كيف يختار الداعية موضوع خطبته؟ (1) بقلم أ. علي الديناري
نجاح الخطبة له أسباب:-
- من أهم هذه الأسباب الاختيار الجيد لموضوع الخطبة.. فقد يكون الخطيب ممتازا في أدائه غزيرا في علمه بليغا في أسلوبه.. لكنه لا يوفق في اختيار الموضوع المناسب.
- فقد يغفل الأحداث الجارية التي ينتظر المسلمون فيها رأى الإسلام.
- وقد يختار موضوعا غير مناسب لمستوى جمهوره أو لاهتماماتهم.
- وقد ينبهر بموضوع قرأه أو سمعه فيختاره لخطبته دون تفكير أو دون إحاطة بكل جوانب الموضوع.
- وفى كل هذه الأحوال وغيرها لا تنجح الخطبة في رسالتها.. فتضيع فرصة غالية ينتظرها المسلم كل أسبوع.. وربما هي زاده الروحي و العلمي الوحيد الذي لا يتمكن من غيره.
- لذلك فقد التقينا نحن مجموعة من الخطباء في جلسة أخوية مباركة نتشاور فيها ونتواصى حول خطبة الجمعة.. وقد وجدت هذه الوصايا والأفكار التي أبداها إخواني الخطباء جديرة بتسجيلها ونقلها إلى كل خطيب خصوصا إخواننا الخطباء في بداية طريقهم.
- وسبحان الله العظيم الذي أذن لما دار في هذه الجلسة أن يخرج من زنزانة في سجن بعيد إلى الشبكة العالمية للنت.. عسى الله أن ينفع بها إخواننا الخطباء في كل مكان.. فيكتب الله لكل من شارك فيها أجرا يثقل ميزانه يوم القيامة.
- ومن هنا فإنني أوصي الإخوة الخطباء بخصوص اختيار موضوع الخطبة بما يلي:
1) اللجوء إلى الله تعالى في اختيار الموضوع بمعنى أن يدعو الخطيب ربه أن يوفقه لاختيار الموضوع الذي يحبه الله تعالى.. ومن الأدعية التي تقترب من ذلك "اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي اللهم وفقني إلى ما تحب وترضى " و "اللهم يسرني لليسرى ".
2) اختيار الموضوع مبكرا ً.. لأن الاختيار المبكر يمكن الخطيب من جمع المادة وإعمال الفكر والتأمل فيها.
- كما أن الخطيب يمكن أن تصادفه فكرة أو نص أ و خبر أثناء قراءته في أي مجال.. أو أثناء حديثه مع أحد.. أو متابعته لبرنامج في الإعلام أو حتى أثناء مروره في الطريق أو السوق.. فعندما يكون الموضوع محددا يمكنه توظيف أي من هذه الخواطر في الخطبة.
3) الاستخارة فيصلى ركعتي استخارة على اختيار هذا الموضوع دون غيره.. وفى هذه الاستخارة بركة عظيمة وعبودية لقلب الخطيب توفقه في الاختيار.
- وأقصد هنا أن الإنسان عندما يقدم على أمر فغالبا ما يكون تفكيره في البداية متأثرا بطبعه وشخصيته ومؤثرات أخرى قد تكون دخيلة وموجهة للموضوع توجيها غير مستقيم.. وهذه المؤثرات التي تتحرك وتشاركه تشبه الغشاوات على القلب.. فعندما يتجه إلى الله ويصل الروح بفاطرها ويوجه القلب توجيهه المستقيم تزول الغشاوات ويرى الأمور على حقيقتها بدون تأثير جانبي.
- وعلى سبيل المثال قد يقع خلاف وصدام بين كبار العائلات في بلد ما.. وهنا يبدو للخطيب أن يتناول في خطبته أخلاق الإسلام ويشدد على غياب التراحم بين المسلمين وتسببه في الأزمات والخلافات.. ولكنه حين يصفو قلبه ويتأمل الأمر بتجرد يمكن أن يبصر بقلبه أن هذا الموضوع سيزيد الأمور تعقيدا ً.. وربما يبصر أن دافعه لذلك نوع من التشفي من عائلة ما وليس بيان الحق.. وقد يبصر أن لنفسه في الموضوع قصد غير طيب.. وهذه الإفاقة التي تبصره إنما يحدثها الصفاء وهو الذي يجمع القلب على الله وخصوصا بالدعاء والاستخارة بتأمل معانيها.
