English الثلاثاء 25 صفر 1431     9 فبراير 2010
البحث التفصيلي
التفاصيلمقاضاة طالبة جامعية لأنها ترفض إسرائيل
خبر وتعليق

قام الموساد الإسرائيلي باغتيالات في عدة دول عربية فهل يعني ذلك:
أن الدول العربية مخترقة الآن
أن له اليد الطولى فيها
لا يستطيع أحد القبض عليهم
أنهم ينسقون مع هذه الدول
اقتراعات سابقة

يوميات مواطن عادي ـ 20 ـ والناس فيما يتسولون مذاهب

يارببقلم أ. صلاح إبراهيم

- "يا رب" نداء حار يفتت الأكباد ينطلق حاراً حزيناً من حنجرة شيخ طاعن في السن أو هكذا يبدو.. مكفوف العينين  أو هكذا يبدو.. ويتكرر النداء  بإيقاع منتظم كدقات الساعة.. فينبري السائرون إلي إخراج ما تجود به نفوسهم  من مال يضعونه في يده الممدودة.. والتي تناول اليد الأخرى لتنتقل النقود تلقائياً إلي الخزينة.. أي إلي أحد جيوبه الكثيرة.

- كان مجلسه على قناطر ديروط وهي القناطر التي أنشئت في عهد الخديوي إسماعيل.. والتي هي معلم أساس من معالم "ديروط".. وبسببها أطلق عليها الأستاذ "محمود دغيدي" أستاذنا في مدرسة المعلمين على ديروط " فينسيا الصعيد".. وقد كان هذا الأستاذ الدمنهوري أستاذاً للجغرافيا وقد رقي كهلاً لأنه درس المرحلة الجامعية وهو مدرس بالابتدائي وهو من عائله دغيدي المشهورة.. وكان مشهورا بين الطلبة باسم "محمود جرينتش" لطريقته الخاصة في نطق هذا الاسم المعروف وسأخصه بمقال  قريباً إن شاء اللهً.

- المهم نرجع إلي هذا المتسول الذكي وأكبر دليل على ذكائه اختياره لهذا المكان الوحيد الذي يربط شرق" ديروط" بغربها.. وهو سوق شهير ومن يعرض فيه أي بضاعة يضمن رواجها.

- ويذكرني المكان بواقعة لا أنساها تختص بشقيقي رئيس التحرير.. فقد كان ينهي سنة الامتياز عندما حدث تحطيم سور جامعة  أسيوط الذي أرادوه قيداً للجماعة الإسلامية في الجامعة فثاروا عليه ثورة الألمان على سور برلين.. و تم تحطيم جزء كبير  من هذا السور.. ولكن الجامعة أعادت بناءه من جديد.. وتمت إحالة المتمردين من الجماعة الإسلامية إلي النيابة والقضاء والأمن..وهؤلاء طلبوا   ضبط وإحضار والقبض على قيادات الجماعة.. ولاذ الدكتور ناجح وآخرين بالفرار.. وكان عندي طاقية صوفية فاخرة مما كان يستعمله الجنود الإسرائيليون في خط بارليف وأحضرتها كذكري للحرب بعد عبورنا القناة واقتحامنا لهذا الخط الحصين.. المهم لبس الدكتور الطاقية التي تخفي الوجه ماعداً العينين..ومر الدكتور في أمان تام من على القناطر تمهيداً للذهاب إلي مخبأ آمن وسلم علي كثير من رجال الشرطة السريين ولم يلفت نظرهم أن هذا السائر بجواري هو من يطرقون الأبواب ليلاً ليعثروا عليه ولم يتخيلوا ذلك.. وقد سألني أحدهم وكان يتميز بوجه يشبه وجه الثعلب تماماً فقلت له: إنه زميل به بعض الإصابات في وجهه من مرض جلدي معد.. فمضى لا يلوي على شيء.

- حتى قابلني تلميذ لي في الصف الخامس الابتدائي وكان يتميز بالذكاء الشديد.. وكان  هذا الطالب رغم أنه مسيحي وأسمه" مجدي نجيب" يحب الدكتور"ناجح"جداً وتعرف عليه رغم تغير هيئته تماماً وسلم عليه بالإسم وانصرف.

