English الجمعة 26 ربيع الأول 1431     12 مارس 2010
البحث التفصيلي
التفاصيلرسائل الموبايل : 15 مارس.. وأكذوبة الهيكل
خبر وتعليق
    أربعة من العرب فى قائمة أغنى مائة شخصية فى العالم , وفق مجلة فوربس الأمريكية         مقتل عدد من المحتجين الجنوبيين فى اشتباكات بين الجيش والانفصاليين فى اليمن         عشرات القتلى والجرحى فى اشتباكات بين قوات الحكومة ومقاتلى حركة الشباب فى العاصمة الصومالية         نائب الرئيس الامريكى يدين بناء 1600 وحدة سكنية جديدة فى القدس , اثناء زيارته لاسرائيل         رئيس الوزراء التركى , طيب اردوغان يفوز بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الاسلام    

الأزهر في عهد شيخه الجديد:
سيكون أقوى
سيضعف أكثر
سيتلافى العيوب السابقة
سيكون همه رضا الحكومة فقط
اقتراعات سابقة

نظرات فى واقع الحركة الإسلامية ( 1- 4)

بقلم أ. سمير العركي

- النظرة الأولى:-

- في ظل حمى المراجعات التي اجتاحت جميع القوى الفكرية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. والتي ظلت عند الأكثرين مجرد دعاوى تقف الحركة الإسلامية في القلب من هذه الأحداث بما تحمله من مشروع إصلاحي يهتم بالإنسان والمكان.

- لذا .. فهي مطالبة قبل غيرها بالمراجعة والمحاسبة حتى لا تجد نفسها خارج إطار الحدث.. نظراً لعكوفها على مقولات واجتهادات  تجاوزها الزمن ونأى عنها المكان.

- وهذه هي مهمتنا نحن ـ شباب الحركة وشيوخها ـ الذين نشأنا في حجرها, ورضعنا من لبنها, وصددنا عن حوضها, حتى نحافظ على أصالة الحركة, ونحقق لها المعاصرة المنشودة.

- ولعل القضية التي تحتاج إلى جهد جهيد, وتجرد شديد وتقف على قمة أولويات البحث والمراجعة هي قضية العلاقة بين الفصائل ومدارس الحركة الإسلامية.

- فالناظر إلى طبيعة هذه العلاقة  على مدار السنوات الطويلة الماضية سيجد أنها تعرضت لهزات شديدة, والتواءات عنيفة جعلتها ضعيفة هشة لا تصمد أمام أي خلاف حتى ولو كان بسيطاً.. خاصة مع اختفاء الأسس الراعية, والسياج الواقية.

- ومن العجيب أننا وفي ظل عالم تحكمه منظومة العولمة, وتسعى فيه القوى الاقتصادية والسياسية إلى التكتل, مازالت فصائل الحركة تعيش في جزر منعزلة بل ومتناحرة.

- وإنها ـ لعمرو الله ـ  من أعظم المفاسد التي ترتكب في حق هذا الدين أن يترك هذا التطاحن بلا جهد يُبذل من أجل محاصرته  والقضاء عليه.

- فالرماح المُشرَعَة  يتسلمها جيل من جيل, والأقلام المسنونة يتعاهدها اللاحق من السابق.. حتى ضَجَّ المخلصون من أبناء الحركة .. وهم كُثُر ولله الحمد بالشكوى.

- والسؤال: أين نحن من أنفسنا ؟!

- في ظل هذه الأوضاع المأسوية التي يعيشها الإسلام, يجب علينا أن نتوقف لدراسة هذه الحالة العصيبة لتشخيص الحالة, ومحاولة وضع العلاج الناجح لها...

- الأسباب المفضية لهذه الأزمة:

1. ادعاء احتكار الحقيقة المطلقة: 

- فكل فصيل يعتبر نفسه أنه المالك الوحيد للحل المطلق الأكمل, وأن طرحه على المستويين النظري والعملي هو الطرح الأمثل الذي لابد وأن يلتزم به الجميع.. ومن خرج عنه فقد خرج على ثوابت الإسلام ذاتها.

- ومن المعلوم أن الحقائق المطلقة التي اتفقت  عليها الأمة يوجد جلها أو معظمها في مضمار العقائد.

