الحب والكراهية بين الشرق والغرب بقلم أ. إسماعيل أحمد
قالوا: إن الإسلام دين الكراهية، بينما هم يمثلون الحياة والحرية، ولم يخجل جورج بوش أن يجاهر بها، وهو يتهيأ للرحيل عن البيت الأبيض، ويمنُّ على الغرب بإنجازاته في العراق وأفغانستان.
وقالوا: إن الإسلام يقف عاجزًا عن الدفاع عن نفسه أمام التحدي، الذي يمثله له الغرب بحضارته.
وقال آخر: إن بعض المسلمين يؤمنون بأن القرآن فيه كل العلوم والمعارف بما في ذلك حقوق الإنسان ونظريات العلوم النووية، ولا حاجة للمسلمين في علوم الغرب.
ولست أشك في أنه لم يقرأ من القرآن حرفًا واحدًا، فهل يعجز أدنى رجل من المسلمين عن دحض هذه الافتراءات؟! كيف لا والقرآن والسنة بين أيدينا والسيرة النبوية تفوح بأريج الرحمة والإحسان.
حينما وقف النبي على أبواب مكة فاتحًا، بعدما خرج منها طريدًا، ردد أحد كبار الأنصار، وهو سعد بن عبادة وكان يشعر بالفخار للنصر الذي صنعه وقومه على قريش، أكبر قبائل الجزيرة وأشرفها نسبًا، قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة؛ فسمعها عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله: اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعلي بن أبي طالب: "أدركه، فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها"، ثم إنه سلم الراية لولده (أي ولد سعد).
وكان بوسعه أن يفعل فعل بوش يوم فتح بغداد؛ فيذر السفهاء ينتهبون بيوت الأغنياء، حاشاه وكان يمكنه أن يأتي برأس الكفار يومئذ ثم يشنقه في عيد من أعياد قريش، يهنئهم بعيدهم ويذكرهم بسطوته.
وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد جمع الناس في مكة وقال لهم: "ماذا تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخٍ كريم، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء!".
وهل يدرك الغرب هذا المعنى؟ إنهم قتلوا سبعين ألفًا يوم فتحوا القدس في الحروب الصليبية! إنهم نكلوا بنصارى القسطنطينية لمجرد اختلاف المذهب (في الحملة الصليبية الرابعة، لما اختلف قادتها وتجار البندقية على ثمن السفن التي أرادوا التوجه إلى مصر عليها اتفقوا على محاربة إمبراطور القسطنطينية لمصلحة وريث العرش المخلوع، فلما فتحوها – قبل فتح المسلمين بقرنين من الزمان – فعلوا بها وبثرواتها وبكرسي البابوية الأفاعيل).
أن يتحدث الغرب عن الحضارة والرقي؛ فينسبون لأنفسهم قيمها، ومنها التسامح الديني، فعندي ألف سبب يدعوني للسخرية منهم، ولي في كل ركن من عالمنا دليل: يمِّمْ وجهك تلقاء الشرق.
هل ترى هيروشيما وناجازاكي؟! نعم إنها إحدى الجرائم الأمريكية في زماننا؛ ففي يوم 6 أغسطس 1945م، أمر الرئيس الأمريكي (ترومان) بإلقاء قنبلة ذرية على مدينة هيروشيما اليابانية، التي أودت بحياة (78150) شخصًا، إضافة لعشرات المشوهين.
ثم بعدها في 9 أغسطس 1945م: أمر بإلقاء القنبلة الذرية الثانية على مدينة (ناجازاكي) اليابانية، فحصدت (73884) قتيلاً، و(60.000) جريح.
كما شنَّت الولايات المتحدة 64 غارة جوية على 4 قواعد بحرية لزوارق الطوربيد الفيتنامية ومستودعات للوقود، وفي 24 ديسمبر 1966م، قتلت القوات الأمريكية 125 من المدنيين الفيتناميين، رغم أنها أعلنت وقف القتال لمدة 48 ساعة بمناسبة أعياد الميلاد ـ أي أنها لا تتعمد أعياد المسلمين فقط – وهذا مما تنفرد به أمريكا.
أما عن تدبير الانقلابات فقد دبرت وكالة المخابرات المركزية انقلابًا ضد حكومة مصدق الوطنية في إيران بسبب البترول، وآخر في سوريا بزعامة حسني الزعيم لضرب ما حسبته صحوة عربية، ثم تآمرت على قتله لما بدا أنه يتجاوز الحدود المرسومة له، لكنك إذا نظرت غربًا، ستجد تآمرًا أكبر على أنظمة الحكم في عدة دول لاتينية مثل شيلي وكوبا وجواتيمالا، ولعلها تعتبره أمنًا قوميًا.
