مع مراد هوفمان .. في رحلته إلى مكة بقلم أ. هشام النجار
مراد هوفمان هو واحد من صفوة المفكرين الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام بعد دراسة وتأمل وتجارب عملية في واقع الحياة ، وبعد معايشة للمسلمين وأخلاقهم ، وبعد رحلات طويلة وجولات من المقارنات بين الإسلام كمنهج للحياة وبين غيره من الأفكار والفلسفات .
ولقد أحدث إسلام مراد هوفمان ضجة هائلة في الغرب ، ووجه بحملة إعلامية شرسة ، نالت من شخصه وطعنت فيه بسبب كتاباته وخواطره عن الإسلام ، وذلك نظرا لموقعه من الحكومة الألمانية ومناصبه الدبلوماسية الرفيعة ، حيث عمل كسفير لألمانيا في أكثر من دولة .
من ضمن مؤلفاته الجميلة التي ننصح بقراءتها ؛ كتابه القيم " الإسلام كبديل " ، وكتابه " الإسلام في الألفية الثالثة ديانة في صعود " وأيضا كتابه " يوميات ألماني مسلم " .
ورغم ما لدينا من ملاحظات كثيرة على بعض الأفكار والاجتهادات الخاصة بالدكتور هوفمان في بعض المسائل إلا أننا نشكر جهده في الدفاع عن الإسلام والاهتمام بالمسلمين في الغرب وسعيه لتقديم الإسلام حلا ومنهجا وعلاجا لما يعانيه الغرب من أمراض مزمنة مستعصية .
وأنا شخصيا أجد متعة فكرية خاصة عندما أقرأ لأمثال هوفمان ومحمد أسد وجارودى وغيرهم ؛ لأنني أجد لديهم الجديد دائما ، إنهم وغيرهم الكثير من علماء ومفكري الغرب الذين أعلنوا إسلامهم ثم كتبوا عن تجاربهم مع الإسلام ، لا يكررون المعاني التي قرأناها لكثير من مفكري الإسلام وعلمائه ، بل دائما يأتون بفكرة جديدة وخاطرة بعيدة ، غالبا ما تتسم بالعمق والصدق .
آثرنا اليوم أن نعيش في صحبة الدكتور مراد هوفمان السفير الألماني والمفكر الإسلامي ليحدثنا عن بعض خواطره عن رحلة حجه التي قام بها في عام 1992م .
فقط سنكتفي ببعض المقتطفات من كتابه الشيق " الطريق إلى مكة " أو " رحلة إلى مكة " والذي وصف فيه بدقة يوما بيوم وساعة بساعة رحلته إلى الأراضي المقدسة .
لن نذكر كل ما قاله بالتأكيد ؛ فقد أطال في السرد والشرح والوصف ، ولكننا سنكتفي بانطباعاته عن شعائر الحج وخواطره حولها .
سنجد في عباراته وجمله ومعانيه بعض الاختلاف عما تعودنا قراءته ولكن في النهاية سنجد أنفسنا أمام رجل بحث عن الحقيقة ووصل إليها ؛ كما يقول هو في كتابه أثناء طوافه بالكعبة : " بدأنا بعد ذلك نطوف حول الكعبة ، التي يتجه إليها مليار من البشر في صلواتهم اليومية ، ولم يغب عن خاطري طول الطواف أننا نتجه في طوافنا إلى الله ، وأضفت إلى الأدعية المعتادة دعاءا شخصيا مفاده : اللهم اجعل الحق يقر في نفسي واجعل الحق حقيقتي الشخصية " .
وعندما يتكلم مراد هوفمان عن شعائر الحج فهو يهتم بالحكمة والرمز ويبحث عن السر ويتعمق في المعنى ، فنجده مثلا يقول عن الحجر الأسود : " وفى أثناء ذلك كان الحجر الأسود الذي لا ينفع ولا يضر هو الأثر الوحيد الباقي من مدة ما قبل الإسلام ، وهو بإيجاز أقدم أجزاء الكعبة ، ناهيك عن أن محمدا صلى الله عليه وسلم شخصيا هو الذي وضعه حيث هو اليوم ، ولذلك فان من يلمس هذا الحجر يتصل اتصالا ماديا بالرسول صلى الله عليه وسلم ، وينضم مثل ملايين سبقوه في سلسلة متواصلة ، ولم يكن هذا الأمر لرفاقي في الحج إلا مصدر الهام " .