- وهذه أبواب الفقه شاهدة بالاختلاف الواقع بين الأئمة, كل حسب اجتهاده, بالرغم من ذلك لم يدع أحد منهم احتكار الحقيقة المطلقة.

- يقول ابن تيمية رحمه الله: (وهؤلاء الأئمة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولنه وذلك هو الواجب عليهم, فقال أبو حنيفة: "هذا رأيي فمن جاء برأي خير منه قبلناه".

- ولهذا لما احتج أفضل أصحابه أبو يوسف, أتى مالكاً فسأله عن مسألة الصاع وصدقة الخضروات ومسألة الأجناس, فأخبره مالك بما يدل على السنة في ذلك فقال: "رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله", ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله).

- ومالك كان يقول: (إنما أنا بشر أصيب وأخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب  والسنة).. أو كلاماً هذا معناه.

- والشافعي كان يقول: (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي).

- فإذا كان هذا هو رأي الأئمة في اجتهاداتهم ... فما بالك بمن هو دونهم.

- فالأطر الفكرية والحركية التي تؤطر مسارات الحركة إنما هي اجتهادات بشرية محضة, حاول منظروها ـ بكل إخلاص وتجرد ـ وضع هذه الأطر التي تحدد المسار وتوضح الرؤية, ولكنها في النهاية اجتهاد قابل للنقاش, متعرض للأخذ والرد دونما تعصب أو تشنج.

- ومما لا شك فيه أن وضع هذه الاجتهادات على طاولة البحث العلمي المتجرد تزيدها ثراءً ونماءً, لا دحراً وانمحاءً كما يظن البعض.

- فالثوابت التي لا يجوز فيها الاختلاف, أو ادعاء نسبية الحقيقة فيها هي ثوابت الدين ذاته من الإيمان بالله واليوم الأخر وكليات مسائل الاعتقاد التي اتفق عليها أهل السنة والجماعة.. وإنما قلنا هنا الكليات, لأنه توجد جزئيات في مسائل الاعتقاد ساغ فيها الخلاف ولم يُبَدَّع المخالف.

- فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة أسري به؛ نفتها السيدة عائشة وأنكرت  إنكاراً شديداً على مثبتها حتى ذهبت إلى تكذيبه في الوقت ذاته أثبتها ابن عباس رضي الله عنه.

- فقد أخرج الشيخان عنها أنها قالت: (من حدثك أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب).......الحديث.

- وبالرغم من ذلك لم يقل أحدٌ بتبديع أي من الفريقين, (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا).

- فوضع مسائل الاختلاف ومجاري الاجتهاد في إطارها الصحيح سيهون من شأن هذا الخلاف طالما أنه مما يسوغ فيه الخلاف.. والبعض من أصحاب الاتجاهات الإسلامية يعتبر أن جماعته هي المصيبة دائماً  في كل خلاف.. وأن كل من خالفها فعليه أن يترك جماعته لينضم إليهم, وهي نظرة ضيقة فيها من الغلو وعدم تقدير واقع أي من الجماعات والاتجاهات الموجودة على الساحة.

2. التربية الخاطئة:

- فصفاء الابتداء يولد شخصية متزنة ذات همة عالية قد اجتمعت لها القوتان العلمية والعملية.

- أما فساد الابتداء فهو الهلاك حتى وإن اهتدى بالسالك الطريقَ قليلاً، يقول أحد الصالحين محذراً ومنبهاً:

- (إنما تتولد الدعوى من فساد الابتداء, فمن صحت بدايته صحت نهايته, ومن فسدت بدايته فربما هلك).

- فمن أعظم الجنايات التي ترتكب في حق ناشئة الدعوة أن يلقنوا تعصباً مقيتاً لجماعتهم, وبغضاً  عظيماً للآخرين, وازدراء عجيباً لكل داعية سوى دعاة جماعتهم.

- يقول ابن تيمية رحمه الله: (وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب, أي تصير حزباً فإن كانوا مجتمعين على ما أمر به الله ورسوله من غير زيادة ولا نقصان.. فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.. وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا.. مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل, والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق أو الباطل.. فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله فإن الله ورسوله أمر بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف, وأمرا بالتعاون على البر والتقوى, ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان).