وإذا نظرت غربًا سترى الكوارث في داخل الولايات المتحدة نفسها، ولتترحم على ما أصاب الهنود الحمر وما هم بالهنود والزنوج ـ وكثير منهم كانوا مسلمين.
ألا تذكر كونتا كينتي – لقد أبيد منهم عشرات الآلاف، فقد كان الرجال العظام يبنون حضارة أمريكا من خلال منظمة كوكلكس كلان، التي أقسمت على إهانة الرجل الأسود، وضربه وشنقه بلا محاكمة، وجعله يفهم أنه جيء به إلى أمريكا لغرض العبودية وليس لغرض آخر.
وليتهم إذ ظلموا وبغوا يعترفون ببعض ما اقترفوه، لكنهم يرموننا بما فيهم ونحن منه براء، نحن الذين رفعنا بلالاً فوق الكعبة ليؤذن للصلاة بلا غضاضة، ووطأ له أبو ذر خده لكلمة قالها في غضب ـ"يا ابن السوداء"ـ ، وكان الأعاجم فينا أصحاب علم ورياسة – يكفي أن نذكر مشاهير العلماء - وهم الذين لم يتخلصوا إلى اليوم من احتقار الزنوج (نرى الآن أول وزير أسود وأول مرشح أسود للرئاسة).
ولم تتوقف التفرقة العنصرية بسياستها الجائرة إلا في أواسط سبعينيات القرن الماضي، نحن الذين أبقينا الهنود والبربر والأحباش والفرس والروم والترك على طبائعهم وعاداتهم، فتحققت بنا العولمة بمفهومها الراقي، وهم الذين طمسوا على ما تحتهم من الأمم، فتأمركوا "بالجينز وأفلام العنف وأكلات التيك أواي".
سمعنا بالأمس، عن المدرسة الإسلامية التي قرروا إغلاقها في إحدى ولايات أمريكا؛ بحجة أنها تحضُّ على العنصرية والكراهية، ومدارسهم في بلادنا كانت ولا تزال تتآمر.
وكم من معهدٍ يفتح أبوابه في بلادنا وكل دوره إيجاد ثغرة يتسلل منها الأعداء!.
ألم يعرفوا ما يدرسه اليهود لأبنائهم في فلسطين عن العرب، أم الكراهية في حقنا مستحبة؟! "يتعلم الأطفال اليهود مقاطع وأدعية، تأمر اليهودي إذا مر بجوار مقبرة أن يدعو بالرحمة إذا كانت يهودية، وأن يلعن أمهات الموتى إذا كانت المقبرة غير يهودية"،
وتغرس المدارس في نفوس الصغار أنهم أصحاب البلاد الحقيقيين، وأن العرب هم المغتصبون، وأنهم حشرات متخلفة.
وتنصُّ التعاليم التلمودية الحربية للجنود الإسرائيليين على، "أنه وفي حالة احتكاك قواتنا بمدنيين خلال الحرب، أو خلال مطاردة حامية، أو غارة، إذا لم يتوفر دليل بعدم إلحاقهم الأذى بقواتنا هناك إمكانية لقتلهم، أو حتى ضرورة للقيام بذلك، ما يبيح لنا قتلهم باعتبارهم من العدو في زمن الحرب".
فهل بعد هذا، يقال: إن مدارسنا الإسلامية تحضُّ على الكراهية؟ كراهية مَن؟ اليهود والنصارى! أما اليهود فقد كانت دولة الإسلام الحضن الآمن لهم، ويوم طرد المسلمون من الأندلس كان التنكيل باليهود على أشده، مثلما نكلوا بالمسلمين، وهل عاش الجميع في حرية دينية إلا في رحاب الإسلام؟!
ورد في تاريخ الدولة العثمانية، أن بابا الأرثوذكس أرسل يستنجد بالخليفة من الذين يغيرون مذهبهم إلى الكاثوليكية؛ طمعًا في الوظائف والبعثات التعليمية، التي تتيحها فرنسا، فأرسل الخليفة يستفتي شيخ الإسلام (المفتي)، الذي أجابه أن هذا أمر خاص بهم ولا يغير في وصفهم شيئًا.
وكانت هذه من الأخطاء القاتلة للعثمانيين كما يقرر د.قيس جواد العزاوي في كتابه الفريد (الدولة العثمانية.. قراءة جديدة في عوامل الانحطاط).
ولكن ما لنا ندافع عن أنفسنا وتاريخنا ونقارن بيننا وبينهم – رغم أن هذا نفسه سبة لنا – وننسى ما يراه العالم كله اليوم عن "حضارتهم"، لقد كفينا مؤنة الكلام بما اقترفوه وسيقترفونه غدًا، إننا حين ننصف أنفسنا ونعود لديننا أكثر حضارةً وأعظم رقيًا، فليس الرقي في الطعام والشراب ولا وسائل الحضارة، إنما الرقي في تعامل الإنسان مع الإنسان.