- وفي اليوم التالي قابلته في المدرسة وأردت أن أطمئن منه ولكنه بادرني قائلاً:" أنا راجل يا أستاذ صلاح وأعرف أن الدكتور مطلوب من الحكومة.. ولم أخبر حتى أمي.. ولكني من حبي له لم أمنع نفسي من السلام عليه..  لأني لا لأعرف هل ألقاه بعد ذلك.. أم لا ؟.

- أردت سرد  هذا الموضوعً لأن الوفاء من الإسلام.. وقد عاهدت نفسي أن أذكر معروف وفضل وخير كل من أبدي رجولة معنا في الأيام السوداء والتي تفوقت  في سوادها على قرون الخروب في سوادها كما يحلو للأستاذ  "محمود السعدني " أن يصف مثل هذه الأيام بهذا الاسم.

- نعود إلي الرجل موضوع القصة أو المقال فقد عرفته صغيراً حين كانت جدتي رحمها الله تصحبني لنزور قريتها "أبو الهدر" مارين على القناطر بما فيها من حلوي وأشياء تعجب الأطفال الصغار..  فكنت أراه وأنظر إلي  ما تعطيه له جدتي  قبل أن تشتري لي شيئاً رغم حبها الشديد لي.. وكان الرجل تجبي إليه أموال المشرق والمغرب.

- فالشرق  في ديروط عرف عنه الجود الفطري ولكن الحروب والثارات لم تبق له شيئاً يذكر.. وضاع المال يا ولدي على المحاكم والسجون والسلاح.. بالإضافة إلي الزمان الضيق فالجبل الشرقي يكاد يحتضن النيل في هذه المنطقة.

- أما الغرب فسهل واسع.. وصدور أهله أوسع فلا معارك ولا ثأر إلا قليلاً.. وبالطبع الأرزاق وفيرة كثيرة فما ضر صاحبنا من أن يجني  الأموال من هذا أو ذاك.

- عندما تعلمت وأحببت الصلاة وأدركت فضل الذكر كدت أن أقلد هذا الرجل وأترك المدرسة والعلم.. فهذا الرجل يذكر الله ويكسب ولا يفعل شيئاً.

- أطلعت جدتي على نيتي وقلت لها أن تعطيني أولاً ما تعطيه لهذا الرجل وتوصي أقاربها ومعارفها بذلك.. وهم أقاربنا أيضا فالجدين أبناء عمومه في أقصى الهرم العائلي فما كان منها  إلا أن ضحكت وقالت لي: سأقول لك شيئاً وعدني أن لا تخبر به أحداًُ.

- فأكدت لها ذلك.. وها أنا أستأذنها بعد موتها  وأفشي السر فأبطالها  قد ماتوا جميعاً.

- قالت لي أن هذا الرجل من أصحاب الأموال والأملاك وبصره حديد.. ولكنها تعطيه لأنه متفرد في فن التسول لا غير..  فهو لا يدعوا لأحد وليس له شأن بأي إنسان.. ولا يقول إلا  كلمة  "يا رب"..  وما دام قبل التسول على نفسه فهو حر فهي  تعطي الله قبل أن تعطيه هو.

- وكان أبي يرتب شيخاً يقرأ في منزلنا ما تيسر من القرآن المجيد  كل يوم..  فسألته وكنت أحبه كثيراً فقال لي"أن التسول لا يجوز لمن يملك قوت يومه وهو غير مدين لأحد.. وأوصاني بسؤال الشيخ "محمود "إمام مسجد   "السائح" بديروط..  فلما سألته ذكر لي الحديث الشريف الذي ينهي عن التسول ويتوعد من يفعل ذلك يوم القيام بسقوط لحم وجهه وبين لي أن ذلك لا يجوز إلا للفقير جداً وابن السبيل وصاحب الدين والغرم الثقيل.

- طردت الفكرة من رأسي ولكني كنت أحرص كل يوم على التردد على المكان وسماع صوت الرجل المؤثر الحزين ناظرا إلي الأموال التي لا تنقطع من بين يديه.

- وتأكدت من أن الفكرة التي دارت برأسي وهجرتها وطردتها  قد دارت برأس غيري ونفذها.. إذ أنني فوجئت برجل آخر يتخذ نفس هيئته ويجلس في الجهة المقابلة(البحرية). ولكنه يقول بصوت واضح"لله".. ويظل يكررها في الفواصل الزمنية التي تقطع نداء الرجل الأول فكان ذلك شيئاً ممتعاً.

