|
عادل طرمان .. والكرم الغائب بقلم د. ناجح إبراهيم
لاحظت أن كلمة الكرم تكاد أن تندثر فى حياتنا المعاصرة .. فلا أحد يكرم أحدا .. ولا أحد يدعو أحدا ً إلا ما ندر .. ولا جار يعرف جاره .. أو يدعوه فى المناسبات المختلفة .. بل لقد سمعت أن فى المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية وأسيوط يتلاقى الناس فى المقاهي .. وقد قال لى قريب لى يعمل موظفاً أنه إذا أراد أن يلتقي مع أحد زملائه وأصحابه يلقاه في المقهى .. وأنه يعمل منذ عدة سنوات فى وظيفته .. ولا يعرف بيت أحد من زملائه ولا يعرفون هم بيته.
تذكرت ذلك كله واسترجعت شريط ذكريات حياتي.. وتذكرت فى هذا الشريط رجلا ً لا أنساه أبدا ً ما حييت.. وهو الأخ الفاضل / عادل طرمان .. وهذا الرجل طراز فريد من الرجال لم أر مثله في الكرم حتى اليوم.. وقد تعرفنا على الأخ / عادل طرمان عن طريق الشيخ حمدي عبد الرحمن.. مسئول الجماعة الإسلامية فى سوهاج.
وكان بداية تعرفنا به حينما كنا مطلوبين للتحفظ الذي قام به الرئيس السادات فى أخريات حكمه في سنة 1981 .. وكان هذا التحفظ قد شمل كل طوائف المجتمع المصري تقريبا ً ومنهم قادة الجماعة الإسلامية وقادة الإخوان المسلمين وزعيم الوفد وقتها الأستاذ /فؤاد سراج الدين وكذلك الصحفي الشهير والسياسي المعروف الأستاذ / محمد حسنين هيكل.. وجمع كبير من المثقفين والسياسيين واليساريين والحركات الإسلامية الأخرى..
ورغم أننا كنا وقتها فى سن الشباب إلا أننا شعرنا بموضوع التحفظ قبل حدوثه فقررنا الهروب ولكن معظم الذين ذكرتهم لم يتوقعوا ذلك فقبض عليهم مع من قبض..
وفى رحلة هروبنا هذه من التحفظ انتقلنا من مكان إلى مكان.. فمن اللجوء إلى الحدائق الخاصة إلى الهروب فى مزارع القصب المشهورة في الصعيد ثم فى البيوت.. إلى أن دلنا الشيخ حمدي عبد الرحمن على أحد الإخوة الذي أوصلنا إلى الأخ عادل طرمان.. الذي أحسن استقبالنا وأكرم وفادتنا.. وأحسن إلينا إحسانا ً بالغا ً ..
وقد كان عددنا وقتها قرابة عشرين أخا ً تقريبا ً وقد استقبلنا الأخ عادل طرمان استقبالا ً حافلا ً من أول يوم ورحب بأن نكون ضيوفا ً عليه رغم خطورة موقفنا أمنيا ً وسياسيا ً وقتها..
ولك أن تتخيل شابا ً من عوام الناس وقتها ولم يكن ساعتها ملتزما ً بالحركة الإسلامية بل لم يكن ملتحيا ً يستضيف عشرين شخصا ً لفترة تقارب الشهر.. ومن هؤلاء الضيوف الإخوة والشيوخ /كرم زهدي و أسامة حافظ و علي الشريف وحمدي عبد الرحمن وعاصم عبد الماجد والمرحوم محمود فرج وكاتب هذا المقال وآخرين..
ولم تكن استضافة الأخ عادل طرمان مجرد استضافة عادية.. ولكنها كانت تمثل كرما ً نادرا ً فى عصره.. بل فى كل العصور.. ولم تكن تمثل الكرم فحسب ولكنها تمثل شجاعة ورجولة نادرة.. إذ أن الأخ عادل طرمان دفع ثمنا ً باهظا ً لهذه الاستضافة إذ أنه مكث بالمعتقل ثلاث سنوات كاملة.. من سنة1981 حتى سنة 1984.. ولو أن هذه الاستضافة كانت فى التسعينات من القرن الماضي لمكث فى المعتقل طوال عمره.. ولكن الله لطف به ورحمه وأكرمه جزاء ً وفاقا بما أكرمنا به فى محنتنا وأزمتنا وشدتنا.
وقد دعيت إلى استضافات كثيرة.. ولكنى لم أر كرما ً فى حياتي مثل كرم هذا الرجل.. فقد كان بإمكانه أن يطعمنا أي طعام. فيكفيه أنه قد آوانا وسترنا فى هذه الظروف العصيبة.. ولكنه أبى إلا أن يبالغ فى إكرامنا.. فإذا ذكرت لكم ما كان يقدمه فى الإفطار فقط من أنواع الأطعمة لأدركتم مدى هذا الكرم..
