أجابت عليها أ/ سميرة خليل.. المديرة بجامعة الإسكندرية
قبل أن أبدأ بالحديث أود أن أرحب بالابنة العزيزة منار.. وأشكر لها تلك الثقة الغالية بموقع الجماعة الإسلامية العزيز إلى قلوبنا جميعا ً.. وأقول لها:
لما كانت الأسرة نواة المجتمع الإسلامي.
فقد حرص الإسلام على توثيق دعائمها، وإرساء مبادئ المحبة والتواد و التراحم بين أفرادها .. وقد جاءت سنة رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام مؤكدة لذلك .
كما أخبر عليه الصلاة والسلام بأن صلة الرحم ثوابها معجل في الدنيا ونعيم صاحبها مدخر في الآخرة .
إن الأسرة هي نتاج اختيار شقيها - الرجل والمرأة - لكل منهما الآخر .. فالرجل يجب أن يكون حريصا كل الحرص في اختيار الزوجة .. لأن زوجة اليوم هي أم الغد .. يترعرع في أحضانها الأبناء ، ويرتشفون من رحيق أخلاقها وعذب صفاتها ، وغالبا ما يرث الأبناء من آبائهم عادات وتقاليد قد تكون سوية ، فيكون نتاجها أشخاص أسوياء لا تؤرقنا أخلاقهم ولا صحتهم النفسية.
وقد تكون تلك العادات غير سوية، فيكون نتاجها ما يعانى منه الأبناء من مشاكل نفسية مما يؤثر سلبا على العلاقات الأسرية, فتكون النتيجة أسرة مفككة يعانى أفرادها من تدهور العلاقة الأسرية .
وإذا كان الله تعالى قد أودع بفضله جزءا من رحمته قلوب الآباء والأمهات يرحمون به أبناءهم.. ويمنحونهم الحب والحنان.
فمن أعجب العجب أن تنتزع تلك الرحمة من قلوب بعض الآباء .. فإذا بهم يهدمون صرح الأسرة الشامخ بأيديهم.. ويمزقون أواصر الرحم بأفعالهم وتصرفاتهم.. وبدلا من أن يلملموا شمل أسرتهم.. ويحوطون أبناءهم من حولهم، تراهم يغرسون في نفوس أولئك الأبناء بذور الحقد والكراهية والبغضاء نتيجة التمييز بينهم في المعاملة ، وعدم التزام العدل والمساواة التي حضت عليها شريعة الإسلام .
أما فيما يخص الابنة الغالية صاحبة الرسالة ، فأقول لها : إنك يا بنيتى لم تذكري ما يشير إلى عمق المشكلة التي حدثت كما ذكرت - في رسالتك - منذ عشر سنوات والتي أودت بالعلاقة الأسرية والرباط الوثيق الذي يربط أفراد الأسرة بعضهم بعضا .. لكن يا ابنتي - أيا كانت تلك المشكلة – فإنني أود أن أناشد رب هذه الأسرة .
نعم أود أن أوجه إليه كلمة أناشده فيها أن يتحلى بروح التسامح التي حثنا عليها الإسلام .. فسماحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعفوه كانت سببا في إسلام اليهودي الذي آذى الرسول .
إن استمرار الأب والأخ في تمزيق شمل الأسرة أدى إلى مزيد من الفرقة بين أفراد الأسرة ، وكان سببا في الهجر وقطيعة الرحم .. وقد حذرنا الإسلام من العقاب الوخيم الذي ينتظر فاعلهما ، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يجالسني من أمسى قاطع الرحم ، ليقم عنا " .. وهذا الحديث يبين بغض الرسول صلى الله عليه وسلم لقطع الرحم ، وحرصه ألا يجالس قاطع رحم ، وقد أمر الله تعالى بصلة الرحم في مواضع من كتابه فقال : (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) ..
إنني أوجه خطابي لأمثال رب هذه الأسرة , فهو راع ومسئول عن رعيته ، وهو الذي من المفترض أن يؤلف بين قلوب أبنائه ، ويحل مشاكلهم ، ويفصل بالعدل بين نزاعاتهم .. لا أن يكون هو طرفا في النزاع ، بل خصما مجانبا للعدل ، ومائلا للجور على بعضهم لصالح الآخرين .
