الموقع يفتح ملف التعليم.. سيل البراشيم بقلم أ. إسماعيل احمد
صورة حية من إحدى لجان الامتحانات بصعيد مصر:
"إن النهوض بالتعليم في مصر هو اللبنة الأولى للنهضة الشاملة.. هكذا فعل محمد علي باشا عندما أسس مصر الحديثة وهكذا..."
ـ انتظر قليلاً يا أستاذ !هل تريد أن تكتب عن التعليم؟
ـ هكذا طلبوا مني.
ـ حسناً ولكن هل تسمع قصتي أولاً؟
ـ وما قصتك ؟ ومن أنت ؟
ـ لا يهم الاسم ..لكنني مراقب دور في امتحانات الشهادة الإعدادية بإحدى مدارس البنين بمدينة من مدن جنوب الصعيد.. أما قصتي فهي تبدأ منذ أيام حين بلغني نبأ ترشيحي للمراقبة في مدرسة البنين فاسترجعت لفظاعة ما كنا نسمع عن اللجان هناك ولاسيما ما يحدث في اليوم الأخير حيث نكون أشبه بحكام الدوري العام لا نخرج إلا في حراسة الشرطة.
وفي يوم الأحد الماضي ذهبنا لمراجعة اللجان والتأكد من الأسماء وأرقام الجلوس.. وبعدما انتهت المهمة وجدنا وجبةً شهية في انتظارنا فراخ وصواني .. "خير يا جماعة ده كرم ضيافة ولا حاجة تانيه".."لا عيب ده كرم الضيافة إحنا مش زملاء وبلديات ولا إيه ؟"
ـ أصل الغش حرام وأنا لا أسمح به في اللجان عادةً.
ـ يا أستاذ عيب هو إحنا طلبنا منك حاجة زى كده.
ـ الحمد لله الواحد كان شايل هم الأكل.
اليوم الأول: الثلاثاء
ما قبل انعقاد اللجان.... يبدأ العمل بالنداء على التلاميذ ثم فرز الأوراق ثم تبدأ اللجان.. وما إن بدأت حتى تسلق قرد أقصد طفل صغير سور المدرسة وراح يتلو من الكتاب فصرخت فيه انزل يا ولد.. فقال بكبرياء: لا وأعلى ما في خيلك اركبه.. صحت أين الأمن ؟ فجاءني شاويش يلهث من الإجهاد من قبل أن يبدأ العمل فقلت أنت وحدك الحراسة في هذه اللجنة.. قال: نعم قلت اذهب لهذا الولد الذي يتسلق السور.. فهتف به من مكانه انزل يا ولد.. ولم يتحرك الولد بل استمر في القراءة.
وبعد دقائق فوجئت بجمهرة من أولياء الأمور يقتحمون اللجنة وبأيديهم أوراق.. وجاءتني أم أحد التلاميذ بيني وبينها قرابة وأخذت تبكي بحرقة: ولدي يا أستاذ لم يكتب حرفاً واحداً في ورقته أرجوك ده يتيم.
وصاح أحد المدرسين العاملين بالمدرسة بالعامل :"الأولاد طالبين شاي شوف مين عاوز!"وفعلاً بدأ العامل يدور بين الطلبة.. وبعد قليل فوجئت بأولياء الأمور يحملون في جيوبهم براشيم ويحاولون إدخالها اللجنة.. واستوقفت بعضهم وأخذت ما كان معهم.. وتعجبت أنها إجابات الامتحان بالتمام والكمال.
وطوال ساعتين هما عمر اللجنة الأولى لم يتوقف سيل البراشيم مرة مع عامل الشاي ومرات مع الإداريين.
وكأنما أصيب الأولاد بنوبة إسهال وإذا بالطوابير أمام الدورات والولد منهم يغيب بالعشر دقائق في الدورة واحترت هل أتابع اللجان أم الدورات ؟ وطلبت من أحد العاملين أن يصطحب الطلبة إلى الدورة.
ومن الحيل الطريفة جاء طالب وعلى رأسه كاب مما يلبسه الشباب هذه الأيام فقلت له انزع هذا الكاب فإذا تحته ورقة.. وبينما أتمشى في الدور رأيت ملاحظاً يهرول إلى اللجنة فمشيت خلفه فإذا هو ينذر زميله وإذا بالآخر يلم أوراقاً من الطلبة وإذا هي إجابات نموذجية لامتحان اليوم.
واشتد بي الغضب وهددت بإلغاء امتحان أي طالب أجد معه مثل هذه الأوراق والمدرس العامل بالمدرسة يضاحكني تارة ويرجوني تارة ويدعو علي تارات.