فقد كان يقدم في الإفطار فقط القشطة والجبن القديم والأبيض والقريش والعسل الأسود وكذلك الأبيض والمربى والكشك والبيض البلدي مغموسا ً فى السمن البلدي.. بالإضافة إلي غيره من الأطعمة الجميلة..
أما في الغداء فقد كان يقدم كل أنواع اللحوم مجتمعه كل يوم مثل البط والفراخ البلدي واللحوم.. بالإضافة إلى أنواع الخضار المختلفة.. ولم يحدث فى يوم أن قدم الغذاء دون هذه الأنواع من اللحوم مجتمعة..
ولعل معيشة الأخ عادل طرمان فى بيت ريفي كبير فيه كل أنواع الطيور.. وكذلك عمله كتاجر للمواشي.. ساعدته كثيرا ً على هذا الكرم الحاتمي الكبير..
وفى ليلة من الليالي التي عشناها عند هذا الرجل الكريم فوجئت به يأتي بسيارة نصف نقل محملة بقرابة ستة عشر مرتبة أسفنجية جديدة فسألته عن ذلك فقال لقد اشتريتها اليوم من أجلكم.. وحتى تستريحوا فى النوم..
وفى هذه الأوقات كان الشيخ كرم مصابا ً بكسور فى قدميه الاثنين وكان لا يستطيع المشي أو الحركة وكان يحمل من مكان لآخر.. فما كان من الأخ عادل طرمان إلا أن ذهب مع المرحوم محمود فرج.. صهر الشيخ كرم القديم وأحضرا زوجته من أسيوط بسيارة الأخ عادل طرمان الخاصة.. وأصر الأخير على أن يبيت الزوجان فى غرفة نومه الخاصة.. وأن ينام هو وزوجته فى غرفة أخرى.
ومن الطريف أن الأخ عادل طرمان اعتقل فى نفس المعتقل ونفس العنبر الذي كنت فيه فى سنة 1982 .. حيث كنا سويا ً فى معتقل استقبال طره عنبر ب.. كان وقت الفسحة اليومية للمعتقلين.. هو نصف ساعة لكل أخ.. وكانت الزنازين انفرادية وكان كل أخ يخرج من غرفته وحده.. يتمشى في طرقة العنبر دون أن يكلم أحداً في الغرف من حوله..لأن الحديث مع الآخرين كان ممنوعا وقتها.. فلما خرجت سلمت بهدوء على الأخ عادل طرمان في غرفته وقلت له وأنا أبتسم كيف حالك؟ قال تصور يا أخي أنا كنت أفسح البهائم بتاعتي طوال اليوم.. وأجعلهم يستحمون في الترعة ويأخذون حمام شمس كل يوم عدة ساعات.. ونحن الآن لا نصل لهذه الدرجة.
ومن المعروف أن الأخ عادل طرمان كان ومازال تاجرا ً للماشية.. وقد كانت حظيرة مواشيه ملحقة بمنزله الريفي في قرية نجع مكرم التابعة لمدينة سوهاج.. وقد كنت أجلس معه في فناء منزله الريفي الجميل وكان يفتح على البهائم في الصباح المبكر فتنطلق مسرعة وكأنها خرجت من سجن أو معتقل.. فإذا بالعجول الصغيرة تقع من شدة سرعتها وخاصة عند دوران تمر به حيث تتزاحم تزاحما شديدا.. وكنت أراقب هذا المنظر العجيب كل يوم.. وأقول فى نفسي لماذا لا تتمهل هذه العجول الصغيرة فى سيرها؟.. وإذا تمهلت فلن تتأخر ثوان عن إدراك الشمس والماء.. ولكن المنظر يتكرر يوميا دون اتعاظ من العجول الصغيرة ودون توقف مني عن جدوى العجلة..
ولم أفهم السر فيما تفعله تلك العجول الصغيرة إلا بعدما دخلت المعتقل ومكثت فيه سنوات فعرفت قيمة الحرية وألم الحرمان منها.. وأدركت في المعتقل أن هذه العجول الصغيرة كانت تتعجل الحرية والهواء النقي والشمس الجميلة والترعة الصغيرة التي تعدها كأعظم نهر تراه في حياتها.. ولذا فهي في كل يوم تكرر التزاحم والعجلة والعدو سريعا والسقوط على الأرض ولا يمنعها ذلك من تكرار هذا الأمر في كل يوم حينما يفتح عليها في الصباح الباكر..
