نظرات فى واقع الحركة الإسلامية ( 2- 4) بقلم أ. سمير العركي
- النظرة الثانية:
- يحلو للبعض أحياناً حين يجول ببصره في ساحة العمل الإسلامي, أن يسلط الأضواء الكاشفة فوق مواطن الخلاف بين الاتجاهات الإسلامية العاملة.. وأن يسعى جاهداً لإبراز ملامح الجدل والشقاق بين تلك الرؤى المختلفة.. حتى ليظن الظن أن ليس هناك موطئ قدم للتلاقي والاتفاق بين هذه الجماعات والتيارات المتنوعة.. وأن وضع الحركة الإسلامية المعاصرة ينذر بخطر فادح وشر وبيل.
- والحقيقة أن هذه النظرة تميل بدرجة كبيرة نحو التشاؤم والسوداوية.. وتحمل قدراً غير يسير من التزيد والمبالغة.. فلا شك أن هناك نوعاً من التباين في الرؤى والاجتهادات بين الجماعات العاملة للإسلام.
- لاسيما حين يتعلق الأمر بتكييف الواقع, وتحديد الصورة المثلى للتعامل معه, وصولاً إلى الهدف الذي توافق عليه الجميع.. وهو تعبيد الناس لربهم.. وجعل الإسلام العظيم واقعاً معاشاً بين الناس وحاكماً لحركة المجتمع على الأصعدة كافة .. إلا أن هذا القدر من التباين إنما هو قطرة في محيط ما هو متفق عليه بين الجميع.
- وحتى نضع القضية في إطارها الصحيح دون مبالغة أو تهوين.. فيمكننا القول بأن هذا التنوع الحادث بين العاملين للإسلام إنما هو من قبيل التنوع المحمود, طالما كان مندرجاً في إطار ثوابت الإسلام العظيم .. ومحتمياً بسياج متين من أصوله وقطعياته.. وهو ما يجعل من هذا التنوع مصدر قوة لا نقطة ضعف, و عامل بناء لا معول هدم.
- هذا المعنى السابق ليس غريباً على الحس الإسلامي, و هو احترام الإسلام للتنوع الفكري والتباين الاجتهادي ما دام دائراً في إطار ثوابت الدين.. وقد كان الإسلام بذلك متسقاً مع سنن الفطرة, ومتوافقاً مع نواميس الكون.. فالبشر مثلاً على اختلاف ألوانهم وأشكالهم.. وتعدد لهجاتهم وألسنتهم.
- يمثلون صورة بديعة من صور التنوع في إطار المظلة الجامعية التي هي وحدة الجنس البشري.. وفي هذا يقول المولى تبارك وتعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).. ومثل هذا التنوع البديع هو الذي يمنح الحياة رونقها الرائع, ويضفي عليها حسنها الخلاب.
- فلسنا, إذن, مع الناظرين لذلك التنوع في ساحة العمل الإسلامي على أنه شر محض, ولا مع القائلين بأنه السبب الأساسي في تمزيق شمل الأمة, وتوهين قواها وتفتيت صفها, إذ إن حال الأمة لا يخفى على أحد.
- وما هذه الكيانات العاملة للإسلام, في وجهة نظرنا, إلا محاولة صادقة لجمع الأمة حول أهدافها العظمى.. وتنسيق جهود أبنائها في وجه أعدائها الكثرة.. وترشيد السلوك والأفكار لما فيه النفع للإسلام والمسلمين فهي بمثابة خطوة أولية على طريق الوحدة الإسلامية الجامعة.. ومرحلة متوسطة بين واقع أمتنا المحزن, وغدها المشرق المأمول.
- نعم هناك تباين واختلاف في كثير من الرؤى والاجتهادات بين فصائل العمل الإسلامي.. ولا ضير من ذلك, ولا ينبغي أن يشغلنا كثيراً وجود هذا التباين.. أما ما ينبغي أن يكون شغلنا الشاغل, فهو الإجابة عن بعض التساؤلات, والتي من أهمها:
- كيف تتعامل مع هذا الخلاف الواقع بصورة صحيحة راشدة؟
- وما السبيل لجعل هذا التباين مصدر قوة وثراء؟
- وما الدور المنوط بنا لترشيد هذا الخلاف؟ والإفادة منه في تحقيق التكامل بين الجميع؟
- وبداية.. من الضروري جداً أن نضبط تصورنا وتصور إخواننا العاملين لهذا الخلاف وذلك بأن نضعه في إطاره الصحيح.. وننظر له على أنه خلاف طبيعي ناشئ عن تباين العقول الإفهام في نظرتها للواقع المحيط وتحليلها لمكوناته المعقدة.. وفي تعاملها مع أدلة الشرع وكيفية تنزيل أحكامه على الواقع .. وهذه الدوافع ليست بالجديدة ولا المستحدثة.
- فمازالت الكتب المدونة, والآثار العلمية المنقولة تشهد بوقوع الاختلاف بين الأئمة والعلماء السابقين.. وهو ما خلف لنا تراثاً فقهياً وفكرياً ثرياً وعظيماً.. بل إنه جيل الصحابة رضوان الله عليهم لم يخل من وقوع الخلاف في المسائل الاجتهادية وحدوث التباين في الرؤى والإفهام.. ولم يفض ذلك إلى التنازع و الخصام.