وبالمناسبة حين يقول لي ولي الأمر أو الطالب حسبنا الله ونعم الوكيل فيك هل تقبل دعوته ؟ مع إني لم أظلمه في شيء..
المهم انقضى اليوم الأول بين كر وفر حتى جاء وقت الانصراف وإذا بالطلاب ينهالون بالضرب على أحد زملائهم لأنه لم يغششهم قلت في نفسي وماذا ينتظرني أنا ؟؟
اليوم الثاني: الأربعاء
نحن أربعة فقط من بين المراقبين والملاحظين الذين لا يسمحون بالغش مدرستان ومدرسان أما الباقون..!! والسيد رئيس اللجنة يلتزم مكتب المدير طوال النهار و لا يخرج إلا قليلاً.. ويتكرر السيناريو بنفس الترتيب قراءة عشوائية ثم يتسلل الامتحان بطريقةٍ ما إلى خارج اللجنة ثم يبدأ سيل البراشيم.
لكننا اليوم أغلقنا الباب في وجه الآباء وأولياء الأمور فقاموا مشكورين بتحطيمه.. وجاءت الأم البائسة لتعيد على مسامعي ظروف ولدها الذي لم يكتب كلمة واحدة وراحت تذكرني بالرحم والقرابة وتسهب في شرح الظروف البائسة التي يشترك في المعاناة منها معظم المصريين.. وأنا انتحل المعاذير مؤكداً عجزي عن المساعدة.
لا تتخيل أنني قاسي القلب بل العكس أنا أقدر جهد النابهين من الطلاب وقد وجدت ولداً يبكي في آخر اللجنة لأنه نسي أن يكتب حديثاً وسلم الورقة فاستسمحت الملاحظ حتى يرد له ورقته وفعلاً كتب الولد الحديث الناقص لأنه طالب مجتهد جدير بالرعاية.. وقد تعرضت بسبب ذلك لإلحاح طالب آخر من إياهم لم يكتب كلمة من بداية اللجنة.. لكنه لما رآني أعطي زميله طالبني بورقته ولما رفضت وقلت له :"وماذا ستكتب إذا كنت لم تكتب شيئاً منذ البداية ؟ فقال: المهم أن تعطيني الورقة مثله ورفضت ثم وجدت الولدين يتصارعان لا أدري لماذا.
وجاءني أحد أولياء الأمور يهددني صراحةً "البحبحة.. وإلا!" ولم أخرج إلا بصحبة أحد الأصدقاء.. من يدري ؟
اليوم الثالث: الخميس
جاء السيد مدير عام التربية والتعليم بالإدارة في الصباح الباكر اليوم فاستبشرت خيراً لابد أنه سمع بما يجري في المدرسة فجاء يضع حداً لهذه المهزلة.. وعقدت العزم أن أخبره بأسماء الزملاء المتساهلين في الغش.. لكنه استقبلني بوجه متجهم وقال:" يا أستاذ منذ اليوم وحتى آخر الامتحانات أنت في الاحتياطي قلت:" ولماذا ؟" قال :هو كده ، من غير ليه !.
ورغم ارتياحي لهذا القرار الذي أزال كل هواجسي بشأن اليوم الأخير للامتحان لكنني شعرت بشيء من الإهانة ورحت أتساءل هل من مجيب يسمع بهذه الكارثة البيئية ويتحرك لمنعها.
نسيت أن أقول: هذه المدرسة فازت بالمرتبة الثالثة في احدي المسابقات التي أجرتها الإدارة تحت اسم: التميز.. وموضوعها إعادة تأهيل التلاميذ الذين لا يحسنون الكتابة والقراءة بالمرحلة الإعدادية.. يعني محو الأمية من المدارس الإعدادية!؟
بعد ثماني سنوات آلاف الخريجين من الكليات والمعاهد لا يحسنون القراءة غير مؤهلين للقيام بالأعمال الموكلة إليهم.
وملايين المواطنين يلعنون الحكومة لأنها تعين أطباء ومهندسين يساهمون في زيادة نسبة الوفيات.. ويعيدون توزيع الكثافة السكانية في أرجاء البلاد بالعلاج الخاطئ وبالعمارات الآيلة للسقوط .
كما نسبوا لوزارة التعليم أنها أضاعت التعليم بتعيين مدرسين لا يفرقون بين الألف وكوز الذرة.. وقضاة ومحامين وصيادلة.
والشيء الوحيد الذي يبرع فيه هؤلاء الطلاب هو التمثيل مما يبشر بمستقبل زاهر للفن في مصر.. وأيضاً لعب الكرة وإلا فما الذي شغل كل هؤلاء التلاميذ عن المذاكرة.