- وكعادة كل دكان جديد فإنه يجتذب الزبائن من باب حب الاستطلاع.. فقد وجد الوافد الجديد إقبالاً منقطع النظير وبدأت الحرب السرية والعلنية بين الرجلين.

- بدأ الرجل الأول يغير نداءه من باب تحسين الصنف فيقول"يا رب أعطني..وابن الكلب اللي قبالي.. لا".

- عندها بدأت الزبائن تعود إلي محله لتضحك وتنفق.. وطبعاً لم يرض الأخير بالهزيمة.. وهو يعلم الحيل التمثيلية التي يحتال بها الرجل الأول  من المسكنة  وكف البصر.. ويريد أن يثبت للناس أنه ليس مكفوفاً فيقف عن ندائه الشهير"لله" فجأة.. ثم يترك مكانه بطيئاً والناس  تتابعه بفضول حتى يقترب منه فتخون الرجل أعصابه ويفتح عينيه لينظر ماذا يحدث.. ويضحك الناس ويكادون يستلقون على أقفيتهم.

- اعترف الرجل الأول وجماعة المتصدقين بالرجل الثاني فكنت تراهم قبل وفاتهما رحمهما الله جالسين بجوار بعضهما وقد أتقنا اللعبة واقتسما المبالغ  التي أفاء الله عليها بها سوياً.. ثم يذهبان إلي  مقهى صغير صنع من البوص علي شاطئ الترعة الإبراهيمية في القناطر حيث يخلع كلا منهما الجلباب العلوي  ويخلع ملابس التنكر.. فلا يتعرف عليهما إلا صاحب المقهى.. ويتركا الملابس الخاصة بالتسول عنده لليوم التالي ويذهبا إلي حال سبيلهما مرتدين ملابس فاخرة نظيفة.

- أشتد بي الفضول وأنا الصديق القديم منذ طفولتي  للأول والزميل القديم للثاني (وهذا مجاز مرسل باعتبار ما كان سيكون لو نفذت فكرتي) أن أعرف المكان الذي سيذهبان إليه.

- ركبا السيارة فركبت معهما وكانت السيارة تنتهي إلي مدينة "المنيا" الشهيرة ولكنهما نزلا  مدينة "ملوي" فنزلت خلفها.

- ذهبا بعد ذلك إلي محل كباب شهير وهو محل  الحاج "محمد الكبابجي" بملوي.. فذهبت إليه  بعدهما مباشرةً..  وأحسست بعدها أنهما يشكان في أنني  أتتبع خطواتهما.

- فسألني الأحدث الذي صار بعد ذلك صهراً للأقدم سؤالا مفاجئاً:

- هل أنت من "ديروط" ؟

- قلت: من قناطر "ديروط" !"لاحظ أن القناطر ليست محلاً للسكن"!!

- قال: هل أنت بائع؟

- قلت:  بل متفرج!!

- قال: ماذا تريد؟

- قلت: يومياًً أعطيكما وكانت جدتي تفعل ذلك ولم أكن احسب أن الأمر سينتهي إلي  الكباب.

- قال: ماذا تريد؟

- قلت: عليك بالفهم السريع  ولن أبوح بالسر.

- قال: فهمت.

- وأكلت مما أفاء الله به عليهما..  وانصرفت شاكراًً وأحسب أنهما لم يكررا ذلك.. واكتفوا بالأكل معاً في بيت أحدهما بعد أن صارا صهرين.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. ولا تذكروا لأحد العلقة الساخنة التي أكلتها بالمنزل لعودتي متأخراً يومها.

- يوميات مواطن عادي (19).


الإسممحمد صفوت سعودي كيلاني
عنوان التعليقالواحه
والله يااستاذ صلاح ابراهيم كلما وجدتك بالموقع يستريح عقلي من كثرة ما به من افكار وتهدأ نفسي فما ارق من اسلوبك العذب

الإسمأبو سارة
عنوان التعليقجزاك الله خيراً
جزاك الله خيراً يا أستاذ صلاح ، وأذهب الله همّك وغمّك ، وأسعدك الله في الدنيا والآخرة ، وأمد في عمرك وبارك الله لك فيه ، وبارك الله لنا في قلمك وروحك الجميلة.


عودة الى قضايا معاصرة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._