. وعلى الغزاة أن يتحملوا كل النتائج لأنهم أهل العدوان والبغي على حد زعم هؤلاء الزوجات.
فهل أنت يا ابنتي مستعدة لهذه الحرب.. وللنكد المستمر.. والمعارك المتواصلة التي لا تهدأ ليلا أو نهارا ولا تتوقف على مكان دون مكان فهي في البيت والشارع والعمل.
هل تريدين الزواج والسعادة والاستقرار.. أم تريدين النكد والغم.. وبعد زوجك عنك بمجرد انتهاء شهر العسل.. إن كان هناك عسل في الأصل؟!
إن التعلق والعشق الذي حدث بينك وبين مديرك هو من أخطاء وسلبيات الاختلاط المحرم القاتلة بين الرجل والمرأة التي لا تحل له.. وهو يؤدي إلى نتائج سلبية فظيعة.. فأنت الآن تحبين مديرك وإذا لم تتزوجيه ظللت في علاقة محرمة.. وإذا تزوجتيه لم يستقر زواجك في الغالب ولن يصل إلى شاطئ الأمان.
وما ترينه اليوم من مديرك وما يراه منك اليوم يختلف الحال عنه بعد زواجكما.. فاليوم عشق بلا مشاكل ولا تعب ولا مصاريف ولا كيد ومكر من الزوجة الأولى.. ولا شكوى من عدم العدل بينك وبين الزوجة الأخرى.. فلا تقيسي أيام زواجك القادمة من أيامك الوردية هذه.
فاليوم لا يقدم لك مديرك سوى كلمات الغزل والحب والإعجاب ومقارنتك بزوجته الحالية وسرد مجلدات في مميزاتك وعيوبها.. وهذه الأمور يحسنها هذا الصنف جيدا.. فاليوم حب وغرام بلا مسئولية.. وغدا مسئولية شديدة قد ينجح فيها أو يفشل.
فلا تحكمين باليوم على الغد.. ولا تحسبين أن الحب كالزواج.. فالحب الآن في عرفك وعرف كثير من الشباب لا يحتاج إلا للكلام المعسول فقط.. أما الزواج فهو مسئولية ورجولة وعطاء ومودة ورحمة وإيثار وكرم وعدل ورفق..الخ
ابنتي الغالية /
لا تتسرعي في هذا الزواج نتيجة اقتراب سنك من الثلاثين.. وتأكدي من دوافع مديرك الحقيقية.. وجديته في الزواج منك.. فهناك من أمثال مديرك هذا من يهرب من بعض مشاكله مع زوجته الأولى أو أولاده بالرغبة في الزواج من أخرى.. مجرد الرغبة التي لا يستطيع أن يخطو خطوات جادة نحوها.. أو نحو تأثيث بيت آخر مستقر ومستقل ماديا ونفسيا وأدبيا.
وبعضهم يدفعه الفتور العاطفي لزوجته الأولى إلى البحث عن العواطف الدافقة في فتاه يبثها مشاعره وتبثه مشاعرها.. ويبادلها الحب وكلمات الإعجاب التي افتقدها منذ سنوات طويلة.. ويجد فيها من تهتم به وبآلامه وأحزانه.. ويجد فيها من يبثها شكواه بعد أن تخلت زوجته عن هذا الدور الهام.. وهو في نفس الوقت لا يريد أكثر من ذلك.. فهو لا يريد هذه الفتاه للزواج والمسئولية وتكرار الإنفاق وإنجاب الأولاد.. فكل ذلك عنده ولا يبحث عنه.
فهل هذا المدير يريد الزواج فعلا.. أم أنه يريد العاطفة والحنان والاهتمام؟!
ابنتي الغالية /
قبل إقدامك على مشروع زواجك من هذا الرجل أجيبي مع نفسك على هذه النقاط الهامة:
هل أنت مستعدة نفسيا للقبول والرضي بالعيش والحياة مع زوج جاوز الخمسين وقارب الستين؟
وهل ستقفين إلى جواره وتتحملين غيابه عنك.. وتتعالين على مشاعرك وعواطفك عندما يذهب إلى زوجته الأولى.. التي قد تفرض عليه البقاء عندها أكثر منك؟!
يا ابنتي أنت عندما تتزوجين رجلا فإنك تتزوجينه وأسرته.. فضلا عن زوجته وأولاده ..وعندما يتزوجك رجل سيتزوجك وأسرتك.
والغريب في مشكلتك أن مديرك هذا لم يفاتحك يوما في التقدم لأسرتك.. كما أنك لم تذكري لنا رأي والدك في الأمر ورأى زوجة هذا المدير وأولاده في زواجه منك.
كل هذه الأمور تستحق منك الإجابة عليها بصدق وشفافية.. بعيدا عن جيشان العاطفة التي لا يحكمها عقل سديد.
وأوصيك أن تكثري من الاستخارة والدعاء أن يرزقك الله زوجا صالحا وذرية طيبة.
وختاما لك تحياتي ودعواتي بكل خير.
أخوك د/ناجح إبراهيم |