نظرات فى واقع الحركة الإسلامية ( 3- 4 ) بقلم أ. سمير العركي
النظرة الثالثة
- هناك حقيقة بديهية، بل وسنة كونية، لا تخطوها العين، بل ترشد إليها وتدلل عليها الحوادث التاريخية، فما تم شيء إلا ونقص، فالإنسان عندما يستوي عوده في الأربعين تبدأ مرحلة الهبوط والتراجع، والدول والأمم عندما يشتد عودها، وتقوى شوكتها وتستفحل قوتها، تدخل في دورة الانكماش والتراجع.
- هذا ما فهمه الصديق رضي الله عنه عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).. فبكى الصديق لأنه فطن أنها تؤذن برحيل المصطفى صلى الله عليه وسلم، فالكمال المشار إليه في الآية يعقبه نقصان، ومبدؤه رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- تذكرت هذا المعنى وأنا أتفرس الأحداث من حولي وأتأملها.. فخريطة الحياة السياسية تتغير وتتبدل.. والقوى السياسية لا تستقر على حال.. تتأرجح بها صروف الدهر ما بين صعود وسفول.
- وانظر إن شئت.. إلى قوى اليسار في بلادنا التي كانت ملء السمع والبصر خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.. وكانت تهيمن على المواقع الثقافية والإعلامية.. وما كان يظن أحد وقتئذ أن حالها سينتهي إلى التهميش والموت شبه الإكلينيكي بل ولا تذرف عليها الجماهير دمعا، ولا تلطم بسببها خدا ، وهي التي ادعت أنها صوت الجماهير، ونبضها.. وقد يأتي اليوم الذي تشيع فيه إلى مرقدها الأخير بلا نائحة ولو حتى مستأجرة.
- وحتى لا يبدو حديثي وكأنه شماتة من شخص يخالفهم تمام المخالفة في أفكارهم ورؤاهم.. فلندعهم يتحدثون...
- يقول البدري فرغلي (القطب اليساري البارز- الدستور 1/2/2006م):
- (بينما تدق طبول اليسار بالانتصار في عرين الأسد الأمريكي، يقدم لنا زعماء اليسار في مصر النموذج السيئ لزعامة الشعب المصري، بل أصبح بعضهم يطارد من قبل الجماهير الفقيرة التي من المفروض أنهم يدافعون ويضحون من أجلها، وحكاية اليسار المصري أنه يقبل بأرخص الأسعار، وهو يرى أنها قيمته الحقيقية).
- والحركة الإسلامية تعيش اليوم فترة الغيث بعد سني العجاف الماضية، وقد أقبلت الناس على الإسلام من جديد... وقد اختار الناس أصحاب المشروع الإسلامي، وما نراه من إقبال الناس على الإسلام فكرا وسلوكا.. كل هذا وغيره يبرهن على أن الحركة الإسلامية بدأت تسترد عافيتها ككبرى الحركات الإصلاحية الاجتماعية، لا نريد من هذه اللحظات السعيدة أن تنسينا أن لكل شيء إذا ما تم نقصان.. وعلينا أن نقف مع أنفسنا وقفة تأمل وترشيد حتى نحافظ على ما تحقق بل وننميه، كي لا تصاب الحركة بأمراض الشيخوخة، ويطويها الزمان، وتصبح نسيا منسيا..
- إنه استشراف للمستقبل من أجل تقوية حاضرنا، وتدعيم ركائزنا واستنباط الدروس النافعة المفيدة لمواصلة مسيرتنا وتجنب العطب والخلل.
- فهذه عشر نقاط مقصود بها رسم ملامح الوعي والرشد في مسيرتنا لا نقول أنها حصرية ولكنها علامات وإرشادات لمن أراد أن يواصل تدعيم المسيرة بما يحفظ عليها رونقها وبهاءها، والأهم.. صفاؤها الديني والفكري، وعافيتها العقلية والروحية.