يعجبني في قصص الأفلام الأمريكية، أنها تثيرك حول إنقاذ بريء واحد، فإذا المئات يهلكون من أجل إنقاذه، فأقول: هذا هو منطق أمريكا! تأمل لطف الناس في بلادنا، وهم يتعاملون مع الأجنبي، وراقب ما تشاهده من عنصرية في ملاعب الكرة عندهم ـ على سبيل المثال – إذ يشكو اللاعبون الأفارقة، ومنهم لاعبنا المصري أحمد حسام من البذاءات العنصرية، فهل تتصور أن سلوكًا كهذا يمكن أن يصدر في مصر ضد أجنبي، ولو كانت رأسه كالزبيبة؟!
وطوال الحروب بيننا وبين أعدائنا، لم نؤاخذ سائحًا بجريرة قومه الإنجليز أو الفرنسيين أو حتى اليهود، لكنهم عكس ذلك تمامًا.. ما إن ضُرب الميناء الأمريكي بيرل هاربور حتى بادروا بجمع الأمريكان من أصل ياباني في معسكرات؛ بحجة حمايتهم من غضبة الشعب الأمريكي، لكنهم جمعوا ليسهل استهدافهم.
وكذلك الحال مع المسلمين المقيمين في الغرب عمومًا، بل واليابان أيضًا، حيث شرعت فتاة يابانية في حرق مسجد باليابان، وكلما تابعت ما كان يصيب المسلمين ولا يزال منذ الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا والغرب عمومًا، تذكرت ذلك السلطان المملوكي "جان بردي" الذي استنجد به المسلمون من أهل الأندلس، وأرسلوا إليه وفدًا منهم وجاءه ما يعتبر سفير القشتاليين في مصر، فهددهم، وقد أراد فعلاً، بأن ينكل بالنصارى المصريين إذا لم يكف فرناندو وإيزابيلا عن اضطهاد المسلمين، فلم يأبه له رسول ملك وملكة قشتالة.
بينما أفتاه علماء الإسلام بعدم جواز ذلك باعتبارهم مستأمنين لم يخرقوا عقد الذمة، وهكذا فني المسلمون في الأندلس بتعصب القشتاليين، وعاش الأقباط في مصر بعدالة الإسلام وتسامح المسلمين.
ليس هذا نكوصًا عن سمة تميز ديننا منذ الأزل، ولا هو بكاء على اللبن المسكوب، لكننا نحن المطالبون باليقظة والانتشار، ولنا تاريخ ينبغي أن نعيه ونتأسى به، لا ينبغي أن تقف تفاعلاتنا مع حدود التظاهرات والمقاطعة، لابد أن ننهض كما كانت نهضتهم، ولتدرك الأمة كلها أن الباعث الأول لنهضة أوروبا هو الوجود الإسلامي في الأندلس.
لما نجحوا في إخراج المسلمين منها بدأت الكشوف الجغرافية والحملات الاستعمارية تقطع العالم غربًا وشرقًا؛ بحثًا عن الثروات التي تساعدهم في تحرير قبر المسيح من أيدي المسلمين.
وهي ذات الدعوة التي أطلقها مجمع (كلير مونت) الذي دشن للحروب الصليبية لعدة قرون، وقد كانت نبرة العداء للإسلام واضحة في أقوالهم، وكم كنت أعجب من عداء فاسكو دي جاما وماجلان في رحلاتهما الاستكشافية للإسلام والمسلمين .
الأول أغرق سفينة للحجاج الهنود حين لقيها أثناء اكتشافه لرأس الرجاء الصالح، وقال: "الآن استدار الحبل حول عنق الإسلام، وبقي أن يشنق نفسه".
والآخر قاتل أهل مورو حتى قتلوه وظلوا يعلموننا في مدارسنا أنه قتل بيد القبائل الهمجية!!. حتى تبينت هذه الصلة الخفية بين نهضة أوروبا في بداية القرن السادس عشر وزوال دولة الإسلام من الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر.. فكم نحن غافلون!!
وأخيرا نسأل الله عز وجل أن يهدينا سواء السبيل.
| الإسم | حمادة نصار أحمد |
| عنوان التعليق | الحب والكراهية بين الشرق والغرب |
| الله أكبر هذا هو الحق الأبلج فاقذف به يا أبا يحيى على الباطل فيدمغه بارك الله فى يمينك التى خطت هذا الكلام |
عودة الى دروس في الدعوة
|