تأملات في ذكرى الإسراء والمعراج بقلم/ رجب عبد الله
الإسراء والمعراج رحلة عظيمة تتجدد فيها المعاني وتحيا فيها الدلالات بما تحمل من معاني وإشارات لبشر من البشر علا بروحه وجسده.. فوصل إلى ما لم يصل إليه نبي مرسل ولا ملك مقرب.
فيا لها من رحلة عظيمة عطرت الأنفس.. وأسعدت الآذان.. وأضاءت العيون.. وأنارت الأبصار.. وأزكت القلوب.. ورجحت العقول.. فيا لذة الإسماع بما سمعت.. ويا لذة الإبصار بما رأت.
والإسراء والمعراج مختلف في وقته.. لكن المشهور أنه في السابع والعشرين من رجب ولم يصح في ذلك حديث.. وإنما هو اجتهاد العلماء.
ومع قدوم شهر رجب من كل عام تتجدد الذكرى.. وتتجمع الأطياف.. وتتفتح القلوب والأبصار؛ للتأمل في هذه الرحلة المباركة ليخرج المسلم بالعبر والعظات.
ونحن بادئ ذي بدأ نقول:
أولا: لماذا كان الإسراء؟
كان الإسراء منحة من الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وسلم) أعلى فيه مكانه.. ورفع فيه قدره وفضله على جميع خلقه.. حتى الملائكة المقربين.. حتى على جبريل(عليه السلام)؛ حين تقدم عليه عند الحجاب وتوقف جبريل(عليه السلام).
ووصل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مكان يسمع فيه صرف الأقلام.. فهل بعد هذا رفعة؟.. وهل بعد هذا مكانة؟ ومنزلة للحبيب (صلى الله عليه وسلم).
كان الإسراء والمعراج تسرية للنبي (صلى الله عليه وسلم).. بعد أن ذهب على الطائف فضربه أهلها وأدموه فبكى (صلى الله عليه وسلم) من ذلك بكاءً شديدا كما هو معلوم.. فكأن الله يقول له: يا رسول الله هذا قدرك.. وتلك مكانتك.. فلما الحزن والبكاء.. فقدرك عظيم.. ومكانتك كبيرة.. وشرفك فوق جميع المخلوقات.
كان الإسراء ليظهر للعالم أن رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم) هي رسالة عالمية تتعدى الحدود وتتخطى الحواجز لتصل إلى جميع الأرض.. وما وصولها إلى المسجد الأقصى إلا دليل على ذلك.
فهي ليست كرسالة عيسى أو موسي (عليهم الصلاة والسلام).. فهي لا تختص بقوم معينين.. ولا بمكان معين.. بل هي للناس عامة وللعرب خاصة.. ولهذا كان الربط بين الحجاز وفلسطين في الإسراء ليبين ذلك.
كان الإسراء حتى تتسلم الأمة الإسلامية قيادة البشرية من بني إسرائيل.. حيث كانت الرسالة فيهم منذ موسى (عليه السلام) إلى عيسى (عليه السلام ).. وهذا ما دلت عليه صلاته (صلى الله عليه وسلم ) بالأنبياء في بيت المقدس.. فقد تسلم منهم الرسالة والقيادة والريادة لتقود أمة الإسلام الأمم بعد ذلك.
وهذا ما حدث على مر العصور والدهور حتى وقت قريب.. وذلك لأن بني إسرائيل لم تعد تصلح لهذه المكانة بعدما استحلوا محارم الله بأدنى الحيل.
فعلى الأمة الإسلامية أن تأخذ مكانتها بين الأمم ولا تكن في ذيل الأمم بل تعمل على أن تكون في المقدمة.
كان الإسراء لبيان أن المسجد الأقصى والمسجد الحرام شيء واحد لا فرق بينهم في الإسلام.. فالمسجد الحرام أول الإسراء.. والمسجد الأقصى نهاية الإسراء، فمكانتهما واحدة.
هذا مسجد وهذا مسجد.. هذا له قدسية وهذا له قدسية.. هذا بناه نبي وهذا بناه نبي.. هذا لله وهذا لله.. هذا أول الحرمين وهذا ثاني الحرمين.. هذا تشد إليه الرحال وهذا تشد إليه الرحال.. هذا أول الإسراء وهذا نهاية الإسراء.. فلا فرق بينهما ولا عزة للمسلمين إلا بهما.
فعلى المسلمين أن يهتموا بالمسجد الأقصى كما يهتموا بالمسجد الحرام على السواء.. وأن يعملوا على تحريره من اليهود الغاصبين.
كان الإسراء لتمحيص المؤمنين وبيان مدى استجابتهم لله تعالى تمهيدا لنزول الفرائض الشرعية عليهم كالزكاة والحج والصوم.
كان الإسراء لبيان أن الإسلام هو دين الفطرة التي فطر الناس عليها.. وأن من خالف الإسلام فهو منتكس الفطرة.. فاسد العقل مريض القلب.. يسير ضد التيار يجني المتاعب والمخاطر.
ثانيا: لماذا فرضت الصلاة في المعراج ولم تفرض في الأرض؟
من المعلوم أن جميع الفرائض قد نزل بها جبريل على النبي (صلى الله عليه وسلم) على الأرض إلا الصلاة فإنها فرضت في الملأ الأعلى وهذا لبيان منزلة الصلاة في الإسلام.
فهي الركن الأساسي بعد الشهادتين.
وهي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة .
وهي التي إن قبلها الله قبل سائر العمل.
وهي إن لم يقبلها الله لم يقبل سائر العمل.
وهي التي لا ينفع بدونها صيام ولا زكاة ولا حج.
فيجب المحافظة عليها بأركانها ووضوئها وخشوعها في أوقاتها.
والصلاة تحمل معنى الإسراء والمعراج ولذلك فرضت فيه.. فيها يسري العبد بجسده إلى المسجد.. وفيها يعرج العبد بروحه إلى الله تعالى.
فهي إسراء ومعراج يسير العبد بجسده إلى المسجد ويعرج بروحه ويرتفع ويسمو دون وساطة كما فرضت الصلاة دون وساطة من الله تعالى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم).
ومع هذه المنزلة العظيمة للصلاة في الإسلام إلا أننا نجد كثيرا من المسلمين لا يهتمون بالصلاة.. بل ومنهم من يترك الصلاة بالكلية وهذه مصيبة عظيمة فأي شيء يتمسك المسلم إن لم يتمسك بالصلاة؟.
ثالثا: ما شاهده (صلى الله عليه وسلم) في هذه الرحلة.
شاهد أهل الذنوب والمعاصي يعذبون: حيث رأى تارك الصلاة، ومانع الزكاة، وآكل الربا، ومن يسعون بالغيبة ويمشون بالنميمة، وخطباء السوء وغير ذلك.. وهذا يبين خطر المعصية وأنها شؤم على أصحابها.. فعلى المسلمين أن يحذروا من الذنوب والمعاصي أشد الحذر.
كما رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) الدنيا في صورة عجوز عليها من كل زينة.. وهذا يبين حقيقة الدنيا:
أولا: أن عمرها قصير كما هو واضح من عمر العجوز.
ثانيا: أنها فتانة خداعة بما عليها من الزينة.. فيجب الحذر منها وعدم الركون إليها وعدم التنافس عليها.. فعمرها قصير ومالها حقير وإلى الفناء يصير.. وأن يهتم العبد بالآخرة والآخرة خير وأبقى.
عودة الى الطريق الى الله |