أولا ً.. أرحب بالابن الغالي ضيفا ً عزيزا ً على موقع الجماعة الإسلامية راجية من الله عز وجل أن نكون عند حسن ظنه بنا ، وأن يستمر التواصل بيننا دوما على طاعة الله سبحانه وتعالى.
الحب عاطفة إنسانية نبيلة، وفطرة بشرية لا تستطيع النفوس السوية التنكر لها أو الانسلاخ منها.. والحب في الله تعالى هو أعلى مراتب الحب الممدوح الذي مدح في كثير من الآيات القرآنية الكريمة.
على سبيل المثال قول الله تعالى: "الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ".. وقوله تعالى : "سَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ" .
وكذلك مدحه الرسول صلى الله عليه و سلم في أحاديث كثيرة ، منها قوله صلى الله عليه وسلم : "سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله - وذكر منهم - ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " .. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
- والحب هو العلاقة الوثيقة التي تربط بين الأفراد ، وتجمع شمل الأمم والمجتمعات.. فالحب الدنيوي بعضه مباح لا حرج فيه ، وبعضه يدخل تحت طائلة النهي متدرجا من الكراهة إلى التحريم بحسب ما يؤدي إليه من مخالفة لأوامر الله عز وجل .
وحسنا فعلت حين قرنت حبك لتلك الفتاة بطلب الزواج منها .. فهذا هو السبيل الأمثل للحفاظ على هذا الحب طاهرا نقيا ، وتنميته وتعزيزه ليكون بذرة إنشاء بيت مسلم يقوم على المودة والرحمة .
- ولكن مادامت تلك الحبيبة لم تستجب لك في رغبتك أن يأخذ ذلك الحب الطريق الشرعي بأن يكون في النور، وتمثله علاقة قد أحلها الله سبحانه ورضي عنها، وتكون تحت سمع وبصر الأهل.. فينبغي أن تكون لك مع قلبك وقفة تراجع فيها تلك العاطفة المتأججة، وتلجمها قليلا بلجام العقل حتى لا تقع في المحظور بموافقتك لتلك الفتاة فيما أرادت من عدم توثيق العلاقة التي بينكما توثيقا مشروعا ً.
أما بالنسبة لحرصك على ألا تكلمها أمام الناس خوفا على سمعتها فأنت مشكور عليه.. وهذه نقطة تحسب لصالحك، وتدل على صدق محبتك لها مع خوفك من الله تعالى.. فجزاك الله عنها خير الجزاء.
- وليت كل شباب المسلمين ينتهجون نهجك في هذا السلوك.. وحتى تتمم سعيك الحسن ليكن حرصك الأكبر على طاعة الله ورضاه , فالله سبحانه لن يرضى عن علاقة لم تكتمل في النور.. وواضح من رسالتك أن تلك الحبيبة ليس لديها استعداد بأن تأخذ علاقتها معك الشكل الرسمي والطبيعي.. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنها تتسلى وتقضى وقتا فحسب
- إن واجبك الآن يا بني أن تدعو الله لها ولأمثالها بالهداية, وما دمت قد حاولت أن تقنعها بأن تصلى وترتدي الحجاب فرفضتك.. فعليك أن تحاول صرف نفسك عن هذا الحب.. مع علمي بأن هذا الأمر من الأمور الصعبة العسيرة.. ولكن كلي ثقة ويقين بأن الله تعالى سوف يعينك ويوفقك لأنك حفظت الله تعالى في علاقتك بتلك الفتاة.. ولتشغل نفسك بما هو أهم من الطاعات والأعمال الصالحة إلى أن يعينك الله على الزواج منها إذا ما اهتدت وأطاعت الله عز وجل، أو من غيرها إن لم يكن لها الحظ في الهداية.
- بني العزيز.. إن الحب الدنيوي إذا سلك طريقا غير سوى تمكن من القلب وقوى سلطانه وأفسد الذهن وأحدث الوساوس.. فحاول ألا تسترسل مع هذا الحب إلا إذا كان خطوة تتبعها خطوات من العلاقة الزوجية المشروعة.. وإلا فأملأ قلبك يا بني بحب الله، وتذكر دائما ً أن قربك من الله العلى القدير سوف يذهب عنك السوء.