- أولاً: أهمية إحيــــاء فقه المراجعات:
- فلابد من التفرقة بين النص الشرعي (الكتاب والسنة) كنص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبين الرؤى والاجتهادات المفسرة لهذا النص، فالنص تنزيل إلهي أو قبس من مشكاة النبوة: ( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ )، (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
- أما التفسير فهو جهد بشري يحتمل القبول والرد، والأخذ والتعديل طالما أن كل ذلك (التفسير والمراجعة) يتم في إطاره الشرعي الصحيح الذي حدّه العلماء للتأويل المقبول.
- فالجهد البشري مهما بلغ ونما هو جهد نابع من تصورات الإنسان وإدراكه، وهذه تتعرض للتطوير والتعديل والنماء، فتصوره وإدراكه لا يتوقفان، وهذا ما يجعله يعيد تشكيل فكره ووعيه مع هذا التغير والتعديل والنماء.. بل وتتحكم العوامل الخارجية في صياغة هذه المقولات وتلك الاجتهادات، فاجتهاد الشافعي في مصر ليس اجتهاده في العراق، فالبيئة تغيرت فتغيرت معها الاجتهادات القابلة للتغيير.
- ولكن ها هنا ضوابط لابد منها حتى لا يصبح فضاء الفتوى والاجتهاد حرما مستباحا يلج فيه كلّ دعيّ دخيل هدفه الإفساد والإصلاح وهي:
- الاجتهاد موكول إلى أهل العلم والدراية المستجمعين لآليات العلوم الشرعية.
- الاجتهاد له ضوابطه وآلياته المحدودة والمرقومة في كتب العلم المختلفة.
- الاجتهاد له منطقته التي يجوز فيها الاجتهاد، أما الثوابت التي تمثل أسس الإسلام وأركانه فلا اجتهاد فيها، فلا يخرج علينا مدع بدعوى استبدال العلمانية بالشريعة بدعوى تغير الأزمان! فهذه دعوى مرفوضة.
- الاجتهاد المقصود به بذل الجهد واستفراغه لاستكشاف كل المعاني التي يحتملها النص بدلالاته المختلفة، لا تعطيل النص..وفقه المراجعة هو علامة دالة على الحيوية والعافية، وليس كما يظن البعض أنها سبة يجب الاحتراز منها.
- بل أننا إذا نظرنا على المستوى الفردي سنجد أن الإسلام قد عظّم شأن المحاسبة ورفع شأنها، فعمر رضي الله عنه يقول: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم).
- وابن القيم رحمه الله يوضح ويفصل فيقول: (وقال بعض العارفين: متى رضيت نفسك وعملك لله فاعلم أنه غير راض به، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر، وعمله عرضة لكل آفة ونقص، كيف يرضى لله نفسه وعمله..) [مدارك السالكين1/34].
- فالعمل البشري عرضة لكل آفة ونقص فلابد من التوقف والمحاسبة.
- كذا.. على المستوى الجماعي لابد من التوقف والمحاسبة.. ولا تعني المراجعة الإدانة المطلقة لكل ما سبق، فقد تكون الرؤى والاجتهادات السابقة مناسبة ومتناسقة مع الزمن الذي صيغت فيه، ثم طرأ تغير الزمن فاستوجب معه تغير الاجتهاد فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان كما يقول العلماء والمحققون، فاجتهاداتنا التربوية والفكرية والدعوية كلها اجتهادات لصيقة بالبيئة التي صيغت فيها، والزمن الذي تبلورت فيه، فإذا تغيرت البيئة، وتطور الزمن، فأي معنى على ثباتها بل وجمودها.
- فمثلا الوسائل الدعوية التي كانت تستخدم منذ عشرين عاما كانت محدودة.. أما اليوم فقد تطورت وسائل (الميديا) تطورا مذهلا، وتعددت الوسائط الإعلامية تعددا يفرض على الداعية أن يطور وسائله بما يجعله يستوعب وسائل عصره.
- إن إحياء فقه المراجعات يتيح لنا العمل على بناء منظومة فكرية جديدة تستوعب التغييرات الحادة الحادثة في المشهد العالمي فانهيار الشيوعية (على المستوى الأيدلوجي والمستوى التطبيقي) قد خلف واقعا فكريا جديدا تحاول فيه المنظومة الغربية تسيد منظومتها الفكرية على العالم وخاصة الإسلامي منه من خلال فرض الديمقراطية والليبيرية وتوابعهما، والترويج لأفكار الحداثة.
