خواطر أسير في كتاب الله ـ 6 ـ \"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم..\" بقلم أ. أحمد إبراهيم جاد
- إن الطريق إلى الفجر الجميل لابد أن يمر بصحراء الليل البهيم.
- إن البدايات المحرقة هي وحدها التي تقود إلى النهايات المشرقة.
- إن شاطئ مملكة الأفراح يسبقه دوما بحر الحرمان.. فمن قطع البحر سباحة واحتسابا وصل إلى بر الأمان.
- إن واحة السيادة والعز والرخاء تحيط بها السباخ المسبعة والمفاوز المهلكة.
- إن ابتسامة الشروق ليست تنبع إلا من بين شفاه الظلام.
- إن الطعام الشهي لا يستلذ به أكثر إلا من أكله على جوع.
- إن الماء العذب السلسال يطيب بشدة لمن اشتد ظمؤه.
- بل إن النوم ما يطيب ويحلو إلا لمن طال سهره ونصبه.
- هذه معادلات دنيانا عنوانها " لقد خلقنا الإنسان في كبد".
- قال ابن القيم رحمه الله: وقد أجمع العقلاء من كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم.. وأن من أراد الراحة فاتته الراحة.. قال تعالى " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه"
- عمرك القصير لا تدرك فيه فجرا إلا بعد أن يغمرك السحر..ولا تدرك فيه راحة إلا بعد أن يدركك النصب.
- بل إن أعز ما في الوجود مما يستميل النفوس من متع الدنيا يحمل في طياته الأذى.
- نظل نشتهي الطعام فإذا أكلناه تخلف عنه القذر.
- ونظل نشتهي المال ونكدح فإذا وصلنا إليه قتلنا حسد الناس وطمعهم إذا ما أطعنا به الله .
- وإذا كانت الأخرى.. إما أن يقتلنا البخل أو يقتلنا الاستخدام السيئ.. كالخمور وما يدمر العمر مما حرم الله.
- فإذا ذهب عنا المال قتلنا الغم وأصابتنا الحسرة وفشل القلب والكبد.
- ونفرح بالشهرة.. فإذا أصبناها ضيعنا من نعول وعملنا للناس ونسينا الله.. ودخلنا في سجن يحسب علينا فيه الحركات والأنفاس.
- ونظل نشتهي العمر الطويل.. ولو أصبناه أدركنا الوهن والضعف وحسرة القلب على فقد الأحبة.
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم وبقاء نفسك لا أبا لك أفجع
- وتقلبك الأيدي وتتناقلك مسلما مسلوبا
وما للمرء خير في حياة إذا ما عٌد من سقط المتاع
- وهل كل ما تتمناه تدركه؟ فماذا إذا أدركته وأدركت ما فيه من النصب؟ ضجرت منه.. لأنه نعيم غير صاف.. لأنها الدنيا.
- قال العقاد:
صغير ود لو كبر وشيخ ود لو صغر
وخال يشتهي عملا وذو عمل به ضجر
ورب المال في تعب وفي تعب من افتقر
- وهكذا كل نعيم الدنيا لا يخلو من كدر.
- ثم ما مردود هذه الأماني إذا تحققت؟
- ستموت عنها .. أو ستزول عنك.
- وهب أن الناس ذكروك بعد موتك بكل حسن.. وأنت في قبرك تعذب هل ينفعك مدحهم؟ .. وعما قليل يموت كل من يعرفك وينسى رسمك واسمك .
- تقولون أهي دعوة للانسحاب من الحياة؟
- أقول لكم : لا .. ولكنها دعوة للحياة الحقيقية بأرباح لا تعتريها الخسارة .
- دعوة للحياة بقلب يبحث عن مراد الله من البلاء.. فإن الله عز وجل جعل الدنيا هكذا نصب وعنت وعذاب.. لا حبا في تعذيب عباده.. ولكن لحكم بالغة من أجلها خلق الله الحياة والموت والجنة والنار.
- فالبحث عن مراد الله من البلاء يجعلك تصل إلى رضوان الله.. فإذا رضي عنك الله أرضاك على أي حال تكون في الدنيا أو في الآخرة.
- إن فهم الدنيا على حقيقتها يبعث على الزهد فيها.. ويحاصر النفس البشرية الطموح ليوقف الآمال عند حدود الإمكان.. ويهدي اللهاث المتواصل لتعظيم الناتج وتضخيم المحصول.. لأن الله لن يحاسبك على تصرفك بإزاء البلاء.. قال تعالى " ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون" الله أكبر.. استكانة القلب لربه ومعرفته به هي المقصود.. وتضرعه هو ناتج الاستكانة.
- قال تعالى " وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون" ..الله أكبر.. إنه مقصود عظيم أن ترجع إلى مولاك إذا ما أخذك الزحام وتهت بين الأيام " ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون" ..الله أكبر.. إنه التمايز " ليميز الله الخبيث من الطيب" " ويتخذ منكم شهداء""وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين" ..وهذا غيض من فيض.
- إن الفهم الصحيح للدنيا وللبلاء يجعلك تصبر على مراد الله ..وترضى بقضاء الله..وتصبر عند الصدمة الأولى.. أخرج البخاري في صحيحه" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأة عند قبر تبكي.. فقال لها اتقي الله واصبري.. فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ..فقيل لها إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فجاءته فلم تجد عنده بوابين.. فقالت لم أعرفك.. فقال لها صلى الله عليه وسلم إنما الصبر عند الصدمة الأولى"
- هذا الصبر عند الصدمة الأولى مع الرضا والاحتساب يجعل القلب يملك أمر نفسه.. فلا تغيبه الصدمة عن الوقائع القائمة ولا المخاطر المحققة.. فينهض فوق محنته ويمسك بزمام الأمور ..ويعلم ما ينبغي عمله على أرض الواقع لتقليل الخسارة.. ولتدارك ما فات.. ولإصلاح ما فسد ..وإيجاد البدائل لاجتياز المحنة ..رفقا يا قومي بالأقدار إنها أقدار اللطيف الحكيم.
