الأخ الحبيب / الشاب المسلم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتحية من عند الله مباركة طيبة وسلاماً عاطراً أرق من نسيم الصباح, وبعد..
أنت تعاني من الحياء الشديد الذي زاد عن الحد المحمود حتى سبب لك تقصيرا ً في التواصل الاجتماعي مع الآخرين.. ودرجة من الرهاب الاجتماعي وخاصة في صغرك .. ولكنك بذلت مجهودا ً كبيراً للتخلص منه بعد دخولك الجامعة ونجحت في التخلص من الآثار الاجتماعية السلبية التي أصابتك من قبل .. بفضل الله ثم لاجتهادك في حل مشكلتك والتصدي لها.
الأخ الحبيب/ الشاب المسلم
إن واجب الإنسان الاجتماعي نحو من حوله يتلخص في نقطتين:
الأولي: القدرة علي بناء شبكة اجتماعية قوية ومتينة وعلي أسس دينية وأخلاقية صحيحة.. وهذه الشبكة الاجتماعية تتجاوز العلاقة الوطيدة والقوية مع الوالدين والأشقاء والأقارب والجيران والأصدقاء وزملاء العمل لتتسع إلي بناء روابط إنسانية قوية حتى مع الذين يخالفوننا في الدين أو العقيدة.. علي أساس المخالقة المحمودة وليس الموالاة المذمومة تطبيقا ً لقوله تعالى: (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً), وأمره صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن), الناس كل الناس, فلم يقل ص وخالق المسلمين بخلق حسن.
الثانية: الحفاظ علي الشبكة الاجتماعية التي قمت ببنائها وتطويرها بين الحين والآخر, وذلك يتطلب منك التخلق بأخلاق الإسلام من الحلم والرفق والزهد والعفة والكرم, وغيرها من أخلاق الإسلام وهي التي تجعل الناس تحبك وتقبل عليك وتمدحك حتى في غيابك وتمد سيرتك الحسنة عبر الزمان والمكان لتتجاوزهما جميعا ً.
والآن وقبل أن أتكلم عن مشكلتك أود أن أطمأنك وأطمأن أمثالك إلي أن الحياء الشرعي الذي مدحته الشريعة لا يأتي إلا بخير كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن عمران بن حصين: (الحياء لا يأتي إلا بخير), فلما ذكر عمران هذا الحديث الشريف قال له بشير بن كعب: " إن منه ضعفا وإن منه عجزاً " فغضب عمران من بشير وقال له: " أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيئني بالمعاريض, لا أحدثك بحديث ما عرفتك".
لقد غضب عمران لأن الحياء الشرعي المحمود الذي مدحه الرسول صلى الله عليه وسلم يختلف عن الخجل والضعف الاجتماعي المذموم الذي تحدث عنه بشير وكان معروفا ًمن قبل عند العرب أيضا, وهذا فيه ضعف عن طلب الحق أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن النفس أو المال أو العرض أو الوطن أو الدين, أو الدفاع عن حق مشروع من حقوق الدنيا والدين.
والحياء الشرعي يفيد الإنسان ولا يضره ويقوي عزيمته ولا يضعفها نعم قد يدفعها إلى مزيد من العفو والصفح والرغبة في السلام الاجتماعي والإنساني مع الآخرين, ولكنه لا يصدر إلا عن نفس قوية تتسامح مع الآخرين وتحب رحمتهم رجاء ما عند الله, ولذا فإن هذا الحياء هو الذي ينقص مجتمعاتنا وشبابنا اليوم.. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على رجل من الأنصار وهو يعاتب أخاه علي الحياء كأنه يقول له: " قد أضر الحياء بك " فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه فإن الحياء من الإيمان).
فعليك أخي الحبيب أن تحمد الله على ما حباك به من الحياء الشرعي في الوقت الذي تعالج فيه ما تطرق إليه من رهاب وضعف اجتماعي أو عدم قدرة علي المشاركة الاجتماعية الإيجابية, والخلاصة أن فيك خلق الحياء الطيب ولكنه امتزج بشيء غير مطلوب فيه, فعليك ألا تخلط بين الأمرين أو تحاول إلغاء الاثنين معا, فقد أكرمك الله بأعظم خلق.
فلا تحاول وأنت تعالج الرهاب الاجتماعي أن تزيل أصل الحياء من نفسك أو تقتلع جذوره من قلبك فتكون كالذي أراد قطع فرع فاسد من الشجرة فاقتلعها جميعا فخسر كل شيء, وتذكر أن خلق الحياء المشروع يعد من أفضل الأخلاق وأعظمها قدراً وأكثرها نفعا ً بل هو خاصة الإنسانية فمن لإحياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم " ولولا هذا الخلق لم يقر الضيف ولم يوف بالوعد ولم تؤد أمانة ولم تقضي لأحد حاجة ولا سترت عورة ولا امتنع أحد عن فاحشة ولم يرع أحد لمخلوق حقا ً ولم يصل رحماً ولا بر ولد والداً " كما يقول ابن القيم رحمه الله إذا ً أنت فيك خير وشر ونفع وضر ومصلحة ومفسدة فحافظ علي الخير والنفع والمصلحة ثم تقدم إلي الرهاب الاجتماعي والضعف الإنساني في مواقف الخير والحق فعالجهما.