- فهناك ثوابت تجتمع الأمة حولها على اختلاف مشارب أبنائها كالإيمان بالله ورسوله وسائر الأركان, وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير ذلك من ثوابت الدين.. وإضافة لما سبق, فهناك ثوابت تجمع كل العاملين للإسلام بشتى فصائلهم وتوجهاتهم, من الالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة وإقامة قاعدة الولاء والبراء على أساس من الشرع لا الهوى.. وثبوت حقوق الإخوة في الدين.. ووجوب السعي لهداية الخلائق ودعوتهم إلى الله تعالى.. إلخ.
- وبعد ذلك كله, لا مانع من تعدد الرؤى والاجتهادات في مجالات الدعوة والتربية والحركة من غير نكير.. فمن المحال أن تجتمع العقول والأفهام على رؤية واحدة أو اجتهاد بعينه.
- ومن هذا المنطلق ينبغي أن تكون نظرتنا للتنوع الحاصل في ساحة العمل الإسلامي.. وأن نعتبره ضرباً من التخصص والتكامل الذي تتضافر به الجهود.. وتسد به الثغور.. وتحييا به كافة شعائر الدين وشرائعه.
- ومن غير المستطاع ولا الممكن أن تضطلع جماعة واحدة مهما كان قدرها, أو فصيل بعينه مهما بلغ جهده, على واجبات الإسلام وفروضه الكافية.. إذ أن الإسلام أعظم من أن تحصره جماعة, و أكبر وأجلّ من أن يضطلع به طائفة أو فصيل.
- وبهذا يكشف لنا ذلك التنوع والتباين بين الجماعات العاملة للإسلام عن مظهر بديع من مظاهر حكمة الله الحكيم, ودليل من أدلة حفظه لهذا الدين.. فلولا التنوع لاختفت كثير من معاني الإسلام عن الوجوه.. ولاندثر العديد من شعائره وشرائعه.. لا لشيء إلا لأنها لن تجد من ينتصب لرعايتها.. ويحشد طاقته وجهده لإحيائها والحفاظ عليها.
- إن من أعظم ثمرات هذه النظرة المتوازنة لقضية التنوع داخل الصف الإسلامي أنها تفتح الطريق نحو مزيد من الانفتاح والتواصل دون استعلاء على الغير, أو تقوقع على الذات.. كما أنها تضع حداً لخطيئة التشنيع والاتهام المتبادل بتجزئة الدين واختزاله في جانب دون آخر.. ففي ظل هذه النظرة لا يعاب على التخصص والجزئية.. فكل فصيل يؤدي دوره في إطار المنظومة المتكاملة.. وكل طائفة تقف على ثغر من ثغور الدين.. وما تقصر فيه جماعة تتداركه أخرى.
- وبعد أن يستقر هذا التصور في نفوس العاملين للدين.. يأتي دور الخطوة الثانية, وهي:
- إحياء تلك القاعدة الذهبية التي أرساها أئمة الدعوة من قبلنا, وإنزالها في حيز التنفيذ بين العاملين للإسلام مع الالتزام بضوابطها الشرعية .. ونقصد بها القاعدة التي تقول:
- (نتعاون فيما اتفقنا عليه من الحق والخير والصلاح.. ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه من موارد الاجتهاد).
- وبناء على هذه القاعدة.. لا يصلح مطلقاً أن يجعل البعض منا شغله الشاغل هو تعميق مواطن الخلاف, وإبراز صور التباين في أساليب العمل ووسائل الحركة.. حني ليخيل للرائي, كما ذكرنا من قبل, أنه لا يوجد بين العاملين للإسلام سوى الفرقة والخلاف والتناقض.. رغم أن مواطن الاجتماع وموارد الاتفاق من الكثير بمكان.
- إن من غير اللائق بنا.. ونحن نمضي جميعاً على طريق الله عز وجل, نبتغي نصرة دينه وإعلاء شريعته, أن نترك ذلك الفضاء الرحب من التوافق والالتقاء.. لنتزاحم جميعاً فوق مضيق الخلاف والافتراق.. وعلينا أن نتذكر دائماً أن ما يجمعنا أعظم بكثير مما يفرقنا.. ولو أننا عمدنا إلى مواطن الاتفاق فيما بيننا, وصرفنا من الجهد في إبرازها وتوضيحها قدر ما نبذل في إظهار مواطن الشقاق, لتآلفت القلوب.. وتعانقت الأرواح.. وامتزجت المشاعر.. بل إننا لو عمقنا هذا الفهم في نفوس الناشئة من الشباب لاختفى التطاحن والتصارع من ميدان العمل الإسلامي.. ليحل محله الحب والمودة والوئام.