- إن الله لا يبغض أنبياءه ليجعلهم أشد الناس بلاء.. ولا يكره أولياءه ليبتليهم بالمصائب.. ولكنه يحب أولياءه.. ويحب أن يراهم فوق المحن مستعلين على تخوم المادة.
- قال ابن القيم رحمه الله " لا تغتر بظاهر الحال فو الله ما منعهم إلا ليعطيهم.. ولا ابتلاهم إلا ليطهرهم.. ولا أماتهم إلا ليحييهم"
- مر أحد السلف مع تلميذ له يعلمه.. فاحتاج تلميذه أن يشرب الماء.. فقال له الشيخ المرحلة القادمة.. فجاءت المرحلة وطلب التلميذ الماء.. قال له المرحلة القادمة.. فأتت فقال له المرحلة القادمة ..هكذا حتى أتما المسير ووصلا إلى دورهم.. فقال له تلميذه لماذا حرمتني الماء هذا السفر الطويل قال له "هكذا تقطع الدنيا"
- بالصبر والتصبر.. باعتياد الرضا.. تقطع كل ما هو عسير.
- قال الشاعر:
مضى زمن وكنت إذا رماني بصائب نبله يوما زماني
جزعت فشددت عزمي الأماني وقالت إنه يوم ويمضي
وطال اليوم حتى صار شهرا وصار فيه حلو العيش مرا
جزعت إلى الأماني فقيل صبرا عليه فإنه شهر ويمضي
وطال الشهر حتى صار عاما فقلت إلى متى الصبر إلاما
ولكني تهيبت الملاما لعلمي أنه عام ويمضي
وعودني الإيمان على التأسي ولولا أجره لقتلت نفسي
وكنت إذا جزعت سألت نفسي فقالت إنه عمر ويمضي
- سبحان الله من يصدق أن عاما مر في الأسر.. يالله مر عشرة أعوام.. يالله مر البلاء وجاء الفرج.. يالله مر العمر وأنا الآن أنعم في قبري وقد هان كل بلاء الدنيا.. بل إني أراه أعظم أجري وأعجب فوزي.. الحمد لله الشاكر العليم
- إن الدرس الأعظم في كل ما ذكرنا هو ألا نجزع لما يصيبنا.. وأن ننظر فيه إلى مراد ربنا.. فنفعل ما يرضيه ليصبح الصبر طبيعيا غير متكلف.. فتهون سنوات السجن الطويلة.. ونصبر على المرض المزمن.. وعلى ما يفاجئنا من الأحداث.
- لماذا يفرض الله علينا الصوم وهو سبحانه لا يريد عذابنا " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم...."..ليكون الماء في أيدينا ونحن عطشى فلا نشرب.. ويكون الطعام بأيدينا ونحن جوعى فلا نأكل.. وتكون المرأة الحلال بين أيدينا ونستعصم.. إنه التهذيب للنفس البشرية لتتحمل الأمانة العظمى " كتاب الله" وتقوم بالعبء الأكبر " التكليف" " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان"
- فإذا امتنعت عن الحلال وأنت عليه أقدر.. كنت على اجتناب ما حرم الله أقدر.. وهنا يتمايز الإنسان عن البهائم والحيوانات قال تعالى " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم...".
- أقول على وجل: إن الشكر يقابله الصبر.. ولم يقل سبحانه إن شكرتم وصبرتم.. فلعل الصبر هنا وهو أحد أفراد الإيمان يقوم مقام الإيمان كله.. فالمؤمن ما بين نعمة يصبر عليها.. وما بين نقمة يصبر عليها.. وكأن الحياة كلها صبر.. وكأن الإيمان كله صبر.. وما يقوم به القلب من المعاني التي تحمل على الصبر هي الإيمان بذاته.. لذا قال تعالى " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم...."
- فإن الله لم يرد ذبح إسماعيل.. ولكنه أراد قلب إبراهيم وإسماعيل.. قال تعالى " فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت .." ..هذا هو الدرب لمن أراد أن يسلك.. فأحسن الظن بربك واستعلى فوق حدود النظرة الآنية.. وانظر في العواقب ..وابحث عن مراد الله.. ودونك السبيل فاسلك ولا تغادر.
- هذا الإيمان يجعلك منطلقا تواجه الحياة بشجاعة وإيمان.. يزيد العمل ويغير الوقائع.. وينتصر بقلب صاحبه.. لأنه لا تضره فتنة.
- عالج الطوارئ أولا بأول.. واصبر عند الصدمة الأولى.. واحتسب وارض وسلم.. وذلل قلبك مطية ذلولا لنزول القدر وما أراده الله منك.. ومن بعيد تلوح بلاد الأفراح
والطير تشدو على الأغصان عاكفة تسبح الله جهرا في نواحيها
- وغدا نلقي الأحبة محمدا صلى الله عليه وسلم وصحبه
ونلقي الله الحليما فنلقاه شاكرا عليما
ولمزيد من المواضيع طالع خواطر أسير في كتاب الله ـ 5 ـ "وله ما في السموات والأرض وله الدين واصباًً"
عودة الى الطريق الى الله |