إنه إذن ليس مجرد تواصل روحي فقط ، بل تواصل مادي أيضا ، يؤكد هوفمان على هذه الحقيقة ويكررها عند كلامه عن ماء زمزم أيضا ، فيقول : " بعد أن أتممت الطواف شربت ماء زمزم ، فأحسست بالانتعاش بكل ما تحمله الكلمة من معان ، وعقدت العزم على حمل 20 لترا منه إلى الرباط ليرتشف الأصدقاء والخدم رشفات منه ، وكأن هذا الماء يماثل الذهب في قيمته ، وهكذا يتحقق التواصل مع مكة ماديا " .
وعن السعي بين الصفا والمروة يحكى هوفمان القصة ولا ينسى ما ترمز إليه : " وللتذكرة ؛ جرى هذا السعي في واقع الأمر من أجل العثور على بئر زمزم ، فالرواية تروى أن السيدة هاجر وجدت نفسها في عناء وبؤس شديدين بعد أن تركها إبراهيم مع طفلها الصغير إسماعيل في الوادي المقفر " بواد غير ذي زرع " ( إبراهيم : 37 ) بمكة ، وراحت هاجر تسعى بين الجبلين بحثا عن الماء ، وعندما عادت منهكة بائسة لتضم طفلها إليها ، كانت المشكلة قد حلت ، فلقد كان إسماعيل يلهو وسط نبع ماء ، هو اليوم زمزم ، وإحياء لذكرى هذا الحدث بما يدل عليه من رعاية الله ورحمته ، كان السعي الذي يصبح في ظروف الحج مشقة بدنية ، ولاسيما أن المرء يقطع بعض أجزاء الطريق مهرولا ، وعندما وصلت منهكا غير بائس إلى بئر زمزم لأنهل منها مرة أخرى ، لم أغفل عن الرمز الذي تنطوي عليه هذه الشعيرة " .
وهوفمان وهو مستغرق في عبادته وتأملاته وأفكاره وخواطره لا ينسى هموم أمته وأحزان إخوانه يقول عن الأضحية : " وليس من المحتم أن يقوم الحاج نفسه بذبح الأضحية لذلك قمت أثناء تجوالي في المدينة بإيداع 280 ماركا ألمانيا بأحد المصارف ثمنا لخروفين حددت المستفيدين منهما وهم مسلمو البوسنة ، وفى يوم عيد الأضحى سيقوم نحو عشرة آلاف جزار جئ بهم من أقطار العالم الإسلامي لذبح مليون من الأضاحي من بينها خروفاي " .
قلت إن الكتاب – بل كل ما كتبه مراد هوفمان – ممتع وشيق ، ولكننا نركز على بعض الخواطر وعلى ما قاله عن أسرار الحج وما ترمز إليه شعائره ، يقول هوفمان عن قيمة الحج في الإسلام : " كنت متشوقا إلى ذروة الحج ، وإياك والمرض قبل يوم عرفة ، والحج – كما يعلم الجميع – فرض على من استطاع إليه سبيلا ، فهو فريضة على من تسمح له حالته الصحية ويفيض ماله عن حاجة أهله وجيرانه ، إذ لا يجوز لمسلم أن يحج إذا كان جاره في حاجة إلى مال ، وبالرغم من ذلك يبيع بعض الفلاحين عندما تتقدم بهم السن ما يمتلكونه من أرض زراعية هي عماد معيشتهم ليحجوا .
فالحج ليس فريضة فحسب ، بل هو حلم لكل مسلم ، والعودة منه هي مفخرته ، فهو يستطيع عند العودة أن يجد منزله وقد طلى بلون أخضر ، ناهيك عن أنه سيحظى بمكانة رفيعة جدا ، فلا لقب دكتور ولا لقب الحاصل على ماجستير ولا لقب " سعادة " ولا حتى لقب أستاذ تضاهى لقب " حاج " الذي يخاطب به " .