لقد غاب الكرم عن دنيا الناس تقريبا.. إلا من عصم الله وهم قليل.. وحل محله البخل والأثرة وحب النفس.. بل لقد عد الكثير بذل المال أو الوقت أوصلة الرحم أو إكرام الضيف شيئا غريبا في مجتمعات اليوم.. بل تحولت العلاقات بين الناس من لغة الإيثار والكرم إلى لغة المصالح.. فلا يكرم إلا من يرجو منه مصلحة دنيوية.. ولا يصل ويتواصل إلا مع من يطلب منه غرضا من أغراض الدنيا.. فإذا انقضت هذه المصالح والأغراض انتهت العلاقة بين الناس.. حتى الشكر والامتنان غاب عن كثير من الناس.
لقد أصبح الكريم إنسانا غريبا بين الناس.. وكأنه مثال نادر.. نعم.. قد تكون الظروف الاقتصادية الحالية وغلاء المعيشة سبب في ذلك.. فأكثر الناس اليوم لا يستطيع أن يكفي بيته وأولاده وأسرته.. والكرم لا يحتاج إلى قوة نفسيه وشفاه باسمة وكلام طيب فحسب.. ولكنه يحتاج إلى مال كثير.. تعطي منه الفقير.. وتمسح به على جراحات اليتيم.. وتعين على نوائب الحق.. وتصل الرحم لاسيما إن كان فقيرا.. وتبر الوالدين وخاصة وإن كان بهما خصاصة أو حاجة.. أو تقف إلى جوار صديق عليه دين أو مغرم.. أو تساند مريضا من ذوي الصلاح والتقى إذا نزلت به كارثة من أمراض هذا الزمان العتيدة مثل السرطان أو الفشل الكلوي أو أمراض الكبد ونحوها.. تلك الأمراض التي زلزلت الناس وهزمتهم وقهرتهم ماليا ونفسيا واجتماعيا.. فلا هم برءوا منها.. ولا هي تركتهم أغنياء أو مستورين.. بل تركتهم عالة يتكففون الناس..
ولكن ليست الحالة الاقتصادية المتردية هي السر في البخل والأثرة الذي أصاب أكثر الناس في زماننا.. ولكن أيضا غياب القدوة في الكرم و السخاء.. وقلة التربية عليها.. وعدم الحياء من البخل والشح.. بل وذم الكرماء من أسرهم وأولادهم وزوجاتهم حيث يعتبرونهم أقل تدبيرا للمال وأقل فهما للحياة المعاصرة...الخ
وقد خلصت من خبرتي الطويلة في الدعوة إلى الله و العمل لهذا الدين إلى الآتي:-
إن الدعوة والدين والحياة كلها لا تصلح إلا بالسخاء والكرم والجود.. ليس سخاء اليد والمال فحسب لكن سخاء الأنفس والروح ..فالسخاء شجرة فى الجنة كما ورد فى بعض الآثار فمن كان سخياً أخذ ببعض منها فلم يتركه ذلك الغصن حتى يدخله الجنة..
فهذا الدين العظيم لا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق.. فعلى كل مسلم أن يكرم نفسه ودينه ودنياه بهذين الخلقين العظيمين.. فإن غاب هذان الخلقان وحل محلهما سوء الخلق والبخل فعلى الدنيا السلام.. وستتحول الدنيا إلى غابة شريرة لا خير فيها ولا أمن ولا أمان بل ولا حياة..
وقد أعجبني حديث جميل للرسول صلى الله عليه وسلم وهو قوله صلى الله عليه وسلم "إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد عن النار, وإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار"
وفى آخر الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم "وأدوأ الداء البخل".
إن الكريم يشتري رقاب الأحرار بمعروفة وكرمه وإحسانه.. ولكن يبدو أن الناس اليوم لا يرغبون فى ذلك.. حتى الدعاة وحملة الدين أصابهم ما أصاب الناس اليوم.. وقد كان ابن السماك وهو من علماء السلف الصالح يقول : "عجبت لمن يشترى المماليك بماله ولا يشترى الأحرار بمعروفه".
أن السيادة والريادة بين الناس وإمامة الدين والدنيا لا تكون إلا بسخاء الأنفس والأيدي وحسن الخلق.. فقد سئل بعض الأعراب من سيدكم؟ قال :من احتمل شتمنا وأعطى سائلنا وأغضى عن جاهلنا..
فإذا أراد الأب أن يكون سيداً في بيته مهابا فيه.. فعليه بالكرم مع زوجته وأولاده وأقاربه.. ومن أراد أن يكون محبوباً من رحمه ووالديه وأقاربه فليكن كريما معهم..