- وكما يقول د./ صلاح الصاوي:

- (إن آفة الآفات وعلة العلل في العمل الإسلامي المعاصر تتمثل في شد أصرة التآخي على ما دون الكتاب والسنة من الآراء والاجتهادات, وفي ذلك تشقيق للأمة وتغرير باجتماع كلمتها وأهل هذا الأصل خارجون عن السنة والجماعة, داخلون في الفرقة والبدعة).

- فهذه هي ألوية أهل السنة المعقودة في ميدان الاجتماع ... فأين نحن منها؟ !!

- وما يلقن للناشئة في بدء سيرهم أمور تحزن القلب, وتدميه وتبعث الأسى على النفس. فيجب معاودة النظر في مثل هذه المفاهيم المغلوطة وإحلال المنهج السوي مكانها.

- ولن يكون ذلك إلا بإحياء أدب الاختلاف قولاً وعملاً, فكراً وسلوكاً  نظرية وتطبيقاً وأن تربي الأجيال الصاعدة على هذا الأدب الرفيع, وأن يُعَلَّموا ويلقنوا أن: (تفاوت الأنظار في مجاري الاجتهاد ليس هو المحذور ابتداء, ولكن المحذور ما قد يفضي إليه ذلك لدى بعض الناس من التعصب والتفرق والاختصام وهذه النظرة هي التي تحدد ابتداءً منهج التعامل مع هذه الفتنة وترسي أسس معالجتها في إطار من الشريعة والواقعية ...)

- وأن تربي الأجيال بل الحركة جمعاء على سيرة سلفنا الصالح في اختلافهم، فهذه نتفٌ توضح أدبهم الجم في تعاملهم مع بعضهم البعض, رغم اختلاف اجتهاداتهم, وتنوع آرائهم.

- يقول الشافعي رحمه الله: (مالك بن أنس معلمي, وعنه أخذت العلم, وإذا ذكر العلماء فمالك النجم, وما من أحد أَمَنُّ عليَّ من مالك بن أنس).

- وكان يقول رحمه الله: (الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة).

- وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قلت لأبي: (أي رجل كان الشافعي, فإني أسمعك تكثر الدعاء له, فقال يا بني كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا, وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض ؟!!).

- وعن صالح بن الإمام أحمد قال: (لقيني يحيى بن معين: قال أما يستحي أبوك مما يفعل, فقلت: وما يفعل؟.. فقال: رأيته مع الشافعي راكب, وهو راجل آخذ بزمام دابته فقلت لأبي ذلك, فقال إن لقيته فقل: يقول لك أبي: إذا أردت أن تتفقه فتعالى فخذ بركابه من الجانب الأخر).

- فهؤلاء هم أئمة المذاهب تشعبت بهم الفروع وذهب بكل واحد منهم مسلكاً سوى الآخر, ولكن جمعتهم راية الألفة والمودة وأخلاق الحب والتقدير.

- إن هذه المسالك التربوية الخاطئة هي التي أفرزت لنا شباباً تراه غض الإهاب, حاد اللسان, لا يتورع عن رمي كبار الدعاة وفحول العلماء بالبدعة والجهل, والتفريط والإفراط ؟!

- فعلى عاتق من يقع وزر أمثال هؤلاء؟!

- ولماذا نحرق أنفسنا بأيدينا؟

- ولماذا لا نعمل على ترشيد فورة الشباب وثورته، بدلاً من إعطائها الصكوك لتحطيم الرموز, وتدميرها؟!!

- لا ندعي العصمة لأحد، ولا نرفع أحداً إلى مقام التقديس حاشا لله، فكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه التوقير والاحترام، ودعاء المؤمنين:

- (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ).

3. إحلال التدابر مكان التواصل ... وإتباع سياسة التجاهل:

- إذا كان الإسلام قد ندب إلى سياسة الحوار البناء مع أهل الكتاب (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ), (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ), فإن إقامة مثل هذا الحوار بين أهل الإسلام أوجب وأكد.

