|
الموقع يفتح ملف التعليم.. تجربتي في مجلس الأمناء بقلم أ. عبد العزيز محمود
هذه تجربة حية واقعية خضتها وخرجت منها بانطباعات عديدة، واستخلصت منها عبرة ودرسا وعظة ملخصها: لا تحكم على تجربة من عنوانها.. لا تنبهر بالكلام المعسول ولا تثق في الوعود.. فما أسهل الكلام، وما أسهل إطلاق الشعارات الكبيرة والتفوه بالمعاني الضخمة الفخمة.. ويبقى المحك، ويظل الحكم على التجربة – أي تجربة – رهين تطبيقها على أرض الواقع.. ورؤية مفرداتها وبنودها وتفاصيلها تتحرك بيننا وتترك أثرها المرجو في حياتنا.
ومجلس الأمناء هو ما كان يطلق عليه في غابر الزمن (مجلس الآباء).. وبما عرف عن المسئولين عن التعليم في مصر من ولعهم بالتبديل والتغيير والإحلال والتحديث، تم تغيير الاسم.. فتحول بقرار وزاري من (مجلس الآباء) إلى (مجلس الأمناء).
قلت: ليس المهم تغيير الاسم فقط ، المطلوب هو تغيير المحتوى والرقى بالمضمون وتبديل المنهج، فنحن نريد تغييرا في المعنى لا في اللفظ.. وفي المسمى لا في الاسم.
المهم أصدرت وزارة التعليم قرارها الجديد، آملة في تغيير الأوضاع وتخفيف الأوجاع، والقضاء على الروتين، وتحريك الماء الراكد في نهر مسيرة التعليم.
وكان القرار من بندين:-
البند الأول: إلغاء مجلس الآباء على مستوى مدارس الجمهورية.
البند الثاني: إنشاء بدلا منه مجلس الأمناء.
قلت: لا مشاحة في الاصطلاح.. فلا فرق بين مجلس ومجلس.. ولا بين الآباء والأمناء.. فمن ناحية اللفظ واضح جدا ما بينهما من (جناس)، ومن ناحية المعنى فالآباء أمناء بطبيعة الحال، ولن تجد أمينا وحريصا على مصلحة التعليم وراغبا في إصلاحه من الأب الحريص أكثر من أي شخص آخر على أن يتلقى ابنه أرقى مستوى تعليمي.. وأن تقدم له جميع الخدمات الكفيلة بتوفير الجو المناسب الذي يساعده على التفوق والنبوغ.
فلو قلنا (مجلس الآباء) فمرحباً.. ولو قلنا (مجلس الأمناء) فأهلاً وسهلاً.. ولو زدنا وجعلناه تابعاً أو متبوعاً.. وصفة أو موصوفاً – حتى لا يظن أحد أنه مجلس تابع للأمم المتحدة أو الجامعة العربية – وقلنا (مجلس الآباء الأمناء)، فلن نكون قد جاوزنا الصواب أو جانبنا الحقيقة.
كل هذا لا يهم ولا يفيد، المهم هو ما وراء تغيير الاسم؟ ما هو الجديد؟ ما الذي تغير في البرامج والسياسات وطريقة العمل والأسلوب.
المهم.. أعطى الوزير الجديد صلاحيات أوسع وأكبر للمجلس الجديد تتيح له مزيدا من فرص الرقابة والمشاركة في تطوير الأداء والارتقاء به داخل المدارس.
قلت: مهما أعطى للمجلس الجديد من صلاحيات، فلا أظن أنه بقادر على أداء مهامه وواجباته إلا إذا وضع له برنامج عمل محدد يتضمن النقاط التالية:
- تحفيز المدرسين المتميزين المخلصين ومكافأتهم بهدايا رمزية.
- محاسبة المدرسين المقصرين المهملين أو المهتمين فقط بمصلحتهم الشخصية عن طريق إعطاء الدروس الخصوصية.
- تحفيز الطلبة المتميزين عن طريق إجراء المسابقات بينهم في المواد العلمية المقررة عليهم ومكافأة الفائزين.
- محاولة النهوض بالطلبة ذوى الإمكانيات المحدودة ومعالجة القصور بطريقة علمية مع دراسة الأسباب بالتعاون مع الأخصائي الاجتماعي.
- عمل لقاءات ثقافية وترفيهية ورحلات للطلبة.
- الاهتمام بالحضانة التي تمتلك الكثير من الإمكانيات والألعاب التي لا تخرج أبدا من مخزن المدرسة.
- الحرص على نظافة المدرسة والمشاركة في تجميلها عن طريق إنشاء حديقة صغيرة بها، والاهتمام بالملعب المخصص بالطلبة وذلك بالجهود الذاتية التي يقوم بها المجلس.
- الحد من ظاهرة تكدس الفصول ووضع ضوابط لعدد الطلبة في كل فصل.
- الحد من صلاحيات وامتيازات المدرسين المنخرطين في مافيا الدروس الخصوصية، وذلك بمنعهم على الأقل من المشاركة في الكنترول الخاص بالامتحانات.