والعلاج يتلخص في حاجتك إلي التدريب الميداني الاجتماعي فتحدث عن آرائك وأفكارك للآخرين, وجرب أن تشرح لآخرين درساً في السيرة أو تدعو إلي الله في مسجد أو تخرج في رحلة صالحة مع أناس صالحين واختلط بمرؤوسيك ورؤسائك.. الخ.
وقد نجحت من قبل في ذلك فجرب المزيد ولا تتصور أن السياسيين والخطباء والدعاة الكبار لم ترتجف إطرافهم ولم تصطك أقدامهم حينما حاولوا الحديث أو الخطابة أمام الآخرين أول مرة, فهذا وليم راني الذي كان مقاتلا ً شجاعاً اعترف أن ركبتيه اصطكتا لدي محاولته الحديث أول مرة.
وهذا غرانت فيكسبورج قائد أعظم جيوش العالم حدث عنده خوف شديد في أول مرة تحدث فيها إلي الناس, وإن الثقة في الله ثم في النفس هي المفتاح الأساسي للتغلب علي الرهاب الاجتماعي وتحويل العيب الذي تعاني منه إلي مميزات هائلة في شخصيتك, وكما أن الطريقة الوحيدة لتعلم السباحة هي عدم الخوف من الماء بل والغوص فيه.
فكذلك الطريقة الوحيدة للتخلص من الرهاب الاجتماعي هو الانغماس في الحياة والاختلاط بالناس ومحاولة إسعادهم وقضاء مصالحهم وخدمتهم وتفريج كرباتهم فإذا صنعت لهم الخير أحبوك وسعدوا بالقرب منك وسعدت بالقرب منهم وكما استطعت أن تجتاز امتحانات الكلية الشفهية في مشروع التخرج, وكما استطعت أن تتعامل في الشركة التي تعمل بها مع مرؤوسيك ورؤسائك ستستطيع بإذن الله تعالي التعامل مع المجتمع كله بسهولة ويسر.
إن أقوى الدوافع للإنسان هي الدوافع الداخلية أو الذاتية وقد يطلق البعض على هذه الدوافع الذاتية (الإرادة), ويقول الدكتور إبراهيم الفقي عن هذا النوع من الدوافع بأنه أقواها وأكثرها بقاءً حيث أنك بهذه الدوافع تكون موجهاً عن طريق قواك الداخلية الذاتية.
وأنت تمتلك إرادة قوية ودوافع ذاتية فولاذية جعلتك من قبل تصل إلى أرقي الكليات وتتخرج فيها بتفوق وتحل مشكلة المواجهة الشفهية مع أستاذك في مشروع التخرج وتنجح مهنياً واجتماعياً في عملك الجديد وتنال ثقة رؤسائك ومحبة مرؤوسيك, واعلم أن ما تفتقده أنت أسهل بكثير مما يفتقده غيرك, فهذا أعمى وهذا أصم وهذا قعيد وهذا ضابط بترت ساقاه في الحروب ولكنهم جميعاً تجاوزوا محنتهم وتغلبوا عليها وتفوقوا على صعوبات الحياة التي واجهتهم وهي أشق بكثير مما واجهته وتواجهه.
حكي لي أحد الأخوة عن والدته الكفيفة إنها كانت تستطيع إدخال الخيط الرفيع في الإبرة وذلك بمجرد الإحساس وكانت تطبخ وتوقد البوتاجاز بنفسها فقلت له: وكيف تعرف إن الطعام قد نضج؟!, قال: لقد كانت تعرف أن البصلة تم تحميرها من رائحتها وهو ما تخطئ فيه بعض السيدات المبصرات.
وحكي لي عن أشياء مذهلة في تغلبها على صعوبات كف البصر وأرى أن من أقوى الدوافع أيضاً التي ستعينك علي تجاوز مشكلة الرهاب الاجتماعي هو انخراطك في الدعوة الإسلامية.. جرب مثلاً أن تخرج مع إخوة التبليغ والدعوة ليلة ثم ليلتان ثم ثلاث ليالي, جرب أن تتحدث إلى الناس في المسجد, جرب أن تعطي درساً يومياً قصيراً بعد صلاة المغرب مثلاً.
اعتبر أن هذه تحديات يجب عليك تجاوزها وعليك بالإصرار على اجتيازها ومحاولة ذلك وسوف تنجح لا محالة في ذلك شريطة أن تثق في الله ثم في قدراتك وفي صواب رأيك وفي أن عقلك لا يقل إن لم يزد عن عقول الآخرين.
شريطة ألا تنقلك هذه التدريبات إلى ترك الحياء السني المشروع أو الوقوع في معصية أو أن يزين لك بعض شياطين الأنس أنك لن تتغلب على الرهاب الاجتماعي إلا بالاختلاط المحرم مع البنات أو شرب السجائر والمخدرات ونحو ذلك من المنكرات التي تنقلك إلي خانة أسوأ وأضل من خانة الرهاب الاجتماعي نفسه.. وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه, وختاما لك دعواتي وتحياتي. |