- وهذه الحوارات المنشودة والمرجوة تسهم إسهاماً عظيماً في إذابة الجليد المتراكم بفعل عوامل الزمن والأحداث وتساعد على تقريب وجهات النظر في كثير من المسائل محل الخلاف بل وتؤدي إلى تجسير الهوات, وردم الفجوات.

- هذه كلها أمور لا يتنازع فيها اثنان, ولا يملك أحد إزاءها إلا التسليم والدعاء بالتوفيق.

- ولكن إذا نظرنا إلى ما يحدث بين فصائل الحركة سنجد أموراً تترك الحليم غضبان, والعاقل حيران.

- ففي الوقت الذي تسرع فيه الحركة إسراعاً يصل إلى حد الهرولة إلى إقامة الحوارات مع التيار العلماني (وهي خطوة لا غبار عليها إيصالاً للدعوة وإعذارا ً إلى الله).

- نجد عجباً فيما بين الحركة وبين نفسها.. فالتدابر هو الشعار المرفوع (ولو عملياً).. والتجاهل هو السياسة المتبعة التي لا تخطؤها العين.

- وكأنه لا توجد رابطة من إيمان تجمع هذه الفصائل..

- وكأنه لا يوجد همٌّ مشترك يؤرق مضجع الجميع بلا استثناء..

- وكأننا قد بتنا نغفل عن نداء الرحمن..

- (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ) ... (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ...

أكـــــلُّ الــــــرؤوس ســـــــــواء

أقـــلــــب الــغــــير كقلـــب أخيك

أعـــــيــناه عــــيـــنا أخـــــــيـــك

وهـل تتســاوى يدٌ سيفها كان لك

بـــيــــد سيـــــفــــها أثكــــــــلــك

- وهذه المأساة إنما نسجت بسبب سياسة الإقصاء التي تسللت إلى نفسيات العاملين للدين تجاه بعضهم البعض, وهو الأمر الذي سنتناوله بالحديث  ـ قريباً بإذن الله ـ مما أدى إلى نفور كل فصيل من الآخر.

- يقول الشيخ الألباني رحمه الله: (سياسة الولاء والبراء لا تستلزم معاداة أي فئة من الفئات الإسلامية أو أي طائفة من الطوائف الإسلامية, ولكن يجب أن نعامل كل واحدة منها في حدود قربها أو بعدها من العقيدة الصحيحة أو من التمسك بالإسلام الصحيح ككل.. والمعاداة لا تأتي إلا في حالة اليأس من صلاحها وهدايتها.. فحينئذ يأتي ما هو معروف بالبغض في الله.. أما ابتداءً فلا ينبغي للمسلم أن يعادي أحداً من الطوائف الإسلامية)

- فمتى يا كرام الناس ينتهي هذا التدابر.. وتنمحي سياسة التجاهل؟.. ويجلس دعاة الإسلام حول طاولة الحوار, يقيناً ستسهم في تقريب وجهات النظر مع احترام وجهات النظر المخالفة فلا ينبغي التدابر والتباغض من أجل خلاف في الرأي.

- يقول ابن تيمية رحمة الله: (وأما الاختلاف في الأحكام فأكثر من أن ينضبط  ولو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة).

4. تفشي روح الحزبية:

- وآية ذلك ما تراه بين فصائل الحركة من عدائية واضحة, ورغبة كل فصيل في التخلص من نظيره, أو في أحسن حالاته تمنى إخفاقه وكأن ميدان الدعوة الرحب لا يسع الجميع!!.

- ومتى استطاع فصيل واحد أن يسد في مضمار الدعوة بجميع أشكالها وألوانها؟!.

- وإن إخلاص الدعاة لدعوتهم يقتضي منهم أن يفرحوا متى حقق داعية خارج إطارهم التنظيمي نجاحاً ملموساً.. أو متى فتح الله على فصيل من الفصائل باب هداية الناس وانجذبت القلوب إلى دعوتهم.

- أليست كل هذه النجاحات تصب في النهاية في صالح الإسلام؟!