ويمضى هوفمان في سرد خواطره وتأملاته قائلا : " جلست في حجرتي بالفندق في جدة أطالع ما حملته معي من مطبوعات عن الحج ، ومن بينها بعض سطور تقول : " ألا يمكننا القول أن الإحرام يشير إلى الموت وان الطواف يسلم المرء إلى الله ، والسعي .. أليس السعي إرهاقا ً وتعبا ً ؟ أليست زمزم هي الحياة والكينونة ؟ ويوم عرفة .. ألا يجعلنا نتوقع يوم القيامة ؟ والمزدلفة .. أليست هي الظلام الذي يسبق اليوم الجديد ؟ ومنى .. ألا تمثل الوفاء من خلال نحر الأضحية ؟ وخلع ملابس الإحرام بمنى .. ألا يعنى حياة جديدة ؟ ورمى الجمرات .. ألا يرمز لكفاح مدى الحياة ضد كل ما هو شر ؟ .. ولكن الله هو محور الحياة . " .
أما الطواف حول الكعبة فيستشف هوفمان جمال المشهد بعبقرية الفنان قائلا : " النظر من هنا إلى أسفل يكاد يكون كالتنويم المغناطيسي ، والمشهد شديد الجمال ؛ فالكعبة تبدو مركزا ثابتا لا يتحرك كاسطوانة تدور ببطء وفى سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة ، ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة ؛ حيث تصير الكعبة مركزا لدوائر عديدة متحدة المركز ، تتكون من مئات الآلاف من أجسام ناصعة البياض ، لأناس يرغبون في شئ واحد ويبحثون عن شئ واحد ويفعلون شيئا واحدا ، رمزا لتسليم النفس إلى بارئها " .
وعن معنى الوقوف بعرفة يقول هوفمان : " هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات ؛ ملايين من الناس يتشحون بأكفان ، ويتركون في هذا اليوم كل شئ وراء ظهورهم ، فوجودهم اليوم مكرس لله وحده .. يتوقعون موتهم .. يصلون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدثا من قبل ، ولن يحدثا في الغالب من بعد " .
وأمام مشهد رمى الجمرات كان لمراد هوفمان وقفة تأمل : " وصلت حافلتنا في الساعة الثانية صباحا إلى منى قريبا من موضع رمى الجمرات ، ذلك الرمي الذي يرمز لرفض الإنسان القاطع للشر بداخله هو نفسه وفى العالم أيضا ، واقتربت من العمود حتى أضمن إصابته باستخدام إصبعين فقط مع احتفاظي بمسافة تحميني من التعرض لوابل من حصى الحجاج من الخلف " .
وعن ذكرياته عن يوم العيد يقول هوفمان في كتابه الممتع " الطريق إلى مكة " : " الساعة الآن هي الرابعة والنصف صباحا ، ولقد حان الآن موعد صلاة فجر عيد الأضحى عاشر أيام ذي الحجة بالحرم المكي ، وسوف أؤديها بآخر ما تبقى لي من قواي مع 800 ألف مسلم ، وبالنظر إلى فخامة الصوت وكمال القراءة ، يعد مؤذنوا الحرم المكي وأئمته صفوة الصفوة ، فآذانهم نداء فني رائع ، وقراءتهم للقرآن مناجاة مسموعة ، ومن حسن الحظ أن يسمح الحنابلة السعوديون بهذا البعد الجمالي للصلاة ، على عكس ما يفعله المالكيون في شمال أفريقيا ، فهذا الجمال ينقل حاجا ساهرا مرهقا مثلى إلى عالم خال من التعب " .
هكذا عشنا خلال هذه السطور القليلة مع المفكر الإسلامي والسفير الألماني السابق الدكتور مراد هوفمان مع بعض خواطره وتأملاته أثناء رحلة حجه التي قام بها عندما كان سفيرا لألمانيا بالمغرب .
ولم تكن هذه المعايشة إلا مرورا عابرا وانتقاء ً مختصرا من أحد كتبه الرائعة وهو " الطريق إلى مكة " الذي يحتاج منا بدوره إلى قراءة متأنية ودراسة أعمق .
تقبل الله من الدكتور هوفمان حجه وجزاه عنا وعن المسلمين خيرا.
وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
كل عام وأنتم بخير.
| الإسم | الدينارى |
| عنوان التعليق | وتقبل الله منكم |
| وتقبل الله منكم هذه النقلات الجميلة
|
عودة الى الطريق الى الله |