4) لا يجوز تأخير البيان عن وقته فيجب اختيار الموضوع الذي يجيب على أسئلة الناس في الظروف والأحداث الجارية التي تشغل أذهانهم فتجعلهم في حيرة قد يجدون المخرج منها عند الخطيب.
- خصوصا إذا كان في هذه الأحداث حق يجب أن يظهر.. أو باطل يجب أن يدحر.. أو لله فيها نهى أو أمر.. وهذا الأساس يحتاج إلى وقفة طويلة فالخطباء تجاه اهتمامهم بالأحداث الجارية ينقسمون إلى أقسام.
- فمنهم من يغرق في تناول الأحداث كبيرها وصغيرها في صلب خطبته فتكون خطبه كلها سياسية أو فكرية جامدة.
- ومنهم من لا يعيش مع الأحداث أصلا فلا يفيد جمهوره بشئ من التعليق والتوجيه.. ويكون الكون في واد والخطيب في واد.. وبينما ينتظر المصلون كلمة حق.. أو بيانا لأمور مشتبهة.. إذا بالخطيب يستكمل سلسلته في موضوع من التاريخ أو الرقائق مما يثير العجب والاستياء.
- القسم الثالث هو الذي يعتدل في تناول الأحداث فلا يغفل الأحداث الكبرى التي للإسلام فيها مقال والتي تعتبر فرصة نادرة لبيان المفاهيم الخاصة بها.. وذلك باعتبار الحدث قد هيأ النفوس لاستقبال هذه الأحكام وأصبحت النفوس كالحديد الساخن الذي يسهل طرقه إذا وجد الخطيب الحصيف.. وفي نفس الوقت لا يستغرق في الأحداث وتفاصيلها ولا ينشغل بكل شارد ووارد وما يستحق ومالا يستحق.
- وأظن أن الخطيب الذي يغفل الأحداث ويمضى في خطبه النظرية قد وقع في أكثر من خطأ :
- الأول:- أنه سكت عن أمر يجب عليه القول فيه.. وكتم علما وقت الحاجة إليه.. وقد يكون في هذا السكوت خذلانا لحق أو نصرة لباطل.
- الثاني:- أنه علم بذلك جمهوره أو أرسل إليهم رسالة عملية بعدم الاهتمام بأمر المسلمين.. هذا إذا وافقه جمهوره.
- الثالث:- أنه استدعى سخط جمهوره عليه إذا كان هذا الجمهور واعيا مثقفا.. لأن هذا الجمهور ينتظر بالتأكيد توجيه الإسلام ورأى الإسلاميين للأحداث.
- الرابع:- أنه ضيع على المصلين فرصة كان يمكنهم أن يجدوا ضالتهم ويرووا ظمأهم ويبددوا حيرتهم بسماع رأى الدين فيما يدور من أمور لا يفارقونها ولا تفارقهم.. وكثيرا ما تسمع من المصلين بعد هذه الخطبة عبارات الضجر والندم :لو كنت أعلم كنت صليت في مسجد آخر.
- ولك أن تتصور أن العالم كله يبيت بتابع أحداثا مثل الحرب على غزة والكون كله يغلي ويمور بالأحداث وردود الفعل وكلها غزيرة بالمعاني وبالأحكام الشرعية.. وفى الصباح بذهب المصلون لصلاة الجمعة فإذا بالخطيب هو الوحيد في الدنيا الذي لا يعبأ بالأحداث ويخطب في موضوع بعيد وكأن شيئا لم يكن !!!.
5) عدم التقليد في اختيار الموضوع.. فعلى الخطيب ألا يختار موضوعا قد سمعه من غيره فأعجبه.. فربما إذا أداه هو فلن يحسن أداءه.. بل ربما وقع في ورطة وهو على المنبر لأن الموضوع غير مناسب لإمكانياته هو ولا لأسلوبه.. وربما لا يناسب جمهوره ولا الظرف الذي يمر به.