- والفكر الإسلامي مطالب بالقيام بحركة فكرية واسعة لتفكيك هذه المنظومات الفكرية، وتشيد منظومة فكرية إسلامية.
- وكما يقول الدكتور/أحمد الراوي (الوعي الإسلامي - محرم 1427هـ): (ومن هنا يطرأ الإحساس بأن المنظومة القيمية الغربية الحديثة تتفكك لحساب محاولات تفسيرية جديدة، أو بفعل مراجعات (ما بعد الحداثة) ومداولاتها.
- وما يعنينا في هذا السياق هو ما يمكن استنتاجه من خلال ذلك من أن المشهد الفكري والفلسفي الإنساني مقبل على حال من الفراغ، أو أنه على الأقل يجتاز منعطفا كبيرا.. وتداعيات المرجعات الفلسفية الراهنة في الفضاء الغربي تستدعي إعمال النظر، وخصوصا من قبل المعنيين ببلورة مشروع حضاري إسلامي قادر على طرح خيارات إنسانية أصيلة.
- ولا أقول بديله وفق نهج تكاملي يتعامل بشكل بناء مع الجوانب الإيجابية مما هو قائم اليوم فيعززها، ويتولى في الوقت عينه طرح الحلول للجوانب السلبية الملموسة..).
- ثانياً: تطوير العقلية المسلمة:
- حتى لا تظل مكبلة بالقيود والأوهام التي تعوق انطلاقها نحو التفكير البنّاء السليم ولن يتأتي هذا إلا باستلهام طرق التفكير السليمة التي تعتمد على الاستقراء والملاحظة، والتجريب دون العمد إلى إصدار الأحكام الكلية التعميمية التي قد تقفز على جزيئات الموضوع وقد تبعد عنه.
- والقرآن الكريم أرشد المسلم إلى البعد عن مثل هذه الأحكام التعميمية حتى مع المخالفين له في العقيدة.. فقال جل وعلا: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا).. فالقرءان الكريم لم يعمم حكم الجحد وإنكار الأمانة على جميع أهل الكتاب بل فصّل وقسّم.. فمنهم المؤتمن الذي يؤدي الأمانة، ومنهم الخؤون الذي يجحدها وينكرها.
- ويقول سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ).. وهذا تعبير آخر معجز يعلم المسلم أهمية البعد عن التعميمات الخاطئة فلم يقل المولى: (إن الأحبار والرهبان ليأكلون..)، لا.. بل قال: (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ).
- فرغم اختلاف الملة والعقيدة فلابد من الاعتراف أنه يوجد قسم لا يأكل أموال الناس بالباطل.. وهذه هي عظمة الإسلام في العدل حتى مع مخالفيه. لذلك يعمل على تطوير العقلية المسلمة بما يسمح لها بممارسة النقد المشروع والهادف فلا يصبح عقل المسلم مخزنا لكل فكرة أو قول.
- وكم من أخطاء ألمت بالحركة لأنها لم تمارس النقد الهادف على الأقوال والأفعال، ذلكم النقد القائم على دعامتين.. اكتشاف مواطن العطب واستبعادها، وإحلال الرؤى الصحيحة مكانها.. فلا يكتفي النقد بمجرد الهدم وفقط .. بل إنه يهدم ما يستحق الهدم، ويشيد ما من حقه أن يشيد.
- فابن تيمية رحمه الله رغم أنه يقول في مقدمة رسالته (الرد على المنطقين): (أما بعد.. فإني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد).. إلا أنه لم يكتف بهذا القول بل ذهب إلى نقد المنطق اليوناني نقدا علميا.. وكان بذلك يسجل سبقا على ما فعلته أوروبا من لفظ المنطق الصوري واعتماد المنهج التجريبي أحد أسس نهضتنا الحديثة.
