الخميس 26 شعبان 1429     28 أغسطس 2008
البحث التفصيلي
التفاصيلتقرير جديد للبنك الدولى يقول ان 1.4 مليار شخص فى العالم يعيشون تحت خط الفقر
خبر وتعليق

بعد حريق مجلس الشورى بالقاهرة , يجب
اخلاء القاهرة من الوزارات
تأمين المبانى الهامة
تطوير الدفاع المدنى
اقتراعات سابقة

وبشر الصابرين

بقلم د/أسامة عبد العظيم

لا تخلو حياة الإنسان من كدر .. ولا يصفو له العيش دون شئ ينغص عليه .. ويؤرق جفنه .. وإلا، فما معني أن تكون هناك جنة في الآخرة ؟!.

أو ليست الجنة هي دار النعيم الأبدي، وموطن السعادة السرمدية؟! وهي منزل الأمن والأمان، ومقر الراحة والاطمئنان؟!.

فلو كان للدنيا كل تلك المحاسن ..فماذا بقي للجنة إذن؟!.

والمرء في هذه الحياة خلق ليبتلي .. ووجد ليمتحن .. ولذلك قالوا: الدنيا دار امتحان وابتلاء (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) .. ويوم القيامة تنشر الصحائف، وتظهر النتيجة " فريق في الجنة، وفريق في السعير".. فيا سعادة من فاز وربح .. ويا شقاء  من خاب وخسر!

إن البلايا والمحن لم تكن يوما ً علامة بغض من الله لعباده المبتلين.

وهل يبغض الوالد ولده الصغير حين يقسو عليه حينَّا ليشتد عوده ويستقيم صلبه؟!.

وهل دخول الذهب في معمعة النار ينفي عنه الخبث وينقيه من الشوائب .. أم ينزله عن قدرة ويحط من رتبته؟!.

وبعض الناس ممن قصرت أنظارهم عن تلمس حكمة الله البالغة.. وعجزت عقولهم وأفهماهم عن فك شفرة الأقدار الجارية لم يقرؤوا رسالة البلاء قراءة سليمة .. وظنوا أن المحن والخطوب إهانه من الله لعبادة .. وأن البلايا والمصائب علامة علي هوان العبد علي ربه ونقصان قدره عنه مولاه.

ولعمري تلك نظرة  قاصرة .. وقراءة خاطئة .. وفهم بعيد كل البعد عن جادة الصواب.

إن السقوط الأكبر في امتحان البلاء يتمثل في سوء الظن بالله سبحانه .. وحاشا ً لله أن يعذب خلقه أو يبتليهم لأجل تعذيبهم وإهانتهم، وهو الذي خلقهم في أحسن تقويم.. وكرمهم أعظم تكريم .. وسخر لهم كل ما في الكون علي اتساعه العظيم .. فهل يعقل بعد كل ذلك أن يهينهم ويذلهم؟! أم أن له سبحانه في كل أمر حكمة بالغة .. علمها من علمها.. وجهلها من جهلها؟!.

وتعال بنا في رحلة سريعة عبر الزمان والمكان .. نبحر في خضم بحار الابتلاء..نصارع الأمواج .. ونواجه الزعازع والأنواء .. ونعيش قليلا ً مع أولئك الذين كتب عليهم أن يخوضوا لجة هذا البحر العميق، لنري هل أهين أولئك القوم .. أم كانوا من المكرمين؟!.

وبينا نحن نتلفت من فوق سفينة الابتلاء بحثا ً عن المبتلين.. إذ لاح برق من بعيد يكاد سناه يأخذ بالأبصار.. فإذا هي تلك الثلة المباركة والكوكبة المشرقة من الأنبياء والمرسلين.. ولما تصفحنا وجوههم نطقت جميعا ً بعز الابتلاء، وإذا بهم قد مروا جميعا ً من فوق قنطرة البلاء، لم يتخلف منهم أحد.

فبالله عليك خبرني: هل هانوا جميعا ًعلي الله؟ أم كانوا أكرم خلق علي ربهم ومولهم؟! ولو هان هؤلاء القوم علي ربهم .. فمن يا تري يكون الكريم؟!.

وهل هان إبراهيم عليه السلام علي ربه حين ابتلاه بالنمرود الطاغية .. وسلطه عليه فأوقد له ناراً عظيمة ثم ألقاه في قعرها علي رؤوس الأشهاد؟!.

وتأمل بعين قلبك مشهد خليل الرحمن وهو يساق نحو الموت في أغلاله وقيوده .. ترمقه الأبصار، وتلاحقه النظرات من الجموع الحاشدة .. ما بين فرح شامت.. وبين حزين مشفق ساكت – وهكذا جموع الخلق في كل عصر، وقليل العقل من انتظر منهم أكثر من التعاطف السلبي، والإشفاق القلبي (إن وجد) – حتى ألقي في النار.

ولكن أكرم الأكرمين لا يخذل جنده،ولا يكل أولياءه إلي أعدائه أبد الدهر .. فكانت النجاة.. (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فهل كان إبراهيم أن ينال وسام "خليل الرحمن" بغير هذا البلاء؟!.

وتأمل كيف ابتلي الله خليله بذبح ولده وفلذة كبده.. فأمره أن يذبحه بيده .. رغم علمه سبحانه بمنزلة الولد في قلب أبيه .

لاسيما وقد وهبه إياه علي الكبر من بعد ما انقطعت الأسباب الدنيوية.

وإن تعجب لإبراهيم عليه السلام، واستجابته لأمر ربه .. فعجبٌ أمر إسماعيل إذ انقاد لأبيه واستسلم للذبح دون جدال أو مناقشة "قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين"

فلما أن علم الله صدق القلوب واستجابة النفوس علي المكارة والمشاق تنزل الفرج وانهمر غيث الرحمة (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).