ومن أراد النجاح فى الدعوة والتربية فليكن كريما ًسخياً مع الناس.. ومن أراد أن يكون قائدا وإداريا ناجحا ً فليكن كريما ً مع مرءوسيه..
ومن أكثر قصص السخاء والكرم والنجدة التي أثرت فى كثيراً كلما قرأتها قصة ذلك التابعي عبد الله بن عامر حيث اشترى من خالد بن عقبة بن أبى معيط داره بتسعين ألف درهم فلما كان الليل سمع المشترى بكاء زوجه وأولاد البائع فقال لزوجته:ما هذا؟ فقالت له : يبكون لفراق دارهم.. فقال لخادمه: يا غلام اذهب إليهم وأبلغهم أن المال والدار لهم جميعاً.. فمن يفعل مثل ذلك اليوم أو حتى قريبا منه ..
لقد روى الإمام الغزالي قصة رائعة في كتابه الجميل "إحياء علوم الدين" عن قيس بن سعد بن عبادة -وهو من أئمة التابعين – في الكرم والجود والعطاء ..حتى صار مضرب الأمثال في ذلك ..
فقد مرض ذلك التابعي يوما فتأخر أصحابه وأصدقاؤه وأحبته عن زيارته وعيادته فسأله من حوله عن ذلك فقيل له :- إنهم يستحيون من الحضور لما لك عليهم من الديون التي لا يستطيعون أداءها.. فقال قيس بن سعد بن عبادة قولة لا تتكرر في أي زمان: أخزى الله من يمنع الإخوان من الزيارة .. ثم أمر مناديا فنادى في الناس :من كان لقيس بن سعد حق عليه فهو منه برئ قال :فانكسرت درجات سلم بيته في ذلك اليوم لكثرة من زاره وعاده ..تصور أنه قد كان أقرض المدينة كلها تقريبا ثم وضع عنهم الدين في لحظة واحدة..
ومن الطريف الذي أختم به مقالتي هذه أن الأخ عادل طرمان كان كريما حتى بعد دخوله المعتقل.. فقد كنا سويا في معتقل استقبال طره الشهير في الدور الأرضي.. وكانت تأتيه الزيارة.. فيجمع جميع الأخوة في الدور الأرضي بلا استثناء ونفرش عدة بطاطين فنأكل جميعا من زيارته.
وبعد أن خرج من هذه القضية براءة سنة 1984 سألته بعد ثلاث سنوات: ماذا فعل الله معك ؟ هل عوضك عما فقدته خلال سنوات الاعتقال كما بشرتك من قبل ؟ قال: نعم لقد عوضني الله تعويضا لا يتخيله أحد ولم أتوقعه في يوم من الأيام وأكرمني كرما واسعا لا حدود له.. وقد أصبحت مستقلا في تجارتي التي تضاعفت كثيرا..
ولذا فإني أقول مع الملائكة كل يوم بل كل دقيقة:
اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا..
سلام على الكرام والأسخياء في كل جيل..
سلام على من يبذلون من أموالهم وأوقاتهم ومشاعرهم وأحاسيسهم ليحملوا الندى للناس..
سلام على أسخياء اليد والنفس والمشاعر والقلوب..
سلام عليهم ما طلعت شمس.. فهم شموس تبعث الدفء والحياة في قلوب الآخرين..
المحب للكرام د/ ناجح إبراهيم
| الإسم | محمد |
| عنوان التعليق | حضرتكم أهل الفضل |
| انما يعرف الفضل لاهل الفضل ذوو الفضل |
| الإسم | صابر |
| عنوان التعليق | أهل الكرم |
|
الأخ الحبيب د/ ناجح .
فى ظل هذه القسوة من الجميع تندثر كلمات وشيم
كانت دائما وابدا من صفات أمتنا سواء فى الجاهلية أو فى الاسلام وسلوانا أنه مازال بيننا من هم أمثالك الذين يذكرون ويتذكرون .
زادك الله سعة فى العلم والرزق إن شاء الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته |
| الإسم | A .S من السعوديه |
| عنوان التعليق | أني أحبك في الله |
| أخي الحبيب الدكتور ناجح أشهد الله أني أحبك في الله أنا أعرفك و أنت لا تعرفني لكن الله يعرفنا جميعا |
| الإسم | ابو المقداد |
| عنوان التعليق | شهاده نعتز بها أل سوهاج جميعا |
| الشيخ الحبيب :هذه شهاده نعتز بها خصوصا اذا كانت من الشيخ الحبيب ونشكر الشيخ عادل على انه رفع رؤوسنا.
|
عودة الى دروس في الدعوة
|