- وابن خلدون رحمه الله يعمد إلى استخدام المنهج النقدي حيال الوقائع التاريخية المدونة في الكتب حتى يصل إلى الحقيقة التاريخية فيقول: (وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين، وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط).
- وكأن ابن خلدون يشير هنا إلى أهمية المنهج في سبيل الوصول إلى الحقيقة، والمنهج ما هو إلا طائفة من القواعد العامة التي تنظم المعلومات والأفكار من أجل الوصول إلى الحقيقة العلمية. ويقول ديكارت منوها إلى أهمية المنهج (من الأفضل للإنسان الذي يبحث عن الحقيقة من غير منهج أن يبتعد عن طريق البحث).
- تطوير العقلية السليمة يكون بترسيخ مفهوم (الثوابت والمتغيرات) في ذهنيته حتى لا يجمد تفكيره عن عند فترة زمنية معينة، فيتطور الزمن وهو مازال لم يراوح مكانه بعد.
- فنفاجأ أنه في مقابل التطور العلماني الداعي إلى التجديد في كل شيء في الإسلام حتى في أسسه وثوابته، نشأ لدينا في الحركة الإسلامية رد فعل مضاد يدعو إلى الثبات في كل شيء حتى فيما هو التجديد سمة أساسية له.
- فمن عجيب الأمر أنك تفاجأ مثلا بمن يقول: إن النظام السياسي الإسلامي منذ بزوغه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين قد حوي كل التفصيلات والجزيئات التي نحتاج إليها ومن ثم فلا حاجة إلى ابتكار أي جديد في المنظومة السياسية الإسلامية، بل إنه يصل به الأمر إلى القول ببدعتيها.
- وهذه كلها أغاليط بعضها فوق بعض فالإسلام إنما أتى بالقواعد والأسس المشيدة لهذا النظام من وجوب انبثاقه من تعاليم الإسلام، وإحياء مبادئ الشورى، والعدل.. الخ، ثم ترك شكله وكيفيته بما يتناسب مع كل عصر ومصر، وبعبارة موجزة.. ثبات في الأساسات، ومرونة وتجديد في الآليات،
- هذا مجرد مثال أردنا به توضيح ما نريده، من أن قضية الثوابت والمتغيرات لها أثر بالغ في تطوير العقلية المسلمة حتى لا يسيطر هاجس الخوف من الوقوع في البدعة كلما نازعته نفسه إلى التطوير والتجديد.
- وتطوير العقلية المسلمة يستلزم بناء منهج للتفكير.. وكما يقول الدكتور/ماجد عرسان الكيلاني في كتابه أهداف التربية الإسلامية صـ 78 وما بعدها:
- (إن منهج التفكير الذي تتطلع إليه التربية الإسلامية يتضمن ثلاث مكونات رئيسية هي خطوات التفكير وأشكال التفكير وأنماط التفكير.. فخطوات التفكير السليم تبدأ بالإحساس بالظاهرة، ثم الانتقال إلى خطوة الوعي بهذه الظاهرة وتحديد إطارها وميدانها، ثم الانتقال إلى خطوة التعرف على تفاصيل الظاهرة من خلال تحري المعلومات المتعلقة بها وجمعها ثم الانتقال إلى مرحلة تحليل هذه المعلومات وتدبرها وتصنيفها واكتشاف العلائق بينها، ثم الانتقال إلى خطوة اكتشاف الحكمة الكامنة وراء الظاهرة.
- أما أشكال التفكير فهي تشمل ما يلي:
- تدريب المتعلم على النقد الذاتي بدل التفكير التبريري.
- تدريب المتعلم على التفكير الشامل بدل من التفكير الجزئي.
- تدريب المتعلم على التفكير التجديدي بدل التفكير التقليدي.
- تدريب المتعلم على التفكير العلمي بدل الظن والهوى.
- تدريب المتعلم على التفكير الجماعي بدل الفردي.
- تدريب المتعلم على التفكير السنني بدل الخرافي والتفكير الخوارقي.
- أما أنواع التفكير فهي تتضمن ما يلي:
- التفكير المنطقي أو التحليلي.