6) كذلك لا يختار موضوعا لمجرد إعجابه به في كتاب فربما كان من النوع السهل الممتنع.. كمعظم موضوعات الإمام ابن القيم أو الأستاذ سيد قطب إذ يستمتع الخطيب بقراءته للموضوع فيظن أنه قادر على نقله للمصلين ثم يفاجأ أنه قد نسيه كله.
- ومشكلة هذه الموضوعات السهلة الممتنعة أنها غالبا تكون لعلماء أدباء يكتبون بأسلوب بليغ.. لكنه أسلوبهم الخاص بهم المميز لهم.
- وهذا يفرض عل الخطيب إما أن يحفظ تعبيراتهم كما هي وهذا صعب بالطبع.. وإما أن يتفهم الفكرة جيدا ثم يكون له أسلوبه الخاص القريب من أسلوبهم وهذا يحتاج إلى قدرة عالية على التعبير.
- ولكن الخطباء ينصحون باقتباس الموضوع بالتفهم الكامل للفكرة ثم التعبير عنها بعد التأكد من القدرة على ذلك.. ولا بأس أن يحفظ بعض الجمل والعبارات.. ومع تكرار ذلك يمكن أن يرتقى مستوى الخطيب ويستفيد كثيرا من أسلوب من ينقل عنهم.
7) على الخطيب أن يختار الموضوع الذي يعايشه ويتأثر به ويتفاعل معه.. لأن هذا سيساعده كثيرا على ارتجال التعبير.. وسيكون لهذا الارتجال فائدته كما أن تعبيراته ستكون قوية صادقة محسوسة قوتها للسامعين.. إذ غالبا ما تنبع هذه التعبيرات من القلب لتصل إلى القلب.
8) في نفس الوقت لابد أن يطور الخطيب نفسه.. وأن يتدرب على إلقاء موضوعات متنوعة.. ولا يقتصر على جانب واحد حتى لا يمله الجمهور.. خصوصا إذا كان يخطب في واقع ضيق كالقرية مثلا
9) إن الجمهور في البلد الكبير ذي المساجد الكثيرة يمكنه أن يتخير من بين الخطباء الأسلوب الذي يميل إليه.. فيجد في مدينة كالقاهرة خطباء كثيرين ولكل خطيب أسلوبه المميز الثابت.. وربما كانت له سلسلة من الموضوعات تطول حتى السنة والسنتين.. ومع ذلك تجد له جمهوره الذي يتكبد المشاق حتى يصل إليه فتجد لكل خطيب جمهوره.
- أما القرية أو المدينة الضيقة فالخطيب مفروض عليهم فهم أسرى خطبته.. وبالتالي فإن على الخطيب ألا يملهم بنمط واحد أو موضوعات متشابهة بل عليه أن ينوع.
- وهنا سيبدو سؤال محير!!!!
- هل يتحدث الإنسان دائما في المجال الذي يجيده ويقتصر عليه كما قلتم من قبل؟.
- لو فعل ذلك لضاقت عليه المجالات وحصر نفسه في مجال واحد وتكررت موضوعا ته وحتى أسلوبه.
- فمن أين لنا أن نرى قوة الصوت وعلو النبرة وهو دائما يختار موضوعات لا تحتاج إلى ذلك ؟.
- أم يتحدث في أكثر من مجال فتتح له الفرصة لاستخدام كل قدراته ومهاراته؟؟.
- لو فعل ذلك ستكون هناك مجالات يضعف حديثه فيها عن مستواه المعتاد لأنه لا يجيد إلا نوعا واحدا!!.
- و الصواب والله أعلم أن يسير في الطريقين معا.. يخطب فيما يجيده.. وفى نفس الوقت يتدرب على مجالات جديدة.
