بقلم أ. عصام خيري
كم كانت سعادتي وأنا صغير حينما يقترب عيد الأضحى، تلك السعادة المتمثلة في أشياء كثيرة.. الأضحية واحدة منها، فمع اقتراب عيد الأضحى كنا ننظر ونحن صغار إلى الخروف المسكين ونحن سعداء - ربما الحال بالنسبة له عكس ذلك – وتكمن سعادتنا في ما سنناله من تلك الوليمة اللذيذة الدسمة التي سنحصل عليها بعد ذبحه، ولا أخفيكم سرا أن كل ما كان يهمني هو أكل اللحم، لدرجة أنني كنت لا أذهب لزيارة أقربائي إلا بعد أن أعلم أن الأكل قد استوى عند الجميع حتى أنال نصيبي عند الذهاب لتهنئتهم بالعيد.. ذلك هو المعنى الذي كنت أحياه وأنا صغير فالأضحية بالنسبة لي لم تكن تتعدى وقوفي بجانب الجزار، ومشاهدتي له وهو يذبح الخروف ثم أقوم بتوزيع نصيب الأقارب والمساكين في انتظار حصولي على "الهبر" في آخر المطاف..
غير أنه الآن تمثلت لي معان كثيرة ومفاهيم عديدة وأمور وجب على أن أعلمها وأدركها وأفهمها، بها اعتبر واتعظ وبها أتعبد أيضا.
القصة من البداية..
إن قصة الفداء ستظل درسا بليغا في الالتزام بأمر الله عز وجل وتنحية الهوى وتجاهل نداء الغريزة.. فأب وأم وابن كل يسلم نفسه لله امتثالا لأمره وإذعانا له – سبحانه – فكانت تضحية الأم حينما تركها زوجها مع رضيعها الصغير، لا أكل ولا ماء، في صحراء جرداء، لا أنيس فيها ولا جليس، فلما تساءلت وعلمت أن الأمر من ربها قالت في ثقة وإذعان وامتثال وإيمان: إذن لي يضيعنا الله، ثم تأتي التضحية الكبرى.. حينما قال إبراهيم عليه السلام لابنه إسماعيل – عليه السلام – ما قصه الله – عز وجل – علينا: (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى).. فأي خيار وأي رأي للابن في ذبح نفسه؟!!.. ولكنه التمهيد لأمر الله.. فكان موقف الابن لا يقل تضحية وإكبارا عن موقف أبيه.. (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)..
ويأتي وقت التنفيذ (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ).. يا له من موقف يعجز عن تصويره البيان ويثقل عن تعبيره اللسان ولا يخط معناه أي بنان، شيخ كبير يحمل بإحدى يديه سكينا وبالأخرى يطرح ولده أرضا استعدادا لذبحه والابن طوع يده، ولم يبق إلا توقف الأنفاس للحظة التنفيذ..
الفرج القادم..
وها هنا وعند تجليات قوة الإيمان.. تأتي رحمة الكريم المنان (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{108} سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ{109} كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
جاء الفرج بعد الشدة، وظفر الوالد بالأمل بعد اليأس، وكان جزاؤهما من جنس عملهما، فذكر الله فداءه بما جعله سنة باقية يذكر بها الذكر الجميل عبر الأيام، والسنين فكان ذلك (بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) بكبش من الجنة عظيم.. عظيم في القدر والرتبة، مقبول ومستن به، ومجعول دينا إلى آخر الدهر.
إنه المعنى الذي احتاجه الآن كثيرا فقد زاد شوقي لأن أعيش تلك الأيام السعيدة وأن أرى الأضحية في بيتنا مرة أخرى، بعدما يقرب من ثلاثة عشر سنة خلف الأسوار لا أدري متى ستنتهي فمع زيادة حنيني لأن أرى البسمة على وجوه أهلي وأنا بينهم نسعد جميعا بالأضحية كما كنا نسعد من قبل.. أتساءل ماذا الذي تساويه تلك السنوات أما ذلك المثال العظيم من التضحية والفداء؟!.. فيطمئن قلبي وتزداد ثقتي بالله وأقول العمر كله فداك يا ديني.. ويزداد يقيني بأن فرج الله لا محالة آت فتطرب نفسي وتسعد وأردد قريبا بإذن الله تعالى.. قريبا جدا سأعود وسأسعد كما كنت أسعد من قبل بل أكثر من ذلك.. سعادة الصبر وسعادة الفرج وأيضا سعادة الأضحية وبإذن الله- تعالى - سعادة القبول..