|
سقاية الكلب.. وحبس الهرة بقلم/ رجب حسن
كلما تأملت في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) وجدت نفسي أمام غيثٍ من الحكمة ينهمر على قلبي.. ويروي عطشي وغلتي.
والحق أننا ننسي كثيرا ً عبادة التدبر في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونقصر نظرتنا إليها على البحث عن الأحكام العلمية والعملية المستفادة منها.
مع أن مجرد الفكر في جمال عبارتها وبلاغتها.. والأخلاق والمبادئ العظيمة التي تحييها في قلوبنا هو في ذاته عبادة تزيد الإيمان وتبعث الهمم من موتها ورقادها.
وقد تأملت كثيرا ً في حديث سقاية الكلب وحديث الهرة فوقفت على معاني جميلة أردت أن أذكر نفسي وإخواني.. لنزداد يقينا ً أن محمدا ً لا ينطق عن الهوى.. " إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى " .
ففي حديث سقاية الكلب: " أن رجلا ً رأي كلبا ً يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة" .
وفي حديث الهرة ، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) "عذبت امرأة في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"
الكلب نهاية في الحساسة، يضرب به مثل السوء. وليس على الجيف المنتنة أكلب منه.
فعالم السوء مثل الكلب "إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث"
"والعائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"
والهرة كذلك حيوان له مخالب وناب ـ يأكل الجيف إن وجد.. بل وتأكل الهرة أولادها.. تكون أليفه أحياناً وشرسة أخرى.
ومع كل ذلك.. فالكلب مع حقارته وخسته كان سببا ً في أن يدخل رجل الجنة، والهرة مع حقارتها وقلة قيمتها كانت سببا ً أن تدخل امرأة إلى النار.. وأن تعذب بعذاب الله الأليم.
إن قيمة الإحسان ليست في قدر المحسن إليه، ولكنها في معنى الإحسان في ذاته ونية صاحبه بذلك الإحسان.
فقد كان (صلى الله عليه وسلم ) يحسن إلى المؤمن وإلى الكافر وربما زاد في إحسانه للكافر طمعا ً في دخوله الإسلام وحبه له.
وكان يحسن إلى المرأة ويزيد في إحسانه ويحسن للطفل الصغير.. بل ويأمر بالإحسان في كل شيء حتى في القتلة والذبحة ،فيقول: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة".
قد ينسى المرء معنى الرحمة والإحسان إذا تعلقت بشيء ليس له قيمة.. ولكن رسولنا (صلى الله عليه وسلم ) علمنا أن نرحم من أجل الرحمة.. فقال للأنصاري الذي كان يتعب جمله ويجيعه ولا يطعمه : "اتق الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه يشكو إلىَّ أنك تجيعه وتدئبه"
ونهى الغلام عن اللعب بالطائر وحبسه أمام أمه.. لأجل أنها تتعذب بذلك.
وفي المعنى المقابل فإن الإساءة والإهانة بغير حق لا تتعلق حرمتها بقدر المهان والمساء إليه.. وإنما تتعلق فقط بجرم إهانة الخلائق والإساءة إليهم.
فتعذيب المسلم حرام.. وكذا تعذيب الكفار.. وكذا تعذيب الحيوان فقد قال (صلى الله عليه وسلم ) "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا".
بل ولعن الدابة وسبها حرام، كما هو الشأن في سب الإنسان ولعنه.
فقد قال (صلى الله عليه وسلم) "ليس المسلم بسباب ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء"
كل هذه المعاني تأملتها وأنا أسمع حديث كل من قابلني وشكايته من سوء الحال.
فالناس يأكل بعضهم بعضا ..ً وينهش بعضهم لحم بعض بلا هوادة.. بحثاً عن المال بأي صورة ومن أي أحد.
اذهب مرةً إلى المكاتب في المؤسسات الحكومية لتبحث عن مصلحةٍ لك وانظر كيف يعذبك الموظف البسيط ولا تصل إلى مصلحتك إلا إذا دفعت "المعلوم" وهو لا يبالي بعذابك.. المهم عنده فقط هو (المعلوم) .
ابحث عن تعذيب الناس وإهانتهم وأكل أموالهم تراه أمامك في أكثر مظاهر الحياة.
لقد بكي أحد إخواني أمام عيني بعد أن ذاق الأمرين في مصلحة له لم يستطع قضاءها.. لأنه لا يقبل على نفسه أن يدفع (المعلوم).. ولما اشتد عليه الآسي قال: لقد تمثلت قول الشاعر اليائس من الناس:
ليت الكلاب لنا مجاورة وليتنا لا نري ممن نرى أحد
إن الكلاب لتهدأ في مرابضها والناس ليس بهاد شرهم أبداً
إن من أعظم واجباتنا كدعاة إلى الله.. أن نعمق في الناس معنى الرحمة والإحسان والتراحم والتغافر، ونرهبهم من الظلم والعدوان وأن نكون نحن أول العاملين بذلك.
وقبل ختام الحديث أذكر إخواني أئمة المساجد بقوله (صلى الله عليه وسلم):"فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز فإن فيهم الفقير والضعيف وذو الحاجة"
لأن كثيرا ً من إخواننا يعذبون الضعفاء خلفهم بطول القيام، ويراجعون أورادهم في الصلاة على حساب الضعفاء والمرضى والشيوخ.
والله الهادي إلى سواء السبيل
عودة الى دروس في الدعوة
|