فليتق الله ذلك الوالد ، وليدرك دوره ووظيفته ، وليدع ربه كثيرا أن يملأ قلبه بالرفق واللين والرحمة حتى يستطيع أن يعفو ويصفح عن فلذات أكباده .. وكفاه ما كان من القطيعة التي لن يستطيع أن يقف بها أمام الله هاجرا لمسلم أو مسلمة أو قاطعا لرحم .. فكيف بقطع أولاده وبناته الذين هم أقرب الناس إليه .
أما بالنسبة للأخ الأكبر .. فإنني أخاطب فيه العقل ، فهو الأخ الأكبر ، وتقع على عاتقه مسؤولية إصلاح ذات البين لقربه وعلاقته الحميمة بالأب لذا فإنه يسهل تأثيره عليه لإعادة لم شمل الأسرة مرة أخرى .. وليعلم أن خصومه الذين يهجرهم ويقاطعهم إنما هم إخوته : عدته في الدنيا ، وسنده في مواجهة شدائد الحياة .. إنهم أعمام أولاده وعماتهم .. وهم من أنجبتهم جميعا أم واحدة .. فضمتهم رحم واحدة .. وسقاهم ثدي واحد .. وأذكره بالحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى قال : "أنا الله ، وأنا الرحمن ، وأنا الذي خلقت الرحم ، وشققت لها اسماً من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها قطعته ".
وإذا كنت قد وجهت حديثي لأخيك الأكبر.. فلا يفوتني أن أسجل سلبية شديدة أتلمحها من موقف زوجته، وربما مشاركة واضحة في هذه القطيعة المحرمة.. وكان من المفترض أن تكون زوجة الأخ الأكبر بمثابة الأم لإخوته.. تحنو عليهم ، وترعى أحوالهم .. وإذا بدر من أخيهم أي تقصير في حقهم تكون هي الناصحة الموجهة لزوجها ألا ينسى حقوق إخوته عليه.. ولكن الواقع للأسف يشهد بعكس ذلك ... فلتحذر تلك الزوجة من عواقب إعانة زوجها على هذا الإثم .. فقطع الأرحام من الكبائر التي تعجل لأصحابها العقوبة في الدنيا قبل الآخرة .
أما أنت أيتها الابنة الغالية .. فأقول لك : استمري في محاولتك في لم شمل أسرتك بزيارتك لوالدك ، ولا تيأسي .. وأذكرك بأن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن لي أرحاما أصل ويقطعوني ، وأعفو ويظلموني ، وأحسن ويسيئون إلي .. أأكافئهم ؟ قال : "لا .. إذا تشتركون جميعا , ولكن خذ بالفضل وصلهم فإنه لن يزال معك ظهير من الله ما كنت على ذلك ".
ولنا في رسول الله يا ابنتي الأسوة الحسنة ، واتجهي إلى الله بالدعاء لوالدك وأخيك بأن يرشدهما إلى أهمية صلة الرحم عند الله سبحانه ، وكم حث عليها في الآيات لعلهما ينهيا هذه القطيعة التي طال أمدها.
ويمكنك أيضا أن تستعيني بأحد من أقربائك أو أصدقاء أخيك ، ممن لهم في نفسه مكانة ومنزلة .. فأمثال هؤلاء أقرب لأن يجدوا من أخيك أذنا صاغية تحذره مما هو فيه من تعاون مع زوجته ووالده على الإثم والعدوان.. وليس أشد إثما عند الله تعالى من أن يقطع الأخ رحمه.. لاسيما إذا كانت أختا ضعيفة أو أخا ً صغيرا ً.. فالأخ الأكبر لإخوته بمنزلة الوالد لأولاده الصغار.
وأخيرا ً:- دعواتي لك ولأسرتك أن يجمع الله شملكم جميعا .. وأن يصلح ذات بينكم .. وأن يهدي والدك وأخاك لتنالوا رضوان الله ، وتكونوا ممن ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف : "ما خطا عبد خطوتين أحب إلى الله تعالى من الخطوة إلى الصلاة ، وخطوة إلى ذي الرحم المحرم " .
وفى نهاية حديثي أدعو الله العلى القدير أن تصلنا رسالة أخرى من الابنة منار تبشرنا فيها أن بأن الله سبحانه قد من على تلك الأسرة المسلمة بجمع الشمل.. وصلاح ذات البين .. اللهم آمين |