- وأخيراً:- وليس آخراً, ما أجمل أن يكون الحوار الدافئ البناء هو سبيلنا لمناقشة خلافاتنا الفرعية, ولتبادل آرائنا ووجهات نظرنا حول كل ما يمس ساحة العمل للإسلام.. ذلك الحوار الرقيق الذي يقصد الجميع من ورائه الوصول إلى الحق, والتناصح في الله تعالى, وقطع الطريق على دعاة الفتنة ومؤججي النيران.. حوار يعتمد على احترام الآخرين وإحسان الظن بهم .. دون غمط حقوقهم, أو انتقاصهم, أو التشكيك في نواياهم.
- وليكن منطلقنا جميعاً في هذا الحوار نابعاً من إيماننا بأن لا قدسية لفكر بشري.. وبأن كلاً يؤخذ قوله ويترك إلا صاحب الروضة الشريفة صلي الله عليه وسلم.. وبأن آراءنا واجتهاداتنا لن تنضج وتستوي على سوقها حين تطرح على طاولة البحث والمناقشة.. وتكون عرضة للأخذ والرد.
- نعم, قد تتباين آراؤنا.. وتتفاوت اجتهاداتنا.. ويطول بيننا الحوار والجدل.. ولكن رابطة الأخوة, وآصرة الدين الجامعة يجب أن تبقى تظلنا جميعاً دونما نظر إلى أي مسمي أو انتماء.
- وقد تذهب بنا رؤانا مذاهب شتى في إطار الإسلام العظيم.. ولكن يجمعنا دائماً وثاق الحب في الله.. وتشد من أزرنا رابطة العمل لهذا الدين.
- نظرات فى واقع الحركة الإسلامية ( 1- 4).
| الإسم | أبو لقمان |
| عنوان التعليق | التنظير له أصوله |
| أعتقد أن مسألة التنظير للواقع الإسلامي الحركي ,لابد أن تتمخض عن تجربة خلاقة ومشهود لها ولصاحبها وأن يكون من الشهرة بمكان وبما يؤهل الباحث أن يرتكز على خلاصة وعصارة افكار ومخرجات المنظر ,ولا اريد أن أقلل من قدر الكاتب ,فأنا رغم أني عضو في الجماعة من خمسة وعشرين سنه إلا أنني لم أتشرف بمعرفته ,لم أسمع عنه إلا من خلال الموقع ,وهذا لا يقدح فيه أو يقلل من قدره ,وفكرتي ببساطة ولا أقصد بها كاتب المقال أننا ننظر كثيرا وبدون ابجديات وهذا في حد ذاته يفرق ولا يجمع واعتقد أن مهمتنا الأن هي العمل ثم العمل ثم العمل في صمت وهدوء وفق رؤية المبادرة |
| الإسم | محمد صفوت سعودي كيلاني |
| عنوان التعليق | الكلام والواقع |
| جزي الله استاذنا الاستاذ سيد العركي خير الجزاء علي تلك المقاله الجميله ولكن استاذي الفاضل بما تفسر مايجري بين الحركات الاسلاميه بعضها البعض في فلسطين وفي باكستان وافغانستان والعراق ومصر والسودان تلك هي نظرات في واقعنا الاليم |
| الإسم | صلاح الدين |
| عنوان التعليق | حنانيك ..ياابالقمان |
| الاخ ابولقمان ماضرك لو شاركت الاخوة براي خلاق مع خبرتك الطويلة في العمل في الحركة الاسلامية 25 سنة بدلا من الانشغال بنقداخوانك والانتقاص من جهدهم فنحن احوج للبناء منا للهدم ونحن احوج لجهد كل مخلص سواء كنت تعرفه حضرتك او لاتعرفه الله يهدينا جميعالما فيه الخير للاسلام والمسلمين |
| الإسم | أبو لقمان |
| عنوان التعليق | تصحيح وليس نقدا |
| الاخ الذي رمز لنفسه (صلاح الدين)أنت تطالبني بالمشاركةوما يدريك أني لا أشارك وهل التعليق والمشاركة في تصحيح المسار ليس مشاركة أم تريدني أن أشارك وفق هواك بأن أهلل لك مايكتب دون وعي أو مناقشة ما ضرك أنت لو لم تعلق علي كلامي وأعتبرته رأي صواب أو خطأ ؟ياأخي كفي مزايدات علي انتماء الناس وولائها وجهودها فلن نتقدم خطوة بمثل هذا التفكير,أنا فقط طالبت بأن يتكلم كل واحد فيما يحسن وبما يملك مؤهلاته ,فإن كان هدف كاتب المقال إصلاح الحركات الإسلامية وتصحيح مسارها فمن يعرفها فيها ومن سيسرشد بكلامه ,أنا طالبت بالعمل في حدود الممكن بهدوء وصمت ,فهل هذا نقد هدام عندك؟!هذه الطريقة فيها إرهاب فكري وتكميم للأفواه,الأخ كاتب المقال له مقالات جيدة علي الموقع فلماذا لم ننقده نقد هدام ؟! وأنا أعتب علي إدارة الموقع في عدم وجود خارطة لتحديد المواقع وبوصلة لتحديد الإتجاهات فإن لكل مقام مقال ,وأخيراً كفانا تنظير فلسنا وحدنا علي الساحة وتجربتنا لا يمكن تعميمها وتجربتنا لم تكتمل بعد. |
عودة الى دروس في الدعوة
|