هل يمكن للاقتصاد أن يحيا بلا أخلاق؟ بقلم أ. محمد بكري الفيومي
- لقد أثبتت الأزمة المالية العالمية أنه من المحال أن يحيا الاقتصاد في أي أمة عارياً عن الأخلاق متجرداً من القيم والمبادئ.
- والآثار المدمرة التي خلفتها هذه الأزمة خير دليل على ذلك.
- ولك أيها القارئ الكريم بعدما يزيد على قرنين من الزمن أن تسأل:
- أين نظرية القس "روبرت مالتس " الذي ألقى بنظريته الشهيرة في كتاب مشبوه عام1798م.. ولم يجرؤ على وضع اسمه على الكتاب آنذاك تحسباً لرد فعل يمكن أن تحدث من وراء أفكاره التي دعا فيها لإبادة جزء من سكان الأرض من أجل الحفاظ على الموارد التي لا تكفي - على حد زعمه - سكان المعمورة.
- وقد لاقت أفكاره هذه استحساناً من قادة أوربا وهم على أهبة الاستعداد لاحتلال دول العالم في أمريكا الشمالية وآسيا وأفريقيا.. مما حدا به لنشر كتابه حاملاً اسمه دون أي مواراة.
- فأي أخلاق؟! وأي قيم ؟!.. أين أفكار"آدم سميث"،" ريكاردو" و" كينز" ؟!
- أين أكذوبة " محو الطبقية " التي صدع بها الاشتراكيون رءوسنا؟!
- لقد أثبتت الأيام نظرياً وتطبيقياً أنه لا الرأسمالية ولا الاشتراكية تعرفان شيئاً اسمه المبادئ والقيم "فهل يجني العنب من يزرع الشوك ".
- قد أعلن " لينين " في خطابه عام 1910م ذلك بوضوح عندما قال " يجب على المناضل الشيوعي أن يتمرس بشتى ضروب الغش والخداع والتضليل.. فالكفاح من أجل الشيوعية يبارك كل وسيلة تحقق الشيوعية "
- ولم تكن كلمات "لينين" هذه تعبيراً عن وجهة نظر فردية فكل رموز الاشتراكية والماركسية كان على نفس النهج
- وهاهو "ستالين" يكرر نفس الفكرة وإن اختلفت العبارة إذ يقول: " لن نكون ثوريين مناضلين بحق إلا إذا طبقنا دائماً ما تعلمنا من ماركس عن ضرورة استخدام كل الوسائل الأخلاقية وغير الأخلاقية في كفاحنا من أجل الشيوعية "
- لقد سيقت كل المبررات لهذه النظريات ولكنها سرعان ما تهاوت مع تهاوي هذه النظريات.
- لقد كذبوا ظلماً وزوراًعندما زعموا أن موارد الأرض لا تكفي سكانها واليوم بعد هذه الفرية لا يملك المرء سوى أن يكذبهم بنفس تقاريرهم.
- لقد قالت الخبيرة الدولية بمنظمة الأمم المتحدة الدكتورة "ليلى تكلا" أن موارد العالم تكفي 12 ملياراً من السكان بينما عدد من سكان الأرض اليوم لم يتجاوز 6مليارات إلا بقليل.
- إننا لسنا بصدد الحديث عن موارد النظريات الشيوعية أو الرأسمالية فالواقع الذي نحياه اليوم يغني عن تعقبها وإفراغ الوسع في إثبات بطلانها.
- كما أننا لسنا بصدد الحديث أيضاً عن خصائص الاقتصاد الإسلامي الذي يتسم بالربانية في المصدر والهدف وبالثبات والمرونة وبالواقعية وبالتوازن وبأنه جزء من نظام شامل ومن أراد المزيد في هذه فليراجع هذه الخصائص في موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور "علي السالوس" صـــــ21 وما بعدها وكذا الدراسة المنشورة على موقع الجماعة الإسلامية لشيخ "عبد الأخر حماد" في 19/7/2007 وما بعدها.