فالمقصود لم يكن ذبح إسماعيل .. وإنما كان ذبح التعلق بغير الله من قلب الخليل إبراهيم عليه السلام .. وحين تم المقصود .. وتحقق المطلوب، لم يكن لإراقة الدماء فائدة.. إذ (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).

وتقلد إسماعيل وسام الفداء والتضحية .. ونال شرف (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعدِ..).

فهل كان لإسماعيل أن ينال ذلك الشرف دون خوض البلاء؟؟.

وهل كان يعقوب عليه السلام هينا ً علي ربه .. وهو الكريم ابن الكريم حين ابتلاه الله بفقد أحب أولاده إليه .. إذ كان يوسف عليه السلام قرة عين يعقوب ومستراح قلبه وروحه0

ويا ليت يعقوب كان يعلم مكان يوسف .. وهل ما زال علي قيد الحياة أم أنه في عداد الأموات .. ولكن أخبار يوسف انقطعت تماما ً، وصار أثرا ً بعد عين.

وكأني بيعقوب عليه السلام – وفؤاده يتحرق شوقا ً لولده – يتمني أن يحيط علما ً بمصير يوسف، ولو أن يعرف قبره إن كان قد مات .. فلعل زيارة القبر تسكن شيئا ً من لوعة الفؤاد.. فأي كرب فوق هذا الكرب .. وأي بلاء أعظم من هذا البلاء.

وتمر السنون تلو السنون .. ويطول الغياب .. والوالد يتلمس الأخبار من كل غادً ورائح .. ولكن، ما من أثر للولد الفقيد.

ويتفقد يعقوب بنيه .. فيتعلق قلبه بالصغير "بنيامين" ..  ويراه أشبه أولاده بيوسف، فيجد فيه سلوته، وملاذ عطفه وحنانه .. وكلما هاجت مشاعر الشوق والحنين ليوسف.. ينظر في وجه بنيامين فتهدأ نفسه، وتطمئن روحه.

تمر الأيام، وتهب عواصف البلاء، ويصحو يعقوب ذات يوم علي فقد ولده الثاني بعد أن تمكن حبه من قلبه .. وتعلق به فؤاده .. ولكن أين المفرق من سنن الحياة "أحبب من شئت فإنك مفارقه" وإذا بالأحزان تتجدد في قلب يعقوب .. وإذا بفقد بنيامين ينكأ جراح يوسف القديمة .. وبعد ما كان للنفس جرح واحدٌ .. أصيبت بجرح وثان وثالث .. وتفجرت مشاعر الحزن في قلب يعقوب .. وانهمرت دموعه .. (وتولي عنهم،وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ).

الله أكبر .. ما كل هذا العناء؟! وأي نفس تلك التي تطيق  هذا البلاء؟!!.

إن النفوس البشرية أشبه ما تكون بالمعادن.. فمنها النفس الفولاذية التي تتحمل الطرق الشديد فلا تتأثر ولا تضعف.. ومنها نفوس هشة ضعيفة كأشد ما تكون .. ولكن نفس يعقوب كانت من النوع الأول.

ورغم تلك المحن المتتابعة، والخطوب المتوالية.. إلا أن الثقة بالله كانت تملأ نفسه .. واليقين بوعد الله لم يفارق قلبه – كان يدرك بفهمه العميق مغزى رسالة البلاء.. وأن الله تعالي إذا أحب عبدا ً ابتلاه.. ليزداد قربا ً من الله .. وليرفع صوته في غسق الدجى يناجي ربه ومولاه .. إن الله قد أحب سماع صوته.. وغار علي قلب عبده أن يشاركه فيه غيره.

وهنا أراد الله أن يصفو له قلب يعقوب عليه السلام.. فابتلاه في أقرب الناس إليه – لا ليعذبه، ولا ليهينه .. ولكن ليرى كيف سيكون ظن يعقوب بالله .. وكيف سيكون رضاه عن الله .. وكيف سيكون قربه من الله.. وقد نجح يعقوب في الاختبار.. فكان شعاره الدائم في قلب المحنة:

"فصبر جميل"

لم يتهم ربه يوما ً .. ولم يتبرم أو يسخط من أقدار الله.. كيف وهو يعلم أن ربه عليم حكيم: عليم بحاله، لا يخفي عليه عناؤه وبلاؤه.. وحكيم في أفعاله، إن عجل الفرج فلحكمة بالغة.. وإن أخره فلحكمة بالغة.

فسلم الأمر لله.. وأيقن بفرج الله.. فقال بقلب يفيض بالثقة واليقين بوعد ربه: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).. لم يفقد الأمل.. ولم ييأس من رحمة الله.. بل قال لبنيه:  (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

وكعادة الله مع أوليائه وأحبابه... لم يخذل بنيه يعقوب، ولم يتركه أبد الدهر يتقلب في البلاء.. فكانت عاقبة الصبر الجميل، وجزاء حسن الظن بالملك الجليل.. أن رد الله إليه بصره، وجمع شمله بولديه الغائبين ورفعه الله وزوجته الصابرة علي العرش.. وذلك جزاء الصابرين.

إن في ذلك لعبرة لكل أب صابر محتسب ابتلاه الله بغياب ولده.. فليكن له من صبر يعقوب وحسن ظنه بربه نصيب وليحذر من أن يظلم نفسه .. أو يتهم ربه.. وليعلم تمام العلم: أن البلاء عنوان الاصطفاء.. وبرهان المحبة والاجتباء.

         

 

 

 



عودة الى الطريق الى الله


حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._