|
يوميات مواطن عادي-28- روبنيول بقلم أ.صلاح ابراهيم
كتبت من قبل سلسة عن بعض من ابتلاهم الله " لحكمة يعلمها" أن يفقدوا جزءً أو أجزاء من عقولهم.. وبينت كيف انقسم الناس تجاههم إلى ثلاثة أقسام:
1. قسم يهتف وراءهم ويبتلى أعصابهم .. ويريد أن يفقدهم البقية الباقية من عقولهم.
2. وقسم يعطف عليهم التماسا ً للبركة باعتبارهم من المشايخ أو ملوك الأرض.
3. والقسم الأخير ينتظر موتهم لكي يحول الموضوع إلى خرافة وبزنس ليحصل من وراء ذلك على مغانم دنيوية زائلة مستغلاً في ذلك حرمة الموت والذي سيلاقيه لا محالة..ومستغلا ً كذلك تعاطف الشعب المصري عامة مع الموتى ونسبة كل خير لهم.. وسواء كان ذلك تراثا ً فرعونيا ًبصفتهم من أكثر الشعوب التي فلسفت الموت .. أو نتيجة لفهم خاطئ لحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "اذكروا محاسن موتاكم".. وكلمة موتاكم واضحة الدلالة.. ولكن كرم الشعب المصري سحب الضمير إلى كل ميت يحبه مثل تيتو ونهرو وكنيدي.
إنني عندما كتبت ذلك كنت أعتبر نفسي سابقاً لغيري.. وكما قال الشيخ سيد سابق رحمه الله: لقد ذهبت إلى معظم بلاد العالم .. فلم أر ميتاً يمشي أبداً إلا في مصر.. وباعتبار أن تعامل الشعب المصري مع الموت يختلف عن تعامل كل شعوب الأرض معه.
ولكني بعد قراءة مسرحية روبنيول للكاتب الفرنسي بول برولا.. وبول بضم الواو.. كي لا تنطقها نطقاً يثير السخرية.. بعد قراءة هذه المسرحية فقدت كل غرور بأسبقيتي.. ولكنني عجبت من أن الشعب الفرنسي وخاصة في القرى يتعامل مع الموت كما يتعامل الشعب المصري تماما..ً أو بالتحديد مثل تعامل القسم الثالث وهو قسم البزنس مع الموت.
فالمسرحية تتحدث عن شاعر بسيط يعيش في قرية سانجان ديفين.. ولا أدري هل الإسم حقيقي أو رمزي.. والشاعر هو صاحب العنوان وهو شاعر بسيط لقي من قريته ما يلقاه المجاذيب في قرى صعيد مصر.
وحيث أن الشعر وليد الخيال.. والخيال يحتاج إلى التحليق في عوالم خاصة بالشاعر.. وهذا السلوك أدعى بصاحبه أن تكون له دنيا أو دنى غير دنى الناس.. مما جعل الكثير منهم يرمونه بالجنون.
وكان أن لقي الشاعر أردأ معاملة حتى من زوجته التي ما احتقرت شيئا ً في حياتها قدر احتقارها له.
ثم اختفى الشاعر وقيل أنه قتل في معارك الحرب العالمية الأولى ثم تجئ الحبكة المسرحية الرائعة عندما ينشر ناقد شهير في مجلة باريسية ذائعة الصيت مقالا ً رائعا ً ينعي فيه للعالم أجمع خسارة البشرية الفادحة بموت المبدع روبنيول الذي قدم للبشرية روائع من الشعر انتهى رافدها بموته المفاجئ.. لا.. لا.. لم يمت الشاعر.. ولكنه يحيا خالدا ً بما قدم للبشرية من روائع لم يقدمها أحد من الشوامخ أو النوابغ قبله.. ويندر تكرارها.
ويتسرب المقال من يد إلى يد حتى يصل إلى القرية ويجد أهل البزنس ضالتهم المنشودة فيقيموا حفلاً ضخماً يتولى كبره معلم القرية.. ويدعى إليه الناقد الكبير والشخصيات المشهورة.. ويجد عمدة القرية فرصته وضالته في هذا الحفل ليكون من المشاهير.