- ولكننا هنا نعني بتوضيح العلاقة بين الاقتصاد والأخلاق.
- إن الاقتصاد الإسلامي يقوم على قيم التراحم والتكافل والتعاون واحترام الملكية الفردية طالما أن مصدرها هو الحلال المباح ولا تعرف استعمالاً للمال فيما حرم الله.
- لم يكن الإسلام ليقتل في النفس البشرية حب التملك كما فعلت الشيوعية الحمقاء التي انتهت إلي قتل روح الطموح والعمل والكد عند الأفراد.. حتى تأكد لهم أن سعيهم وكدهم للدولة ومؤسساتها.. فعلام التعب إذاً والنصب, وأصبح من يعمل كمن لا يعمل الكل سيأكل
- ولذلك قال الرئيس السوفيتي "جوربا تشوف":-
- " لقد كان العمال يتظاهرون بأنهم ينتجون.. وكنا كدولة نتظاهر بأننا نعطيهم أجورهم على حين أنهم في الواقع لم يكونوا ينتجون.. ولم نكن نحن ندفع لهم أجوراً"
- ثم قال" والذي نريده اليوم هو أن نخرج من حالة الغش والخداع التي عشناها فينتج العمال إنتاجاً حقيقياً.. وندفع بالفعل ما يستحقونه من مرتبات وأجور" موسوعة القضايا الفقهية للدكتور "علي السالوس" صــــ33
- والكلام لا يحتاج إلي تعقيب فالذين تمرنوا على أساليب الغش وتمرسوا على طرق الخداع هم اليوم الذين تيقنوا أنه لا حل لهم سوى في الخروج من حالة الغش والخداع التي عاشوها.
- وأما الرأسمالية فلقد تغولت أيما توغل ثم لما بلغت أوجها جاءتها ريح عاصف فلم تبق ولم تذر.. مصانع كاملة اليوم تغلق.. عمال بمئات الآلاف يتم تسريحهم ليلحقوا بملايين العاطلين.. خسائر تفوق الخيال.
- لقد أعلنت شركة "جنرال موتورز" عن خسائرها في الربع الأول من هذا العام التي بلغت 6مليارات دولار.. وفي نفس الفترة أعلنت شركة "بوينج " أن الطلب أنخفض على إنتاجها بنسبة70 %وغيرها وغيرها من الصروح العملاقة في عالم الاقتصاد.
- أن الفكرة الرأسمالية تحيزت رغم ربوية التمويل إلي المشروعات الكبيرة على أساس أنها في الواقع ذات ائتمان عالي.. وكان ذلك على حساب المشروعات الصغيرة التي هي بحاجة ماسة إلي التمويل.. وهذا هو الحصاد النكد لها.
- أما الشريعة الغراء فلقد حرمت الربا للآثار المدمرة التي يسببها على كافة المستويات الأخلاقية والاجتماعية بل والاقتصادية.
1- على المستوى الأخلاقي:-
- فالربا يجعل من المرابي وحشاً كاسراً تجرد من كل معاني الرأفة والرحمة ويخلع عليه ثوب الأثرة والأنانية.
- لقد جاءت الشريعة الغراء بالنصوص القرآنية والسنة المطهرة التي تحث على الشفقة والرحمة وإنظار المعسر وفك كرب الملهوف.
- جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قوله صلي الله عليه وسلم "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربه من كرب يوم القيامة, ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه "
- وجعلت من الأمور التي يحق الغبطة عليها "رجل أتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق".
- وجعلت الإنفاق من أسباب الوقاية من النار " اتقوا النار ولو بشق ثمرة "
- وغيرها.. وغيرها من طرق الحث على الإنفاق والتصدق ليتخلص العبد من الشح والبخل والأثرة.. حتى أقسم النبي صلي الله عليه وسلم "أنه ما نقص مال من صدقة "
- وليس هناك شيء يستوجب استحضار رحمة الله كالصدقة "والله لا يضيع أجر المحسنين".