هذا باختصار برنامج عمل بناء لمجلس (آباء أو أمناء) حقيقي وفاعل.
المهم، انطلقنا تحت العنوان الجديد وبالاسم الذي قررته الوزارة الجديدة.. انطلقنا من الصلاحيات التي أعطاها الوزير الجديد للمجلس في محاولة جادة منا للتصدي لمظاهر الفساد المستشرية في المدرسة.
وفي غمرة حماسنا، صدمنا أولا بمدير المدرسة الذي كان لا يزال يعيش في زمن (مجلس الآباء).. ذلك المجلس الذي يختاره هو بنفسه حسب مزاجه وهواه، وهم مجموعة من أولياء الأمور الذين لا علاقة لهم بالتعليم، ولا رغبة لديهم ولا خبرة عندهم في مجال تطوير العملية التعليمية.. يرأسهم من كان يطلق عليه قديما (رئيس مجلس الآباء) وهو شخص ليس له أي دور سوى التصديق على أوامر وقرارات وأفكار والهامات السيد المدير.. وهذا المجلس بشكله هذا قد يمر عليه العام بأكمله دون أن يجتمع مرة واحدة.
أراد مدير مدرستنا الوقور أن يختار مجلس الأمناء الجديد بنفس الطريقة القديمة البالية، ولكنه فوجئ هذه المرة بمجموعة من المثقفين المهمومين بقضايا وطنهم، المخلصين في إصلاحه.. تصدوا لرغبته في تشكيل مجلس على هواه، وقاموا بإجراء انتخابات لاختيار مجلس جديد.
تكون المجلس من ستة أعضاء بالانتخاب، معهم ثلاثة آخرون قام بتعيينهم مدير المدرسة.
والنتيجة كالآتي: عام بأكمله قضاه مجلس أمنائنا في محاولات مستميتة للقضاء على الفوضى والفساد والمجاملات والمحسوبية والتقصير والإهمال والنفعية والدروس الخصوصية وغيرها من المظاهر الشاذة داخل المدرسة دون جدوى.
لقد كان المدرسون والإداريون ينظرون إلينا باستغراب وتعجب، كأننا مخلوقات فضائية هبطت عليهم من كوكب آخر.
والواقع أننا لم نستطع فعل شيء، فالفساد ضارب بجذوره في الأرض السابعة التي تقع أسفل المدرسة.. ولاقتلاع هذه الشجرة الخبيثة من جذورها.. نحتاج إلى قوة جبارة خارقة (لا يمتلكها بالتأكيد ستة أعضاء لمجلس أمناء مدرسة صغيرة).. هذه القوة التي باستطاعتها هدم أسس الفوضى وأركان اللامبالاة وقواعد الأنانية وأعمدة الإهمال وسقف الروتين.
نعم لم نستطع فعل شيء – للأسف الشديد – فالمافيا الخفية التي ترغب في بقاء الوضع على ما هو عليه استطاعت التأثير على الوزير – الذي كان متحمسا للإصلاح في بادئ الأمر -.. عاد الوزير وقلص من صلاحيات المجلس، بل وحل جميع المجالس السابقة وفوض مدير المدرسة بعمل مجلس أمناء جديد عن طريق الانتخاب أيضا في العام الدراسي الجديد.
وبعد أن كانت مدة مجلسنا ثلاث سنوات أصبح بقدرة قادر منتهياً.. وهذا بالطبع ما كان يتمناه ويرجوه مدير المدرسة، وكأنه تخلص من صداع المراقبة والمحاسبة الذي كان يسببه له مجلسنا المشاغب.
وبالفعل فوجئنا في العام الدراسي الجديد بمجلس آخر معين من قبل مدير المدرسة.. لم تتم الدعوة لانتخابه، ولا ندرى على أي أساس تكون.
قلت: في النهاية كل ما يتم من تغيير إنما هو تغيير في الشكل فقط وفي الأسماء والعناوين.. ونحن نحتاج من أجل تطوير التعليم تغيير في المناهج والسياسات والمضامين.
نحن أحوج ما نكون في المرحلة القادمة إلى تجنيب بلادنا أخطار الأفكار التقليدية والقيادات الضعيفة أمام تأثير أعضاء مافيا الدروس الخصوصية.
نحن بحاجة إلى تكاتف كل الجهود.. بحاجة إلى قدرات وعطاء وبذل كل المخلصين في هذا الوطن للوقوف صفا واحدا في مواجهة الفساد الذي تمكن من معظم مؤسساتنا وانتشر في معظم هيئاتنا ومدارسنا وجامعاتنا كالوباء.
نريد عمل وجهد وإخلاص وبذل ومراقبة ومحاسبة ومشاركة وتكاتف وتعاون الجميع.. وألا تقتصر جهودنا فقط على الشكليات والشعارات والعناوين، إن كنا فعلا جادين في تطوير التعليم.
عودة الى قضايا معاصرة
|