وفي كلمات الحفل الرائعة ينبري المعلم فيصف كيف أنه أول من تنبه لكلمات الشاعر الخالدة وأرائه الرائعة !!.. وكيف أنه الوحيد الذي خصه الشاعر بهمسات قلبه المعذب وشكواه من الدنيا والأيام!!.
لم يلاحظ الأهالي لكثرة الغرباء في الحفل ذلك الغريب الذي أطلق لحيته ولبس نظارة سوداء.. ولم يكن الغريب سوى الشاعر نفسه روبينول.. والذي يكذب المعلم على رؤوس الأشهاد.. ولكن أهل القرية تنكروا لهذا الرجل.. والذي أخرج أوراقه وشهادة ميلاده ليؤكد للناس أنه هو الشاعر المذكور.
وقد تعرف عليه نفر قليل من أهل القرية.. ولكن دائماً الخرافة أحب للناس من الحقيقة.. فهم أصحابها وأولي أمرها.. أما الحقيقة فمفروضة عليهم فرضا ً كالدواء المر.. أو مقررات وزارة التعليم ولا أقول التربية بعد كل ما حدث ونشر في الصحف عن التعليم في بلادنا .. ولو كان ما حدث في التعليم عندنا حدث في بلاد أخرى مثل اليابان لانتحر الوزير على الفور.. ولكن وزيرنا جمل.
وعموماً فلن نسمح للجمل أن يخرجنا من سياق الحديث.. فقد اكتمل الحفل على أتم وجه.. وأودع الشاعر الحقيقي _ والذي تكسب المنافقون والأفاقون وأصحاب البزنس _ على قفاه السجن كأي مدع متشرد متآمر يريد أن يفسد الحفل.
ولك أن تتخيل لو عاد عبد الناصر إلى الحياة وسد على كل الذين يرتزقون من اسمه من صحفيين وساسة أبواب رزقهم وعلى رأسهم الكاهن الأكبر وخادم المعبد هيكل الذي استولى على وثائق الثورة ليرتزق بها في حلقات على قناة الحصيرة.. وكذلك الذين تعملقوا وأسسوا الجماهيريات العظمى.. ترى ماذا يصنعون ؟
تري لو عاد عبد الناصر إلى الحياة.. ألم يكن هؤلاء أول راجميه لانقطاع أرزاقهم التي كانت تنهال عليهم أناء الليل .
لقد ذبح كهنة آمون الفرعون اخناتون الذي نادي بإله غير إلههم مما أدى إلى انتهاء سلطتهم الدينية وما يتمتعون به من مزايا وسلطات.
وقد أشار بعض المفكرين المنصفين إلى أن بعض رجال الدين في جميع الديانات تستهويهم السلطات التي يمنحها لهم الاتباع.. فيعبدون السلطة وينسون الدين.. وقد أشار القرآن إلى مثل هذا في الأديان السابقة .. قال تعالى" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ" .. وتأمل كلمة كثيرا ً.. فهي تعني قمة الإنصاف والعدل حتى مع الخصوم والمخالفين.
والحمد لله أن الدين الإسلامي ليس فيه رجال دين يحلون ويحرمون ويهبون العصاة صكوك الغفران.. فليس بين العبد وربه واسطة في الإسلام.
موضوعات أخري للكاتب....
والناس فيما يتسولون مذاهب
| الإسم | قارئ |
| عنوان التعليق | فى الجول |
| الاستاذ صلاح يصيب كبد الحقيقة فى كثير من مقالاته , ويجيد فهم الناس وهذا يجعل مقالاته شديدة الثراء , وفعلا هيكل يرتزق بتاريخه مع الناصرية وهذا ما تحاول ان تستغله الجزيرة استاذة التثوير والتسخين على كل شئ الا على قطر , وفعلا قناة الجزيرة فى خطر , والحمد لله الذى من علينا بالبى بى سى العربية وبرامج التوك شو على القنوات المصرية ليالا واخرجنا من اسر قناة الجزيرة |
عودة الى قضايا معاصرة
|