- ولعل ذلك يفسر لنا بوضوح سر التلازم بين ذكر آيات الربا وآيات الإنفاق.. وكما يقول الدكتور "عمر المترك" في كتاب "الربا والمعاملات" المصرفية صــــــ166 " ومن يستعرض آيات الربا يجدها إما لاحقة بآيات الإنفاق وإما سابقة لها.. أو أن فيها ما يشير إلي الإنفاق.. أو إلي معنى من معانيه.. وقد قرن الله في الذكر بين الإنفاق وبين الربا لما بينهما من تضاد وذلك أن الربا شح وقذارة وبخل وأنانية, والصدقة طهارة وسماحة وإيثار فشتان ما بينهما "
- وبعد عودة اللورد "كينز " من أمريكا وقف أمام مجلس اللوردات يقول: " لا أستطيع أن أنسى أبد الدهر ذلك الحزن الشديد والألم المرير الذي لحق بنا من معاملة أمريكا لنا في هذه الاتفاقية فإنها أبت أن تقرضنا شيئاً إلا بالربا "
2- وعلى المستوى الاجتماعي :-
- فهل يختلف اثنان على أن الربا من أعظم البلايا التي تزرع الأحقاد وتقطع أواصر الإخوة والمعروف بين الناس حتى لو كانوا كفاراً كما حدث مع اللورد "كينز " الذي ذهب بمثابة ممثل للشعب الإنجليزي إلي أمريكا.
- ولعلك أيها القارئ تلمس مدى الحزن والمرارة التي تحدث عنها "كينز" في عباراته السابقة التي تبين ما الذي يحدثه الربا في نفوس المرابين.
- فالربا يؤدي حتماً إلي الفتن والمنازعات والصراعات العديدة بين الطبقات وهل ولدت الشيوعية الحاقدة إلا من رحم الرأسمالية المتوحشة فالجميع في حالة من عدم الثقة والطمأنينة.
- ومن أين تأتي الثقة والمرابي صار وحشاً مفترساً يمتص دماء الناس واستلاب ما بأيديهم والفقير والمحتاج يرى ماله يستلب أمام عينيه ولا حيلة له ولا حول ولا قوة.. فهل هذا يجعل من طرفة أمانا أو ثقة فيمن أمامهّ!!.
3- على المستوى الاقتصادي:-
- من المحال أن ينتج عن الربا إنساناً يسعى لتنمية مجتمعه والعمل على رقيه وتقدمه.
- والسبب في ذلك أن الربا يربى المرابى على الكسل والخمول والابتعاد عن العمل المباح كالتجارة والزراعة واستثماره في مجالات تفتح أفاقاً للعمل وتشغيل العاطلين وغيرها مما يعود بالنفع عليه وعلى غيره من المسلمين.. فهو يعيش من كد وسعي الأخريين فهو يشارك العامل في عمله والتاجر في كسبه والزارع في أرضه والصانع في مصنعه دون أن يقوم هو بعمل.. فكسبه الخبيث من عرق المحتاجين الذين لجأوا إلي الاقتراض منه بسبب الفاقة والحاجة.
- وفي ذلك يقول الدكتور "محمد عبد الله العربي" " كما يكمن الضرر على الاقتصاد ككل في النهج الذي تنهجه المصارف في الإقراض بالربا من ميلها إلي التوسع في ذلك في أوقات الرخاء والأحجام عن الإقراض أو التقليل منه في أوقات الركود وإرغام المقترضين على السداد وهذه السياسة من أهم العوامل التي تهز الكيان الاقتصادي وتسبب له الاضطراب.. وقد دلت الإحصاءات والوقائع التجريبية على أن المقترضين بالفائدة يطول بهم الأمد للتخلص من القروض وفوائدها ويغلب في الواقع عجزهم عن سدادها مما يضطرهم في النهاية إلي حجز أو بيع أملاكهم التي اقترضوا المال من أجلها ليصرف في مصالح الإنتاج علاوة على ما تعمله الفائدة في تكاليف الإنتاج وبالتالي إلي رفع مستوى الأسعار".