لكن لماذا يقاوم البعض عملية الغش؟ ولماذا تتحمس المدارس والإدارات لترويج الغش ؟؟؟
أنا شخصياً أقاوم الغش لأنني معقد نفسياً ولا أحب الخير للناس كما يقول البعض.. أو لأنني قليل أصل ولا أقابل الحسنة بمثلها كما قال آخرون.. أو لأنني مثل القطط آكل وأنكر كما قيل.
وللعلم أنا أكلت في اليوم الأول فقط ولما قيل أنها كرم ضيافة: علشان الغش.. لكن الحدق يفهم.. وكل لبيب بالإشارة يفهم.. وأطعم الفم تستحي العين.
إنما أنا أحارب الغش لأن الدين الذي اعتنقه نهى عن الغش وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من غشنا فليس منا ، ولأن لي أولاد يسهرون الليل ليتفوقوا وما دام الغش متاح فهذا يعني اختلاط الحابل بالنابل، ولأنني أخشى على مستقبل بلادي، ألا يكفينا فضيحة ترتيب جامعات مصر بين الأمم؟
وأما لماذا تروج للغش الإدارات والمدارس فهذا سؤال صعب نحاول تخمين إجابته:
أولاً: للحصول على نسبة عالية من النجاح مما يرفع تقديرات المدرسة.
ثانياً: لأن المدرسين طوال العام يركزون على الدروس الخصوصية.. (وبعضهم يسرب امتحان الشهر لتلاميذه في الدرس).
ثالثاً: لتخفيف الزحام في الفصول.
رابعاً :......................................................
(أرجو من كل مهتم أن يمدني بالمزيد من الدوافع لدى الإدارات للترويج للغش)
| الإسم | fwaz الأسوانى |
| عنوان التعليق | الأصلاح السياسى أولاً |
| وعلى من تقع اللائمة يا أستاذى ؟ على أولياء الأمور الذين يلعقون المر حتى ينتهى أبنهم من الدراسة لا لشىْء إلا من أجل شهادة ورقية دبلوم كانت أوليسانس لا تضر ولا تنفع إلا بمحسوبيات ..رأيت بأم عينى شاباً محترماً حاصل على بكالوريوس علوم قسم كيمياء يعمل بمصنع السكر ( يلم البوال ) من على الأرض . !! أم أنها تقع على أنتشار ثقافة الغش خاصة بين المراقبين .. ولما لا وهم قد فقدوا الإنتماء والولاء ممايقرءون ويسمعون ويشاهدون من محسوبيات فجة ، وقد مات الأمل فى عيونهم ، ويعيشون حياة الفقراء بينما المعلم فى دول العالم أعلى كادر وظيفى ( فى فلسطين المحاصرة المعلم مرتبه 2.500 شيكل أى ما يوازى أكثر من أربعة آلاف جنيهاً ) .
أم تقع اللائمة على نظام قد ترهل وتعليم أصبح كارثة .. وأعلم أن حكم شعب من أنصاف وأرباع المتعلمين ومعدومى التعليم بنسبة 14% وبه نخبة قليلة يتم إستمالتها أو إرهابها، أسهل كثيراً من حكم شعب متعلم يطالب بالحرية والتحرر والديموقراطية ويطالب بحقوقه .. لذلك لن ينصلح حال التعليم فى مصر إلا بإصلاح سياسى حقيقى أولاً . |
| الإسم | أم عمر |
| عنوان التعليق | مين اللى فوق؟؟!! |
| الاستاذ الفاضل أنا مدرسة :قبل بداية امتحانات النقل غالبا يعقد المدير اجتماعا هاما ويكون محتواه انه لازم تسهلوا على الطلبة وتحاولوا بقدر الامكان تمنعوا الرسوب وانتم بتصححوا لان دى اوامر جايه من فوق.... وانا بصراحة نفسى اعرف هم مين اللى فوق اللى قلبهم حنين وطيبين جدا؟؟ولا حول ولا قوة الا بالله على حالك يامصرنا الغالية |
| الإسم | مسلمة |
| عنوان التعليق | مش عارفه ازاى |
| اشتغلت مدرسه لمدة حوالى سنتين وكان المدرس الأول للماده اللى انا بدرسها_لغه انجليزيه_بياخد الورق بعد ما نصححه ويقعد بيه فى آخر الفصل اللى بنصحح فيه ويطلع ورقه من جيبه ويغير نتايج الطلبه اللى بياخدوا عنده دروس وأظن بنسبة 99% أن مدير المدرسه كان عنده علم بالكلام ده...
حسبنا الله ونعم الوكيل |
عودة الى قضايا معاصرة
|