- لكن لابد أن يكون مدركا أنه يتدرب وعلى ذلك فربما تدرب أمام جمهور أقل و أبسط ثقافة.. كما أنه سيقنع بنسبه أقل من النتيجة المتوقعة لأنه يعلم أنه ما زال يتدرب فلا يصدم بنتيجة الخطبة.
- وهكذا ولكن ليس كل خطيب يمكنه أن يتحدث في كل المجالات حتى لو تدرب عليها.. وإنما يشترط أن يكون لديه استعداد ينمو مع التدريب.
- لذلك عندما يدرك الإنسان من نفسه بالتجربة أن هناك مجالات هو غير مؤهل للحديث فيها وليس لديه الاستعداد الذي ينمو بالتدريب فعليه أن يتجنبها منعا للحرج أو القول بغير علم.
10) على الخطيب ألا يكرر موضوعاته فعليه أن يختار موضوعا جديدا ويجتهد في الاختيار.. لأن هذا التكرار المريح لذهنه وبدنه يخل بأمانة الخطابة ومضيع لها.. إذ أن خطبة الجمعة من الأهمية بمكان لدى المسلم وقد لا يكون المصلى قادرا على ترك هذا المسجد والذهاب لغيره ليستمع إلى جديد يتزود به إلى الخطبة القادمة.. وبذلك يكون الخطيب قد ضيع مستمعه الذي هو أمانة في عنقه.
- وإذا كانت المناسبات السنوية قد تدعو إلى التكرار.. فإن الخطيب من الممكن أن يتناول المناسبة كل مرة من زاوية جديدة.. وأن يضع للخطبة مقدمة جديدة.. وعلى الخطيب أن يستفيد من أفكار غيره فيقرأ ويسمع كثيرا حتى يمكنه أن يأتي بأفكار جديدة على جمهوره.
- فإذا أعيا الخطيب أن يجد جديدا في المناسبة فالأفضل ألا يكرر.. وإنما يخطب خطبة أخرى.. ويمكنه أن يشير أشارة في نهاية الخطبة بتعليق قصير.
- وهذا أفضل من تضييع معاني الدين بين أسطوانة تتكرر ومستمع يتململ ويتضجر.. ولا يخفى على إخواننا الخطباء ما أحدثته الخطب المكررة المملة في نفوس المسلمين من فهم سيئ لمقصود الدين واستخفاف بالخطباء
11) موضوع الخطبة يجب أن يكون في مستوى السامعين وليس أعلى منهم أو أقل.. لذلك على الخطيب أن يعرف جمهوره ويدرك مستواهم حتى يختار الموضوع المناسب.
- أتذكر إلى الآن خطبه سمعتها منذ أكثر من 25 عاما كان الخطيب أستاذا في الجامعة وكان موضوع الخطبة: "المنهج الإسلامي" ولم أفهم من هذه الخطبة سوى كلمة واحدة هي المنهج.
- لقد خرج الناس متضجرين لم يفهموا من الخطبة شيئا.. فهم معذورون فلا الموضوع مناسب لمستواهم.. ولا هو حتى يصلح لخطبة الجمعة.
- وفي المرة القادمة بإذن الله نتحدث عن النقاط الأخرى التي ينبغي على خطيب الجمعة أن يدقق فيها قبل اختياره لموضوع الخطبة.. فإلى لقاء.
لمزيد من المواضيع طالع ساعة الإجابة في يوم الجمعة
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | السمات والصفات |
| حياك الله شيخنا الكبير فكم نحن في احتياج شديد لنصائحك اتمني عدم غيابك عنا فكلامك الذي مابعده كلام |
| الإسم | ابو بكر العربى السيد |
| عنوان التعليق | هذا لو كانوا يعدون الخطبه |
| جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب .لكن هذا ان كان خطباء اليوم يعدون لها .فكلهم اما ان يسمعوا شريطا وعلى المنبر يتلونه كالبغبغاء وهولاء احسن حالا من غيرهم ووالله سمعت خطبه عن اليهودمع النبى ما تكلم الخطيب كلمه صح .وبعضهم يقول الذى لم يحضر يسمع لى اولئك كره الله انبعاثهم.....
وجزاكم الله خيرا |
عودة الى دروس في الدعوة
|