- وذلك أن المنتج الذي يأخذ القروض الربوية يدخل ضمن تكاليف ما ينتجه عامل الفائدة فتزداد تبعاً لذلك تكاليف الإنتاج.. الأمر الذي يؤدي إلي ارتفاع الأسعار " أ.هـ
- المعاملات المصرفية المعاصرة ورأي الإسلام فيها:-
- وما أجمل ما قاله الشيخ أبو زهرة رحمه الله " وقد ثبت أن الأزمات التي تعتري الاقتصاد العالمي تنشأ غالباً من ديون الربا التي تتراكم على الشركات.
- وأدركت الدول الحديثة ذلك فلجأت إلي تحديد النسبة الربوية ولكن هذا الإجراء لم تقض على مخاطر الربا " بحوث في الربا "لأبي زهرة".
- على أي حال فإننا نقول أن الثمرات النكدة للربا فيما ذكرنا أنفا تكفي الواحدة منها في تحريم الربا فما بالنا باجتماعها جميعا؟!!.
- هذه صورة المرابي الجشع الوحش الكاسر الذئب الضاري الذي لا يعرف في قلبه رحمة لهذا المحتاج.
- وهذه صورة المرابي الكسول الخمول الذي لا يكد ولا يكدح ولا يعمل وإنما يمتص دماء المحتاجين.
- وهذه صورة المرابي الذي يورث عمله الأحقاد ويزرع الضغائن ويثير الفتنة والصراع بين الناس.
- فهل بعد هذا يمكن للاقتصاد أن يحيا بلا أخلاق؟.
- والإجابة سلوا البنوك التي أفلست.. والمصانع التي أغلقت.. والعمال الذين تم تسريحهم.. والبضائع التي باتت في معارضها بلا مشتر.. كل ذلك في الدنيا.
- وأما في الآخرة فإنهم يخرجون من قبورهم كالذي يتخبطه الشيطان من المس.. عافانا الله وإياكم من خذي الدنيا وعذاب الآخرة.
وصلي الله وسلم وبارك على نبينا محمد وأله وصحبه أجمعين
- الإضرابات الاقتصادية.. رؤية تحليلية
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | هلاك الامم |
| للاسف الشديد اصرار الانظمة العربيه عامة والاسلامية خاصة علي التعامل بالربا في كل مناحي قد اضر باخلاقيات الشعوب وعندما اقول التعامل بالربا لااصره علي القرض وفقط بل علي النظام الاقتصادي القائم علي الربا لدي تلك البلدان حتي انعكس لك علي الشعوب فرجل الاعمال يأخذ قرض البنك بفائده علي ثلاث سنوات ثم يخرج هذا القرض علي صورة بضاعة وبدون مقدم علي سنتين وبفائده عشر اضعاف فائدة البنك حتي يضمن في النهايه حصوله بعد سداد القرض علي اضعاف اضعاف المبلغ ولو تأخر المدين يوما واحدا فغرامة التاخير خمسة جنيهات عن اليوم الواحد ومن هنا ساءت الاخلاق وبدا بين الناس خاصة بين الفقراء والاغنياء العداوة والبغضاء بالله عليكم نحن في موسم حصاد القمح هل اخرج المزارعون زكاة زروعهم الامن رحم ربي ( واتوا حقه يوم حصاده ) ونرجع الي القرض اين هم من قول الله عزوجل ( وان كان ذو عسرة فنظرة الي ميسرة وان تصدقوا خير لكم) ونحن لانقول لهم تصدقوا بل نقول لهم فنظرة الي ميسرة انه الوباء القاتل اللعين حتي انك تري ان الشيطان اوحي الي تلك البنوك بفكرة البنوك الاسلاميه فأنشاء كل بنك فرعا للمعاملات الاسلاميه مسمي فقط القصد منه الاحتيال والمكر للحصول علي اموال الناس الفائدة حرام بلاش الفائدة احنا سنسميها العائد وكده تبقي حلال انها قضية نظام قائم بذاتة يحتاج الي تغيير الياته للتوافق مع منهج الله ليعم الخير بين الناس |
عودة الى قضايا معاصرة
|