- التفكير التجريبي.
- التفكير الأخلاقي.
- التفكير الجمالي.
- تطوير العقلية المسلمة قضية مصيرية حتى لا تدهسنا عجلة الزمان ونحن وقوف لا نستطيع الحركة بعد أن كبلنا أنفسنا بمفاهيم مغلوطة، ورؤى قاصرة، وعقول مسجونة في أسر الوهم والتفسيرات الخاطئة.
- ثالثاً: قراءة التاريخ قراءة واعية:
- التاريخ هو مخزن الخبرات، ومنجم الرؤى والأفكار، ولا يظنن أحد أن الحدث التاريخي حدث ميت، نستخدمه للتسلية والترفيه وشغل الأوقات، بل إنه فعل مستمر حي بيننا، يلقي بظلاله علينا، خاصة إذا تكررت وقائعه وتشابهت أحداث معاصرة معه، فالإنسان في مسيرته اليومية كلما ألمت به مشكلة، أو حلت به ورطة أو معضلة، فإنه بشكل لا إرادي يستدعي مخزون خبرته فيما مر به من أحداث متشابهة كي يستدعي طريقة الحل.
- التاريخ ليس مجرد أقصوصة طريفة، أو حدوتة ظريفة تسلينا.. وتلهينا وإنما هو أحد العوامل المؤثرة في تشكيل وعي الإنسان وإدراكاته، والحركة الإسلامية مطالبة بأكثر من غيرها بقراءة التاريخ قراءة واعية رشيدة إذ التاريخ - كما يقول ابن خلدون - يوقفنا على أحوال الأمم السابقة وهو ما نحتاج إليه أن ننظر إلى صعود وهبوط هذه الأمم والأحداث الكبرى التي شكلت ماضيها وصنعت حاضرها.
- فمن يريد أن يفهم أوروبا فهما دقيقا عليه أن يرجع إلى عصر النهضة ويتابع التطور الفكري والعلمي آنذاك، ثم إذا أُريد فهم دوافع تلكم الحركة ولماذا ثارت على الكنيسة، فعليه أن يرجع إلى ما قبل ذلك ليدرس ويعرف تاريخ الكنيسة في أوروبا في العصور الوسطى.. ودواليك فالتاريخ حلقات مترابطة، تفضي كل حلقة إلى نظيرتها.. وهذه المعرفة التراكمية تفضي بنا إلى بلورة صورة كلية صحيحة.
- مثال أخر.. يذهب البعض إلى تفسير ارتباط الولايات المتحدة بالكيان الصهيوني على أنه نوع من الارتباط السياسي لأن إسرائيل ترعى مصالح أمريكا في المنطقة، وأيضا بتأثير اللوبي اليهودي القوي ذي الفاعلية العالية في العملية الانتخابية الأمريكية.
- وهذه أمور وإن كانت حقائق إلا أنها تمثل إلا قدرا ضئيلا من الحقيقة فارتباط أمريكا بالكيان اليهودي هو ارتباط ثقافي لاهوتي في المقام الأول.. ومن أراد أن يتحقق من صدق هذه الفرضية فليرجع إلى تاريخ أمريكا منذ نشأتها واكتشافها، فسيعرف أن المهاجرين الأوائل الذين نزحوا إلى أمريكا من أوروبا كانوا من البيوريتان (المتطهرين) أصحاب العقيدة البروتستانتية والذين يؤمنون بالتفسيرات الحرفية لا المجازية لنبوءات الكتاب المقدسة.
- ويعتقدون بالمجيء الثاني للمسيح (الألفية السعيدة) وهذا المجيء مشروط بعودة اليهود إلى فلسطين، وإقامة الهيكل (البروتستانت أغلبية الشعب الأمريكي) وهذه الحركة الأصولية البروتستانتية ذات صدى واسع في أمريكا اليوم من خلال تحالفها مع اليمين الجمهوري والذي أثمر هذا اليمين المحافظ الحاكم الآن.
- وتفسير الارتباط الأمريكي بإسرائيل في سياقه اللاهوتي والثقافي سيوجهنا وجهة صحيحة في التعامل مع هذه الأزمة، وهذا التحيز السافر.