- وأنه من آيات تفشي روح الحزبية داخل الحركة الإسلامية تخندق كل فصيل خلف اجتهاداته الحركية ورؤيته الفكرية بزعم أنه منهجه الفكري الذي يوالي عليه ويعادى عليه، ولنا هنا وقفه أراها ضرورية وهامة.

- إنني قد أتفهم أن تتفرق الأحزاب السياسية و القوى العلمانية تبعاً للايدولوجيا التي تعتنقها ما بين يمين ويسار حتى داخل المذهب السياسي الواحد؛ يوجد التشرذم فمثلاً هناك أقصى اليمين ويمين الوسط .. هكذا دواليك.

- والملاحظ أيضاً أن هذه الأيدلوجيات يستحيل اجتماعها فكرياً نظراً للتناقض الحاد في بنيتها.. ولكن في الإسلام يختلف الأمر كلياً فلا يوجد إلا فكر واحد جامع لجميع الرؤى والاجتهادات النظرية والحركية.. هذا الفكر له أسسه وثوابته من الإيمان بالله ورسوله والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة.

- ثم .. بعد هذا الاجتماع في الأساس تأتي مساحة الاختلاف في الرؤى والاجتهادات المشار إليها آنفاً .

- والحركة الإسلامية على اختلاف فصائلها (عدا التكفيريين) ملتزمون بهذه الأسس والثوابت, ثم يأتي الخلاف في الرؤى والاجتهادات الحركية وهي مساحة يُسمح فيها بالخلاف.

- يقول الإمام النووي رحمه الله:(ثم العلماء ينكرون في ما أجمع عليه, أما المختلف فيه فلا إنكار فيه؛ لأن على أحد المذهبين كل مجتهد مصيب, وهذا هو المختار عند كثيرين من المحققين أو أكثرهم.

- وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد والمخطئ غير متعين لنا, والإثم مرفوع عنه, لكن إن ندبه ـ على جهة النصيحة ـ إلى الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع  في اختلاف أخر.

- وذكر أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصري الشافعي في كتابه "الأحكام السلطانية" خلافاً بين العلماء؛ أن من قلده السلطان الحسبة .. هل له أن يحمل الناس على مذهبه فيما اختلف فيه الفقهاء، إذا كان المحتسب من أهل الاجتهاد.. أم لا يغير ما كان على مذهب غيره؟ والأصح أنه لا يغير .. لما ذكرناه.

- ولم يزل الخلاف في الفروع بين الصحابة والتابعين فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين, ولا ينكر محتسب ولا غيره على غير.

- وكذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً والله اعلم).

- ولولا خشية الإطالة لفصلنا في قول النووي رحمه الله فهو يحتاج إلى إعادة تأمل وتدبر لنقف على منهج سلفنا الصالح رحمهم الله في تعاملهم مع بعضهم البعض حال الاختلاف.

- فانظر إلى النووي رحمه الله في فهمه العالي لمقاصد الشريعة, وكيف أنه قدم مصلحة الاجتماع والائتلاف على ما سواها فوجه النظر إلى ترك الجدال والخلاف إن أفضى لمفسدة التفرق والتشرذم .. (....... لكن إن ندبه ـ على جهة النصيحة ـ إلى الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع  في اختلاف أخر،....)، وليس لأحد أن يعترض على مخالفه طالما أنه التزام بالأسس الجامعة.. (... ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً جلياً .....).

- ولكن الحركة الإسلامية ـ وللأسف الشديد ـ فشت فيها روح الحزبية مما أدى إلى تعظيم مواطن الخلاف والتخندق حولها, ونسيان مواطن الاتفاق والائتلاف والأسس الجامعة  لهذه الفصائل.

- وبات كل فصيل يجتهد اجتهاداً عجيباً لتقرير مواطن الخلاف وإبرازها, وكأن الخلافات هي المبرر الشرعي لقيام هذه الكيانات!!

- والله ـ سبحانه وتعالى ـ قد أمرنا بمباينة الكافرين والتميز عنهم, ولم يأمرنا ـ كمؤمنين ـ بمباينة بعضنا البعض ... والرسول صلى  الله عليه وسلم يحدد طبيعة العلاقات بين المؤمنين: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).

- فأين هي أسس الموالاة المأمورون بها شرعاً؟!