- إنك اليوم يا بني أحوج ما تكون إلى أن تعيش بقلبك ووجدانك مع قصة نبي الله يوسف عليه السلام، وأن تتذكر قول الله تعالى: "كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ".. وفى هذه الآية أخبر الله سبحانه أنه صرف عن يوسف السوء من الفعل بإخلاصه واكتمال حبه لله تعالى، فإن القلب إذا أخلص عمله لله لم يتمكن منه العشق الحرام ، فإنه يتمكن من القلب الفارغ.
وكما قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكنا
أرى أنك شاب عالي الهمة ونبيل الهدف.. وهذه الصفات من أهم العوامل التي تحمى دينك، وتحافظ على إيمانك.. فحاول دائما أن تحافظ على تلك الهمة العالية بقربك من الله أكثر وأكثر.. واطلب العفاف يعفك الله، وعمر وقتك بالطاعة، فالفراغ عدو لدود في مثل هذه الظروف.
وتذكر دائما ً أنه ربما يكون انصراف هذه الفتاة عنك خيرا ً لك في دينك ودنياك فلا تبتأس لبعدها عنك.
كما أنصحك يا بني ألا تدعو الله أن يزوجك بفلانة أو فلانة.. فما أدراك أنها الزوجة الصالحة المناسبة لك.. وحتى لو كانت صالحة في نفسها فقد تكون طباعها لا تتوافق مع طباعك.. أو قد لا تنجب منها.. أو يحدث بينكما تنافر وتخاصم بعد الزواج.. إلخ
وكم من مسلم دعا بأن يتحقق له شيء معين في الدنيا.. فلما تحقق له ما أراد كان ذلك وبالا ً عليه.. وهؤلاء يصدق فيهم قول الله تعالى: " وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً ".
- وقد سمعت من د/ ناجح إبراهيم رئيس التحرير قصة طريفة حكاها له الشيخ عبود الزمر حيث قال:
"كانت أمي تدعو دائما ً يا رب تصبح مثل عباس رضوان.. وكان عباس رضوان ضابطا ً في الجيش ثم المخابرات ثم أصبح وزيرا ً ثم سجن مع مراكز القوى في سنة 1971 في السجن الحربي في زنزانة معينة رقم كذا.. فإذا بي أدخل الكلية الحربية وأتخرج ضابطا ً ثم ألتحق بالمخابرات الحربية ثم أدخل السجن الحربي.. فلما أردت دخول الزنزانة قال لي ضابط السجن الحربي:
هل تعرف يا سيادة المقدم زنزانة من هذه التي ستدخلها؟!!
قلت له: لا..
فقال لي: زنزانة عباس رضوان.
وحينها فقط تذكرت أن دعاء أمي قد تحقق بالضبط وأنها دعت بالشر وهي تريد لي الخير".. وهذه القصة فيها من المعاني الكثير والكثير من المعاني ليس هذا وقت بسطها
- وقد سمعت من كثير من العلماء والدعاة أن على المسلم أن يدعو بالأدعية العامة في القرآن والسنة.. فيدعو مثلا ً بالدعاء القرآن العظيم " رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً".. والدعاء الجامع " رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".. فالله أعلم بالمرأة التي ستكون لك قرة عين.. والتي ستعتبر حسنة الدنيا بالنسبة لك.
- أما إذا كان هناك أمر خاص يريده فلا يدعو به ولكنه يستخير عليه.. ومن بين دعاء الاستخارة أن يقول: "اللهم إن كانت تعلم أن أمر زواجي من فلانة مثلا ً خيرا ً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وبارك لي فيه".. وفي هذا الحديث من المعاني العظيمة ما يضيق به المجال.
وأخيرا ً.. أسال الله تعالى أن يهدى فتاتك إلى طاعة الله سبحانه, وأن يقارب بينكما إذا ما كان هذا القرب خيرا ً لكما .. ويباعدكما إذا ما كان البعد خيراً لكما.. كما في قول الله تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ". |