- وقراءتنا لتاريخنا الإسلامي تحتاج هي الأخرى إلى وعي وإدراك يبعد بنا عن التسطيح والتعميم والتفسير الخاطئ للحدث التاريخي بل والاختزال المخل الذي يؤدي إلى ضمور المعرفة الناتجة من قراءة الحدث، فقد نعمد إلى الخلط ما بين الإسلام كدين حق وصدق وبين التاريخ الذي هو فعل البشر في النهاية، فيؤدي بنا هذا إلى إغضاء الطرف عن الأخطاء التي وقع فيها المسلمون حتى لا ندين الإسلام نفسه مع أن فترات الضعف وما يستتبعها من هبوط في مناحي الحياة كافة تعتبر فترات خصبة لاستخلاص الدروس والعبر في واقعنا المعاصر حتى يتم تجنبها.
- والاختزال المخل لحطين ورجوع القدس في شخص صلاح الدين وفقط (مع الاعتراف بعظيم دوره)، يجعلنا نغفل عن الجهود التربوية والسياسية والعسكرية التي مهدت لذلك النصر والمتمثلة في الدولة النورية وشخص المجاهد العظيم نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، وهي الجهود التي تفيد واقعنا خاصة وقد تكررت ذات الأزمة وضاعت القدس من أيدي المسلمين.
- كذا الاختزال المخل لسقوط الدولة العثمانية وحصرها في يهود الدونمة وشخص أتاتورك يبعد بنا عن معرفة الأسباب الحقيقية لسقوط هذه الدولة الإسلامية، وكيف أن هذا السقوط لم يحدث فجأة بل استمر ما يقرب من أربعمائة سنة منذ أن بدأت الدولة في منح الامتيازات للدول الأجنبية عام 1536م في عهد أقوى سلاطينها سليمان القانوني.
- ثم إننا نحتاج إلى قراءة واعية لتاريخنا نحن كحركة إسلامية، وهذه القراءة لابد وأن تسبق بفعل أخر وهو كتابة هذا التاريخ كتابة منهجية سليمة، بعيدة عن الأسلوب الدعائي، وتنأى عن إضفاء صفة القداسة على أفعالنا وتصرفاتنا، فالحركة الإسلامية عبر مسيرتها استطاعت أن تأثر تأثيرا إيجابيا في المجتمع، ولكنها أخفقت في جوانب، وجانبها الصواب في أفعال وقرارات فتحرير تاريخنا تحريرا صادقا سيساهم في زيادة الوعي لدى الأجيال التالية، ويمكنهم من استدراك الخطأ، وتنمية الصواب.
- أعود فأكرر.. هناك فرق بين الإسلام الذين ندعو إليه وبين "فعل" الدعاة والعاملين لهذا الدين، فهذا الفعل عرضة للإصابة والخطأ.. ونجاحنا الفعلي في اكتشاف الخطأ وتصويبه والتاريخ.. سيظل وسيلة هامة لتشكيل الوعي.. وتنمية المعرفة والإدراك شريطة أن نحسن قراءته
- رابعاً: تطوير الخطاب الدعوي:
- حتى يستوعب قضايا، ومشكلات الناس الآنية، ويتعامل مع الأمراض الاجتماعية والأوبئة الأخلاقية المعاصرة.
- فمن غير المعقول وغير المستساغ أن يقحم الداعية في حياة الناس المعاصرة قضايا عفي عليها الزمان، وذهبت إلى حال سبيلها بانقضاء عصرها، كأن يقحم داعية ما القضايا الكلامية التي شغلت بال المسلمين في القرون الأولى في مشاكل الناس اليوم.. فمسلم اليوم أبعد ما يكون عن قضية خلق القرآن.
- وهل الصفات زائدة على الذات أم لا؟
- وهل الاستطاعة تقارن الفعل أم لا؟.. الخ.