- يقول الشيخ/ حسن البنا ـ رحمه الله ـ في رسالة التعاليم في البند الثامن: (والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء , ولكل مجتهد أجره, ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب).

- فهذه هي الأدواء العضال التي استقرت في الحركة الإسلامية وتبعد بها عن ربانيتها، فإلى متى سيظل هذا العبث قائماً؟

- وهل سنظل ندور في هذه الحلقة المفرغة التي تفنى فيها الأعمار وتبدد من خلالها الجهود؟

- وألم يحن ـ بعدُ ـ الوقت للتخلص من هذا الإرث الحزبي المقيت؟

- وهل كتب علينا أن يتسلمه الجيل اللاحق من السابق؟!

- إنكار الذات.. المفتاح الذهبي لتقدم الحركة الإسلامية..


الإسمياسر سعد
عنوان التعليقالخلاف سياسي
تتصارع التيارات الاسلامية على ريادة التيار الاسلامي ولن تترك حركة ريادتها لغيرهاوفي سبيل ذلك لن تساعد حركة غيرهاوالأوقع أن تقدم كل حركةحلولهاالفقهية والسياسية ويفصل بينهم جموع المسلمين فلما غيبت الجماعة الاسلاميةداخل السجون تهيأ لغيرها الريادة لأن الجماعة الإسلامية وقعت في خطأ فقهي وسياسي ومن وجهة نظري أن الجماعة الاسلامية بعد أن راجعت فقهها وسياستها هي المؤهلة لريادة التيارات الاسلامية فلا تضيعوا أوقاتكم إلا في الفهم والتحصيل والاستعداد لاستلام مسئوليةالتيار الاسلامي الذي طاله ما تعلمون وتحية للدكتور ناجح في نصيحته السياسية المبنية على علم فقهي فأنتم تتحملون حريةالتعبير وتحترمون المتخصصين وتراجعون أخطائكم متواضعين ولو لم تعلن الحركات الاسلاميةالمنافسة مراجعتها فلن تسمح لكم بمرجعاتهم فلا تضيعوا أوقاتكم وهلم للعمل والتحصيل والمراجعة المستمرة واصبروا على أذى الآخرين فالنصر مع الصبر.

الإسممحمد محمد
عنوان التعليقتحية للشيخ سمير
تحية للشيخ سمير على هذا العمق فى الكتابة و الموضوعية فى الطرح والتشخيص الثاقب لأدواء الحركات الإسلامية و لقد طالعت الموضوع كاملا فى مجلة " المنار الجديد " و لا يفوتنى الشكر للأستاذ جمال سلطان مدير تحرير المجلة على إتاحته الفرصة و احتضانه لكل أصحاب الكتابات ذات الجدية و الموضوعية فى الطرح بغض النظر عن انتماءات أصحابها حيث أتاح الفرصة للشيخ عبود الزمر - فرج الله كربه - و للشيخ فوزي الشريف و للشيخ سمير العركى و غيرهم سواء فى المجلة الفصلية "المنار الجديد" أو الجريدة اليومية " المصريون" متمنين التوفيق للجميع.

الإسمالحفيان
عنوان التعليقمطلب شرعي لو أن له مدكر
الذي ذكرت اخي كاتب المقال امر في غاية الخطورة واسأل الله أن يكون ماتقول كالذي تدين لله به وهذه الدعوة ارى ان امامها عوائق عديدة اقلها خطورة محاربة الحكومات لها واشدها معارضة القيادات القديمة لهذه الدعوة وخاصة من اعتادت على التقديس والتسليم لما تقول وان خالف الشرع . واهمها حاجتها لرجال لايعرفون الاالحق بغيتهم واحترام العلم الشرعي والامة لن تعدم مثلهم علماء افقدهم قول الحق كل من ادعى صداقتهم فهل ياترى سنراهم اللهم امين يارب العالمين


عودة الى دروس في الدعوة

حقوق النشر محفوظة
islam - islamic - muslim - egypt - egyptian - islamicgroup - group - religion - gamaa - jamaa - islamia - الجماعة - الإسلامية - اسلام - مصر - الاسلامية -
Locations of visitors to this page
       ._