- فهذه قضايا وليدة عصرها، ومكانها اليوم قاعات الدرس الأكاديمي أما الجماهير فهي تحتاج إلى من يشعر بها، ويتبنى قضاياها، ويحس بآلامها.. فعلى المستوى الفكري.. فإن داعية اليوم مطالب بإبراز حقيقة الإسلام كمنهج حياة في مواجهة التيارات العلمانية اللادينية وفضح المبادئ الهدامة كالحداثة، والماسونية.. الخ.
- وعلى صعيد المشاكل الحياتية.. فإن داعية اليوم مطالب بأن يعيش مع مشاكل الناس، شارحا لهم أبعادها، مبرزا في الوقت ذاته الحل من وجهة النظر الإسلامية.. كمشاكل الزواج العرفي، وتفشي ظاهرة الإدمان بين الشباب، وازدياد معدلات الطلاق وما يترتب عليها من انهيار الأسرة وتفسخها.. الخ.
- فالداعية مطالب بتطوير خطابه الدعوي بما يسمح له باستيعاب مشكلات وقضايا عصره، والإحساس بآلام الناس وهمومهم، كذلك فالخطاب الدعوي يحتاج إلى إستراتيجية واضحة ومحددة يعمل من خلالها تهدف إلى تعبيد الناس لربهم، وغياب هذه الإستراتيجية يؤدي إلي شيوع الفوضى، وتفشي الانفعالية والارتجالية، واعتماد سياسة (الإثارة والتهييج) بدلا من (البناء والتشييد).
- وبدلا من أن يقوم المنبر بدوره الدعوي والتربوي يتحول إلى أداة للانفعالات، ومكان لردود الأفعال غير المحسوبة.
- الخطاب الدعوي يحتاج للخروج من "شرنقة" دغدغة مشاعر الناس على حساب الحقائق، وأيضا على حساب ترسيخ المبادئ والقيم في نفوسهم، فمواجهة قضايانا المصيرية لا يكون بالصوت العالي والكلمات الرنانة التي يسمع لها صدى ولا يرى لها أثر.
- فقضية فلسطين على سبيل المثال لا تحتاج إلى من يلهب المشاعر، ويلهب الظهور بسياط التخاذل والقعود، أكثر من احتياجها إلى من يربي ويعلم، ويأخذ بأيدي الناس من متاهات العصيان إلى صراط الواحد المنان، فإذا صلحت الأمة ورشدت ستعود فلسطين ويعود معها المسجد الأقصى من جديد .
- ويوم أن عالج المسلمون قضية فلسطين بالخطب الرنانة من عينة إلقاء إسرائيل ومن وراءها أمريكا إلى البحر، ضاعت كل فلسطين وضاع معها القدس.. ففراغ المحتوى لا يجبره رونق الشكل.
- يقول د./ماجد عرسان الكيلاني: (فأين هذا من أسلوب "الخطباء والوعاظ" المعاصرين الذين لم يتوقفوا - منذ قرن - عن شتم الغرب شتما أثارت الضغائن فيه، ولم يتوقفوا عن الحديث عن انحلال الغرب وانهيار الأسرة فيه، حيث يمنّى السامعين بقرب سقوط الغرب سقوطا يوفر على المسلمين عناء الاستعداد والمواجهة، ولم يذكروا يوما أنه إذا كان "مفهوم الأسرة" قد انهار في الغرب فإن "مفهوم الأمة" قد انهار لدينا في الشرق) .
- إن تطوير الخطاب الدعوي قضية مصيرية لا ينبغي أن ينظر إليها على أنها من ترف القول، أو فضول الفعل، حتى توازي خطواتنا خطوات الزمن، وتعايش رؤانا هموم الناس وأدوائهم.
وللحديث بقية بإذن الله تعالى
- نظرات فى واقع الحركة الإسلامية ( 2- 4)
| الإسم | على الدينارى |
| عنوان التعليق | إلى الأمام |
| هذه النظرات يبدو انها يمكن ان تساهم فى تطوير الحركة الإسلامية ولكننا سنستطيع تاملها عندما تكون مجملة فى كتاب بإذن الله وجزى الله خيرا الشيخ سمير العركى |
عودة الى دروس في الدعوة
|